المقالات
المنوعات
كلية الخرطوم الجامعيه 1954 - 1956
كلية الخرطوم الجامعيه 1954 - 1956
02-21-2016 08:40 PM


- ¬¬¬كلية الخرطوم الجامعية (1954 - 1956)
جامعة الخرطوم– صورة وذكرى(1956- 1958)

شاءت ارادة الله الغالبة ان يتم التحاقى بكلية الخرطوم الجامعية فى يوليو 1954 بدلا من يوليو 1953 متخلفا عاما واحدا عن رفاق الدفعة السابعة من خريجى حنتوب فى ديسمبر1952.احمد الله كثيرا على ذلك التاخيرفقد كان الخيرفيه كثيرا. اختارالله لى مما كتب وسطر قدرا وافرا مما فاض فى فترة الثمانية عشر شهرا (الفاصلة بين اكمالى الدراسة الثانويه بنهاية عام 1952 ومواصلة الدراسة الجامعية اعتبارا من يوليو 1954) - من تجارب وخبرات لا تقدربثمن لما كان لها من آثار عظيمة على مسارحياتى عبرالسنين ..اكتسبت خلالها من الخبرات التعليمية الميدانيه فى مجال التدريس فى مدرسة حى العرب الاهلية الوسطى (1953) قدرا كبيرا كان لى سندا استراتيجيا عندما اخترت العمل فى وزارة المعارف فى عام 1958. الى جانب خبرات اخرى ادارية وديوانية فى شؤون الخدمة والتوظيف وثالثة فى اعمال الحسابات فى فترات العطلات الصيفية قبل وبعد التحاقى بكلية الخرطوم الجامعية.. فضلاعما كان له من آثارعظيمة على صحتى البدنية والنفسيه وهى التى تمثلت فى التحاقى بمجال التحكيم الكروى .وفوق هذا وذاك اكثر ما سعدت به هو زمالة وصحبة رفاق درب كرام من الحنتوبيين خريجى الدفعة الثامنه فى ديسمبر1953 مع رفاقهم من الصروح التعليمية الشوامح .. الوادى الاخضر والخور الخصيب والاهلية والاحفاد وامدرمان الثانوية للبنات الذين جاءوا الى كلية الخرطوم الجامعية يفيضون بالكثيرمن التجارب والخبرات التى كانت بحق هى مزيدا لما توافرلنا جميعا منها فى سوابق الازمان تبادلناها وكلنا فرحون مستبشرون يملؤنا التفاؤل والامل فى مستقبل مشرق وزاهرنحمد الله كثيرا ان تحققت لنا جميعا منه اقدارعظيمة.
ما كنت اود ان اتطرق هنا الى تذكار تفاصيل انشاء وتطورجامعة الخرطوم عبرالسنين الى ان وصلت الي عهدها الزاهى الذى اكسبها اسم "الجميلة والمستحيلة" زمانا ليس بالقصيرقبل ان يصيبها ما اصابها فى مقتل وافقدها الكثير ما تجمع لها من الق وسمعة وبهاء.. فقد اضحت تفاصيل تاريخها متاحة لمن يروم معرفتها عبرما تناوله الكثيرون من الكتّاب والمتحدثين وما تفيض به اضابيراجهزة الحواسيب والصحف.. لولا ان هالنى ما لمسته(بكل اسف)من جهل نفرمن خريجي كلياتها فى سنوات القرن العشرين الاواخروما تلتها من سنوات بذلك الماضى المؤثّل الذى كانت ايامه بكل المقاييس وافرة الاشراق.ذلك الماضى الذى عبّرعنه استاذ الاجيال المغفور له باذن الله سعد الدين فوزى (الذى امل ان يكون خريجوالكليات الادبية قبل الكليات العلميه فى الجامعة قد أحدث لهم من اخباره ذكرا او سمعوا باسمه اوعرفوا انه كان من بين من طافت بذكرهم الركبان من خريجى كلية الآداب فى بداية عهدها اولا ومن اساتذتها الذين ظل يشار اليهم بالبنات سنين عددا واخيرا وليس آخرا مؤسسا وعميدا لكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ونائبا لاول مديرسودانى للصرح الشامخ لحقبة زمنية قصيرة من تاريخها المؤثل لم تتعدالعام (من يوليو 1958 الى مايو 1959حينما وافاه الاجل المكتوب والكتاب المسطور فى التاسع والعشرين منه ولمّا يبلغ السابعة والثلاثين من عمره وهوالقائل نظما فى بدايات اربعينات القرن العشرين عمره