المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
كلمات في حق رجل فارق دنيانا.. حركة العدل والمساواة كما رآها الدكتور خليل ابراهيم
كلمات في حق رجل فارق دنيانا.. حركة العدل والمساواة كما رآها الدكتور خليل ابراهيم
01-06-2012 10:32 AM

كلمات في حق رجل فارق دنيانا.. حركة العدل والمساواة كما رآها الدكتور خليل ابراهيم

سلمى التيجاني


قادتني دروب العمل الصحفي في العام 2005 م إلى أسمرا حيث التقيت الدكتور خليل إبراهيم، كان أحد أسباب إهتمامي بلقائه ما كان يردده على مسامعنا شباب الإسلاميين بولاية الجزيرة عن سيرة الرجل، فقد عاش أغلب فترة شبابه هناك طالباً بجامعة الجزيرة ثم أحد قادة العمل التنظيمي بالولاية الوسطى حينها من خلال عمله بالجمعية الطبية الإسلامية بعد التخرُج.
استفهامات كثيرة كانت تؤرقني وأنا أعد محاور لأسئلة: ماذا فعلت به الحرب، وهل هو الآن شخصٌ آخر غير الذي سمعنا عنه، وماذا يريد بحمل السلاح، وهل هو وسيلةٌ سيئة لغايةٍ نبيلة، وإن كان يؤمن بذلك فهل تنطبق عليه مقولة سيد قطب بأن من خاض الوحل ليبلغ غاية نبيلة فإن الوحل يعلق بروحه، أليس تحقيق الغايات النبيلة بمثابة مطهر للروح من كل ما يعلق بها؟ واسئلةٌ كتيرة كنت أتوق لمعرفة أجوبتها.
قابلني الرجل بترحاب، وكان أول ما لفت انتباهي هو ملبسه البسيط الذي ينبئ عن زهدٍ لا تخطؤه العين.
وقبل أن أبدأ الحوار سألني (من وين يا أختي)، قلت له من الجزيرة وكأنني أحاول أن أعيده إلى هناك، وكأن حديثا ينتظر على طرف وجدانه لينهمر، تحدث لي عن حياته فيها ومعرفته لها قريةً قرية ومدينةً مدينة، وكيف أنه أحبها وأين هي من أولويات حركته، تحدث عن الجزيرة كأنه وُلد فيها، ذكر لي أسماء أغلب من أعرفهم من قادة العمل التنظيمي بالجزيرة في ذلك الوقت، تحدث حتى خلته لن يتوقف. ثم سألني عن منطقتي في الجزيرة فذكر لي عددٌ من أسماء شبابها الذين زاملوه، قلت له هل تعرف محمد بشير مساعد، فأجاب: الشهيد؟ ياسلام كنا مع بعض في جوبا، عند هذا الحد وجدت نفسي مع شخص أعرفه.
في أثناء الحوار قد تنسى ولبرهة المنطقة التي أتى منها محاورك فهو يتحدث عن كل السودان، وكلما أعدته لدارفور أعادني لكل السودان، لم أتحرج من طرح الأسئلة الصعبة، كان يجيب بتلقائية وبساطة تجعلني أحيانا أفكر في إعادة طرح السؤال حتى أمنحه بعض الوقت ليعدِل في إجابته، كانت البساطة سيدة الموقف، بدءاً بملبسه ثم أريحيته في الإجابة على الأسئلة ثم إصراره على أن يقدم لي الضيافة بنفسه، كان يضع السكر ثم يسكب الشاي ويواصل إجابته وهو يدير الملعقة في الكوب ثم يضعه أمامي بالمنضدة.
في نهاية الحوار قلت له قد لا أستطيع نشره كاملا فقال لي بكل بساطة: افعلي ما يمكنك فعله ولكن لا تعدِلي في إجاباتي.
بعد هذا الحوار كنت أنظر لحركة العدل والمساواة من خلال رئيسها وهو يضع السكر في الكوب ويصب الشاي ثم يحرِك الملعقة ليقدم واجب الضيافة لصحفية وهو يقول: إتفضلي يا أختي أثناء إجابته على أسئلتها، وحتى عندما تشتط الحركة في ردة فعلها على بعض الإنتقادات الموجهة لها فترد بمقالات خارجة عن إطار مألوف العرف السياسي والإجتماعي السوداني كانت صورة خليل تطغى على السفاسف وأجزم أنه لم يقرأ ما كُتِب.
لكن هل رغب خليل في السلام؟ فلنتوقف في آخر محطات مفاوضات السلام، حيث اُفتتح منبر الدوحة بناءً على رغبته في التفاوض، ولكن يبدو أن أيدٍ خفية كانت تشد المتفاوضين للخلف كلما اقتربوا من إنجاز إتفاق ما. ففي العشرين من شباط/فبراير 2010 م طالعتنا بعض صحف الخرطوم وهي تجزم بتوقيع إتفاق بين الحكومة وحركة العدل والمساواة، بعضها سماه بالإتفاق الوشيك وإحداها وصفته بالمفاجئ، لكن لسبب ما، ربما الأيدي الخفية التي تشد من الخلف، تمخضت التوقعات فجاءت بإتفاقٍ إطاري.
ورغم خيبة الأمل التي أصابت المراقبين وربما قبلهم الشعب السوداني، لكن خليل إبراهيم وصف الإتفاق بالخطوة المهمة وأن السلام يتطلب تنازلات من الطرفين، ما يوحي بإستعداده لتقديم التنازلات، وواصل في إبداء جديته عندما حدد موعد دخول إتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. بل ذهبت حركته أبعد من ذلك لتعلن استعدادها لإكمال المفاوضات بحلول منتصف آذار/مارس 2010، وفي غير مرة كان خليل يؤكد جاهزيته للسلام إذا كانت الحكومة جادةً