كثيرا من الاشعارتم جمعها فى ديوان عرف باسم" من وادى عبقر"واضحت احدى منظوماته نشيدا عذبا ظل تلاميذ المدارس الاولية والوسطى يرفعون اصواتهم مرددينه مع اناشيد اخرى متعددة لا تزال اصداؤها تتردد فى اعماق النفوس على مر السنين فهو يقول" ذلك الماضى لنا.. منه تنساب المنى.. نحو سودان جديد" فذاك النشيد وغيره "صرخة روّت دمى" و"المجد للوطن هذا نداء الجيل يبقى على الزمن" و"صه يا كنار"وغيرها مما كانت تزخر به الساحة من اناشيد وقصائدلآ يزال ألأحياء من جيل الذين احوجت اسماعهم الثمانون (وقد بلّغوها او تخطوها)الى ترجمان ..يطربون لسماعها كلما اعادها الى اسماعهم المبدع الكبيرعبد الكريم الكابلى من حين لآخر.. بس يا حسرة ان كان هذا حال خريجي الجميلة ومستحيلة حينما يبدو واضحا للعيان جهل الكثيرين منهم عن تاريخ ام الجامعات واعرقها فى بلادهم فما بالكم بمن لم تسعدهم الايام بالدراسة فيها! وتلبية للكثيرين من الراغبين فى معرفة شىء من تاريخ ذلك الصرح الشامخ ها نذا استجيب واعود بهم الى عام 1900بعد ان تم لجيش كتشنرالنصرعلى قوات الخليفه واستتباب الامور لدولتى الحكم الثنائى حينما اطلق اللورد كتشنرقائد قوات الفتح واول حاكم عام للسودان نداءه لقومه واهله فى بريطانيا بالاكتتاب لبناء مؤسسة تعليمية فى السودان تحمل اسم الجنرال غردون تخليدا لذكرى اغتياله بحراب الانصا على عتبات سلّم قصرالحكمداريه بالخرطوم فى السادس والعشرين من ينايرعام 1885.نجح كتشنر فى مسعاه بفضل دعم البريطانيين المالى والمعنوى حكومة وشعبا.. وكان الثامن من شهر نوفمبر من عام 1902 الذى شهد افتتاح الصرح الشامخ يوما مشهودا من ايام السودان الخالدات لتبدا كليةغردون مسيرتها الطويلةالظافرة تحت ادارة السيرجيمس كرى اول مدير لمصلحة المعارف فى ظل النظام الادارى الجديد. واصلت كلية غردون مراحل تطورها وتقدمها من مدرسة اولية فى بداية عهدها الى ان صارت جامعة كان يشار اليها بالبنان بين كبريات جامعات العالم زمانا من عمرها المديد ..وبعدد السنين والحساب كان ديسمبرعام 1903 موعدا لتخريّج اول مجموعة ممن التحقوا بها من كبارالسن من السودانيين الذين كانت لهم معرفة سابقة ومتقدمة بالقراءة والكتابه وحفظ القرآن الكريم خلال سنوات الدولة المهديه وهم من تمت الاستعانة بهم كنواة لفئة المعلمين فى مدرسة الخرطوم الاوليه وما تم انشاؤه من رفيقات لها فى مختلف مدن البلاد الاخرى. وفى بداية عام 1905تم انشاء القسم الثانوى واعقبه فى عام 1906قسم خاص باعداد معلمى المرحلة الاولية عرف بأسم "قسم العرفاء" الذى انتقل الى بخت الرضا فى عام1934 وتوالى تباعا انشاء اقسام للصناعه لتخريج عاملين مهره - نجارين وبنّائين وحدادين الى جانب قيام قسمى الكتبة (المترجمين) والمحاسبين.وجاءت الطفرة الكبرى فى عام 1924 بانشاء مدرسة كتشنر الطبيه.. ليعيد الحاكمون صياغة اهداف انشاء الكلية من جديد.. وذلك بتمكين طلاب القسم الثانوى من الجلوس لأمتحانات شهادة كيمبريدج البريطانيه فى عام 1938 ليتم استيعاب الناجحين منهم فى المدارس العالية التى تم انشاؤها فىمبانى الكلية التى كان لها ان تنتقل الى مبانى مدرسة امدرمان الاميرية الوسطى لحاجة قوات الحلفاء لاستخدام مبانى الكلية بالخرطوم اثناء الحرب العالمية الثانية.. ليشهد عام 1940 انشاء كليات األآداب والعلوم من بعد انشاء اقسام الزراعة والطب البيطرى والقانون والهندسه .وشهد عام 1945 ارتباط كلية غردون باقسامها المتعددة الى جانب مدرسة كتشنر الطبية (التى اصبحت كلية الطب) بجامعة لندن ليحصل نفرمن خريجيها على شهادة البكالوريوس مع تواصل كلية غردون التذكاريه منح دبلوماتها .. لتصبح كلية غردون فى عام 1951 كلية جامعية تحمل اسم "كلية الخرطوم الجامعية" مواصلة ارتباطها الاكاديمي مع جامعة لندن الى ان كان اليوم الرابع والعشرين من يوليو 1956موعدا للآعلان عن ارتقاء كلية الخرطوم الجامعية الى مصاف جامعات العالم وتصبح "جامعة الخرطوم". وظل التحاق الطلاب بها يتواصل عبر المنافسة الحرّة والضوابط الاكاديمية عالية المستوى (ولا مجال لصاحب مال وجاه او "لمقاتل او دبّاب" مجرّد التفكير فى الالتحاق بها ان لم تمكنه قدراته الاكاديمية من الحصول على متطلبات القبول من بين المواد المدرجه فى امتحان شهادتى كيمبريدج و اوكسفورد اوالشهادة السودانية فى لاحق من الزمان حينما كان الحصول على الشهادة يعتمد على شروط متعددة فى مقدمتها احراز درجة النجاح فى مادة اللغة الانجليزية كشرط اساسى تعدل فى لاحق من الزمان لتحل اللغة العربية ومعها التربية الاسلامية مكان اللغة الانجليزية اساسا للحصول على الشهادة السودانية.
وتعود بى الذاكرة الى عام 1947الذى كان احد ايام الاسبوع الاول من ينايرمنه موعدا لزيارتى الاولى لكلية غردون فى معية الوالد(عليه فيض من رحمة الله) عندما انتقاله للعمل فى مكتب بين مبانيهاالملاصقة لكلية العلوم وكان تابعا لرئاسة قوة دفاع السودان(وزارة الدفاع فى مستقبل الايام)مقرا للموظفين المنتدبين من مصلحة المالية لتصريف شؤون الضبّاط والعساكر المحاسبية والمالية ذات الصلة برواتبهم ومخصصاتهم ومستحقاتهم وغيرها من الامور. كان ذلك الموقع يعرف بأسم "قسم المصروفات والسجلات" وهوالذى ظل باقيا يحمل ذات الاسم حتى بعد انتفاء الاغراض التى من اجلها كان قد اقيم بانتقال كل المتعلقات بشؤون الضبّاط والجنود الى رئاسة وزارة الدفاع فى مبانيها غربى مصلحة المالية فى ذلك الزمان. واصبح المبنى واحدا من مقاراقامة طلاب الكلية. ظللنا نجوب ارجاءها والوالد يحدثنى كلما دلفنا الى الى احد مبانى اقسامها مسترجعا من حين لآخربعض ذكريات ايام دراسته بها وتخرجه فيها فى ديسمبر1930كنّا كلما كان تطوافنا عبرميادينها الفسيحة الخضراء الممتده من مبنى الكلية الرئيسى جنوبا الى شارع غردون( شارع الجامعه)وهى جزء من ذات المنطقة التى اقيمت عليها لاحقا داخليتا النيل الابيض(كلية القانون)والنيل الازرق(كلية ادارة الاعمال)والتى صارت تعرف لاحقا باسم منطقة"شارع المين" ..كانت تلك المساحة سهلا ممتدا بين ميدان كرة القدم الشرقى العريق ومبانى مصلحة "الطب البيطرى"– الثروة الحيوانية - (غربا)فى لاحق من الزمان - والتى اقيم الميدان الغربى على انقاضها الطينية فى عام 1955.وكانت تلك المساحة تنقسم الى ميدانين فسيحين يفصل بينها ممر ضيق يجعل منهما موقعين لطابور" التمام" الطلابى الصباحى اوالمسائى اولأداء التمرينات الرياضية "الجمباظ" المنشّط لاجسام طلاب كل اقسام الكلية على اختلاف انواع درساتهم. وقد جاءت بعض صورالكلية القديمه بمشاهد نادرة وفريدة لتلك "الطوابير" وتدريبات طلاب قسم العرفاء والقضاة الشرعيين وهم يرتدون ملابسهم التقليدية المكونة من القفاطين والفرجيات وغطاء الرأس بما كان يعرف ب"الطربوش المغربي"اوالعمائم البيضاء الملتفة حول الرؤوس.
جاءنى فى يوم من ايام شهر مايو1954 من ادارة الكلية ما يفيد - حسبما كنت اتوقع وانتظر- بقبولى فى كلية الآداب. ومن ثم بدأت زياراتى الي كلية الخرطوم الجامعية تتوالى حينا بعد حين حيث كنت التقى ببعض من رفاق الدرب من قدامى الحنتوبيين ..ممن كانوا من ابناء العاصمه اومن قدموا من خارجها نتعرف على اقسامها مستسرعين الايام والساعات لخلول شهر يوليو من ذلك العام موعد بدلية الدراسة..لفت انظارنا - كلما تقدمت الايام - ازدياد وتيرة الحراك فى ارجاء الكلية طلآبا وعاملين ونفرمن الاساتذة .لما تنامى الينا السبب بطل العجب.. فقد بدات اعداد من قدامى الطلاب ممن شاء لهم حظهم العاثر ان يكونوا ممن لم يحالفهم التوفيق فى امتحانات اخر السنه مما يستوجب عليهم الجلوس لأمتحانات "الملاحق" فى الاسبوع الاخيرمن شهر يونيو وقد بدأوا يصلون تباعا مبكرين لمراجعة المواد الدراسية مركّزين على بعض توقعاتهم من اسئلة جاءت فى امتحانات سبقت يتمنّون ورودها ثانية بين اسئلة الملاحق المقبلة فضلا عن لقاء بعض الاساتذة ممن يؤملون فى افصاحهم وفى اشارات منهم الى ما يحتمل ان يكونوا قد اوردوه من اسئلة بين اسئلة تلك الملاحق.فظلت ردهات مكاتب الادارة ومكتب الخدمات على وجه الخصوص تموربالقدامى وبالمستجدين من الطلاب بعضهم يسعى للقاء المرحوم سعد الدين فوزى المكلف- اضافة الى مهامه الاكاديمة فى كلية الآداب-بالقيام بمهام مراقب شؤون الطلبه ابّان فترة غياب الاستاذ(السفيرلاحقا) المرحوم جمال محمد احمد فى بريطانيا.. كان يعاونه بكل همة ونشاط وتفان منقطع النظيرشاب فى مقتبل العمر من ابناء جزيرة توتى علافنا اسمه "على مصطفى".دائب الحركة..حاضر الذهن..ممن يمكن وصفه بانه من الخارجين عن انفسهم الواهبينها لغيرهم فى تجرد ونكران ذات وبلا مبالغة او مغالاة اقول ان كل من سعدت بلقائهم من ابناء تلك الجزيرة المعطاءة فى قسم الحسابات فى مصلحة المالية او فى قسم شؤون الموظفين التابع لها او فى غيرها من المواقع لاحقا انهم كانوا على الدوام واينما حلّوا وتقلدوا المسؤوليات الوظيفية على اى المستويات اوكانوا اولئك من كانوا لاعبى كرة القدم (رحمة الله على من انتقل منهم الى رحاب ربه فى الفردوس الاعلى)..كانوا جميعا اهل حماسة واقدام وفضل وحسن خلق .. اما على مصطفى (عليه الرحمة) يطول الحديث عنه ولا يكفى تذكار سيرته العطره بين هذه السطور.. اختصارا فهومن اكثرهم دواما جاهزية لتقديم كل ماهو فى مقدورهم من عون او راي ومشورة لكل آمل ومنتظر.
ورحم الله السنى حسن كاشف مسؤول الاسكان والاعاشه ومساعده مصطفى محمد حسن– اللذين لم يكونا يدّخران وسعا لتلبية رغبات الطلاب قدامى ومحدثين للحصول على مبتغاهم من مواقع السكن فى داخليات اللصرح الكبيرالمتعددة المسماة باسماء انهار السودان .. داخلية"الدندر" الكائنة مباشرة غربى ميدان كرة السلة وهى التى كانت فى سوابق الزمان مقرا لمصلحة المعارف.. وجارتها بالجنب فى غربيها- "الرهد" التى استخدمت مبانيها ردحا من الزمان مقرا لآدارة الجامعه..اما داخلية "المصروفات والسجلات" الواسعة العنابرالملاصقة لكلية العلوم فقد كانت جزءا تابعا لقوة دفاع السودان فقد تم استخدامها ردحا من الزمان مقرا لموظفى قسم شؤون الضباط والجنود وكانت هى الاخرى مقرا ومقاما متاحا لسكن البرالمة من كليتى الآداب والعلوم ويفضّلها الكثيرون من" برالمة" كلية العلوم لقربها من قاعات محاضراتهم والتصاقها بالمختبرات وهى التى اضحت تلقائيا جزءا لا يتجزأ من كلية العلوم حالما اكتملت مبانى داخلية"بحرالعرب" جنوبى داخليتى الدندر والرهد وداخلية "عطبره" الواقعة بين كلية ألآداب وداخلية النيل الابيض (كلية القانون) اليوم التى كانت تقابلها شرقيها داخلية النيل الازرق. وكانت جميعها مقرّا لسكنى خليط من طلاب العلوم والآداب والهندسة والقانون.. امّا داخلية بحر الغزال القائمة على شارع السردار (الجمهورية) كانت ايضا مقرأ لسكن خليط من طلاب الكلية الدارسين فى المجمع الرئيسى.ومما لا شك فيه فان سكن الخليط من طلاب الكليات المختلفة فى موقع واحد كانت له فوائد جمّة ومتنوعه انعكست آثارها ايجابيا على علاقات الطلاب وتفاعلهم مع بعضهم البعض فى فترات بقائهم فى الجامعه ومن بعدها وعلى حياة السودانيين وعلاقاتهم الاجتماعية فى ارجاء البلاد سنين عددا الى ان جاء زمان تم فيه تخصيص مواقع سكن لطلاب كل كلية على حده منفصلين عن رفاقهم من الكليات ألأخرى مما كانت له آثار سالبة على النسيج الاجتماعى الطلابى والتلاقح الفكرى والثقافى والوجدانى مما ادى الى التشرذم وانفراط عقد الوحدة بين رفاق الدرب مثلما كان الحال بينهم فى الصروح التعليمية الثلاثة الكبرى فى سوابق الايام.
ونواصل باذن واحد احد شريط الذكريات فى حلقات قادمة.. فتابقوا معنا.

وما ان اقترب الخامس عشر من يوليو- موعد بداية الدراسة - بدأ الطلاب يتوافدون من كل فج عميق.. وقد تم وضع جدول مسارالعام الدرلسى وفق نظام زمنى لا يحاد عنه ويشمل مواقيت كل انشطة الكليات المتعددة من محاضرات وسمينارات.. مواقيت العطلات القصيرة. مواقيت الامتحانات ..كل شىء محدد وفق نظام.دقيق..ووجد كل طالب موقعا لسكنه وفتحت قاعات الطعام ابوابها فى كل الداخليات وصارت حركة تجوال "البرالمة" فى ارجاء ال"مين كامبس" تزداد كل حين.. يطوفون انحاء كلياتهم الى جانب زيارة المكتبة والسعى الى معرفة اقسامها وما تفيض به من مراجع ودوريات..وفوق هذا وذاك فقد كانت "القهوة"موقعا لا بد من زيارته وهى التى كانت تمتد على الفضاء الواسع شمال داخلية النيل الازرق الى تخوم المبانى القديمة لكلية العلوم (وقداضحى موقعها لاحقا مستقرا لقاعة الامتحانات) وكانت تتوسطها شجرة ظليلة وغرفة صغيرة حيث كان العم خوجلى صالحين (والد ألأعلامى الكبير محمد خوجلى صالحين – عليهما فيض من رحمة الله) يقوم باعداد متطلبات روادها من الشاى والقهوة وكنا نرى الدرعمى"محمد خوجلى"وهو يمد يد العون للوالد فى داخلها كلما جاء فى فترات عطلاته الدراسية الى السودان .كان لقاء الكثيرين من طلاب "المين" يتم فى تلك الساحة طوال النهارمتخللا المحاضرات الآ ان نفرا منهم كانوا يقضون ساعات نهارهم باكملها فى حمى " القهوة" يواصلون احاديثهم ونقاشاتهم فى توادد واخاء فريد وحسن استماع لكل قول مهما تباينت الافكارواختلفت الرؤى والتجارب والخبرات وتناول ما يستجد على الساحة من اخبار السياسة والحكومة الوطنية الوليده التى تولّت مقاليد الحكم فى السودان.الى ان يحين موعد تناول وجبة الغداء وكنا نرى احينا نفرا من الاساتذة يجالسون طلابهم ويشاركونهم الاحاديث وتبادل الرأى.
وكان الخامس عشر من يوليو1954 .جئنا خليطا من شباب ابناء السودان ممن اكملوا دراستهم الثانوية فى حنتوب ووادى سيدنا والخورالخصيب الى جاتب نفرمن النابهين الدارسين فى مدارس الاحفاد والاهلية وكلية كومبونى وقليل من الطالبات اللاتى تلقين دراستهن الثانوية فى مدرستى ام درمان الثانوية للبنات والاتحاد العليا (اليونيتى)بالخرطوم اللاتى لم يكن عددهن يتجاوز اصابع اليد الواحده.وكن يقضين نهارهن فى غير ساعات المحاضرات داخل غرفة خصصت لهن بين مكاتب الاساتذة فى الطابق الارضى من الجناح الغربى من المبنى الرئيسى.الى ان تحين نهاية ساعات الدوام لتحملهن"عربة الطالبات" لتعود بهن الى ذويهن فى انحاء متفرقة من العاصمة المثلثه .جئنا جميعا نحمل خليطا من ثقافات واعراق اهل مناطق السودان المتعدده ..رحم الله من انتقل من اساتذتنا الابرارومن رفاق دربنا الى رحاب ربهم ومد فى ايام من لا يزال ينتظر.جئنا بسلامتنا نحمل طموحاتنا وآمالنا فى تحقيق مستقبل واعد مع آمال الاباء والامهات فى حياة مستقبلية مستقرة ومشرقة و زاهية. وشهدت اكبر غرف المحاضرات (رقم1 ) الكائنة فى اقصى الركن الجنوبى من الطابق الارضى من الجناح الغربى للمبنى الرئيسى للكليه وهو الجزء الذى كانت تحتله كلية الآداب(وقد اصبحت جزءا من المكتبة الرئيسية فى لاحق من الزمان) كنا نحن "برالمة" كلية ألأداب ألواحد وثمانين طالبا وثلاثة فقط من الطالبات اكبرمجموعة من الطلاب فى تاريخ كلية الخرطوم الجامعية تم قبولهم فى اى من كليات الآداب والعلوم..والقانون التى صار الملتحقون بها يواصلون دراسة القانون فيها مباشرة - منذ ثلاثة سنوات خلون- لمدة اربع سنوات متصلة دون ان تسبقها دراسة عام خامس فى كلية الآداب كما كان نظام القبول يقضى بذلك فى سوابق السنين.ما ان استقر بنا المقام داخل"رووم ون" الآ ودلف الى منصتها بريطانى طويل القامة متماسك الاطراف يسير فى خطى متباعدة قوية رغم ما كان باديا عليه تخطى الخمسين من العمر..يرتدى بنطالا قصيرا من الدمور يتدلى الى الركبتين وتغطى ساقيه جوارب طويلة. وكنا قد رأيناه حينا من الزمان متجولآ فى البهو الفاصل بين مكتبه ومكتب سكرتيرالكلية.. عرفنا انه المستر ثيوبولد..نائب مدير الكلية وعميد كلية الآداب(كان بعض الرفاق من خارج العاصمة ربما خلطوا فى تبيان اسمه ويصرون انه يدعى "نيوبولد"). انتصب الرجل على المنصة مرحبا ومفيدا باسمه كاملا "الان بخان ثيوبولد" مختزلا فى "أ. ب. ثيوبولد" حدثنا فى اقتضاب عن نشأة كلية ألآداب وتطورها وعن المواد الدراسية المتوفرة بها وعن الحرية الدراسية المطلقة الممنوحة للطلاب فى مستويات ما بعد المرحلة الثانوية الآ فى حدود القوانين واللوائح دون مراقبة او متابعة لصيقة من اى من المحاضرين. وكلية الآداب فضاء واسع لتلقى المعارف والعلوم وللبحث والاستقراء وتبادل الرؤى والافكار دون حجر على رأى ايا كان على قدر من الاختلاف مع اى من كان من الاساتذة شريطة ان يكون مسنودا بالحجج والبراهين والشواهد فضلا عن السعى الى آفاق المعرفة والحصول عليها بانفسنا ما امكننا ذلك من مصادرها الاساسيه مما يتطلب احكام ربط صلتنا بالمكتبة وتعويد انفسنا على زيارتها فضلاعن توطين انفسنا على القيام بزيارة البهو عند المدخل الرئيسى الفاصل بين مكتبه ومكتب سكرتير الكلية للاطلاع على كل ما يستجد من نشرات واعلانات وتوجيهات من الاساتذة وعميد الكلية.
جئنا كلية الخرطوم الجامعية حينما كان البريطانيون يمسكون بزمام الامور فى كل مفاصلها. اكاديميا واداريا.. كان المدير هو "ل. س. ويلشر" البريطانى الجنسية والذى لم يكن يقتصر دوره على تنفيذ الساسة التعليمية والجوانب الادارية فحسب فقد كان يشارك فى تدريس جانب من منهاج مادة التاريخ الذى يختاره نفرمن طلاب السنة النهائية بكلية الآداب:كان هو"تاريخ بريطانيا الاقتصادى والاجتماعى" وكان متاحا فى المقابل لدارسى مادة التاريخ فى تلك السنة النهائية الآخرين منهم خياردراسة "تاريخ بريطانيا السياسى والدستورى".المستر ثيوبولد وقد ظل يتقلب فى وطائف حكومة السودان لأكثر من ثلاثين عاما بين مصلحة المعارف معلما واداريا (عمل مفتش تعليم المديرية الشمالية عام 1929) وكلية غردون كان فى تلك السنوات ينوب عن المدير ويتولى عمادة كلية الآداب شانه شان رفاقه من البريطانيين الذين كانوا يتولون عمادة الكليات جميعها.وعلى مدى سنين متعاقبة كان اتحاد الطلاب يثير فى وجه الادارة والحكومه مسألة عمادة الكليات مطالبين بسودنتها مع سودنة منصبى المدير والمسجل - ارفع المناصب الاداريه - وكان المستر وود.الذى لم يكن يألو جهدا لآكتساب كراهية العاملين والطلاب من فرط تعاليه وغطرسته واعتداده برأيه وسوء ظنه بالآخرين هو من يتولى وظيفة المسجل . حل عام 1955 وشهد سودنة منصب عميد كلية الآداب بجلوس البروفسيرمكى شبيكه على كرسى المستر ثيوبولد فى اطاردورى متبادل بين رؤساء الاقسام اذ عاد مجددا فى عام 1958البروفسير ج.ليبون - رئيس شعبة الجغرافيا- الى منصب عمادة كلية الآداب ألآ انه فى عام 1956 تمت سودنة منصب المسجل باحلال الاستاذ احمد المرضى جباره بالانتداب من مصلحة المعارف مكان المستر وود. وكان ان تمت سودنة منصب مراقب شؤون الطلاب فى عام 1952 باحلال الاستاذ جمال محمد احمد السفير بوزارة الخارجية فى لاحق الازمان.
قبل اكمالنا واثناء فترة دراسة المرحلة الثانوية كنا كثيرا ما نسمع عن الدراسات التخصصية بعد الثانوى ولكن ما ان التحق بعض الرفاق بكلية الخرطوم الجامعية من قبلنا الآ وتبين لهم ان المواد التى كانوا يمنون انفسهم بمواصلة دراستها والتخصص فيها حبّا لها ورغبة فيها لم تكن الآ جزءا من دراسات عامة من بين مواد متعددة. من الملتحقين بقسم ألآداب بكلية الخرطوم الجامعية كان هناك نفر يتوقعون ان يجدوا انفسهم متفرغين تفرغا كاملا لدراسة اللغة العربية وآدابها دون غيرها من المواد ألأخرى.. شرقا بالشعروالأدب العربى واشباعا لملكاتهم ألأدبية وصقلا لمواهبهم تطلعا للانطلاق فى دنياوات ألآداب والفنون ولكن اصاب بعض منهم قدر من الاحباط لما وجدوا انفسهم دارسين لآربع مواد وان كانت اللغة العربية واحدة من بينها ألآ انها لم تكن تشفى غليلهم بالقدر الذى كانوا ينتظرون. كان يتحتم على طلاب السنة الاولى دراسة اللغة الانجليزية جنبا الى جنب مع لغة الضاد فضلا عن دراسة مادتى التالريخ والجغرافيا مما اصاب الكثيرين منهم بالاحباط والعنت خاصة لما كانت لدراسة اللغة الانجليزية من متطلبات وواجبات فضلا عما كانت تسببه الدرجات الشحيحة جدا التى يمنحها اساتذتها للدارسين من المزيد من ألأحباط والقلق النفسى وقدرا من الخزى امام الرفاق اذ لم يكن ما تناله الغالبية من الطلاب من الدرجات تتعدى الدرجتين اوالثلاث اما ان بلغن الاربع او زدن عليها درجة اونصفها ووصلن الى الخمس فقد يكون قد آن لكل حائزعما زاد عن الدرجات الأأربع ان يمددوا ارجلهم كابى حنيقة كما جاء فى الرواية.وان يبقوا فى مامن من مساءلة وملاحقة الخواجات اساتاذة لغة بنى السكسون او سلقهم بشواظ من السنتهم كانما كانوا جميعهم اولئك الخواجات على اتفاق .. كان المستر كولمر من وراء نظاراته الطبية متنمرا على الدوام واشدهم حدة فى اللسان و"تريقة" طلاب مجموعته.. مثلما كان ادوارد رتلى الذى عمل فترة من الوقت معلما فى مدرسة وادي سيدنا اكثرهم انفة وكبرياء وشموخا وهو من اصطلت مجموعتنا بتدريسه اللغة والشعرالانجليزى .وكان دوقلاس ايوين سليط اللسان ساخرا ابدا رغم محاولاته صداقة طلابه..اما الرجل الوقور الكبير السن ..المستر هارت- رئيس القسم – فقد كانت ساعات تدريسه هى بلا شك الواحة التى نتفيأ ظلالها وهو يفيض انسانية من خلال روايات "بيت الدمية- أدوللز هاوس" ومكبث وعمدة كاستربريدج " امتاعا ومؤانسة..ومهما يكن من امر فقد ظل رفاقنا البالغ عددهم اربعة وثمانين "برلوما" يتقلصون عددا كل حين طوال العام.. منهم من رحل الى جامعة القاهرة الام او الى الجامعة الامريكية فى بيروت مبتعثين من وزارة المعارف بعد التحاقهم معلمين بها.. بطبيعة الحال تتنوع الاسباب من عام لآخر ومن طالب لآخر وتبقى مغادرة كلية الخرطوم الجامعية هى هى ليصبح عددنا ونحن فى طريقنا الى مجالات العمل الوظيفى فى ابريل عام 1958( برالمة عام 1954) اثنين واربعين خريجا. . فى الحلقة القادمة نواصل بأذن واحد احد.

[email protected]



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2281

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1418527 [زول]
0.00/5 (0 صوت)

02-22-2016 03:31 PM
ذكريات جميلة وتوثيق رائع مشوق لام الجامعات السودانية وللزمن الجميل متعك الله بالصحة والعافية

[زول]

#1418207 [د. هشام]
0.00/5 (0 صوت)

02-22-2016 08:16 AM
"وافاه الاجل المكتوب والكتاب المسطور فى التاسع والعشرين منه ولمّا يبلغ السابعة والثلاثين من عمره"...لست مختصاً في اللغة العربية!! و لكن تُستخدام (لمَّا) لنفي المُتَوَقَّع حدوثه في المستقبل القريب!! هل تتوقع يا أستاذ أن يبلغ المرحوم السابعة و الثلاثين بعد وفاته؟!

[د. هشام]

ردود على د. هشام
[المستعرب الخلوى] 02-23-2016 11:26 AM
أخ هشام .. من كل هذا المقال الرائع الممتلىء توثيقاً وتاريخاً لأعرق الجامعات السودانية لم تجد سوى أن تعلق على إستعمال كلمة ( لمّا )..؟؟
وما ذا عن الخطأ الإملائى فى مداخلتك ..(و لكن تُستخدام (لمَّا) لنفي المُتَوَقَّع حدوثه)فقد أضفت حرف الألف فى كلمة تستخدم .. إذ كان يتوجب عليك مراجعة ما تكتب قبل الضغط على مربع الإرسال ..
والشىء بالشىء يذكر ..

[العروب] 02-22-2016 07:06 PM
المتوقع حدوثه هو بلوغه السابعة والثلاثين والذي لم يحدث لذا وجب النفي والله أعلم


الطيب السلاوى
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة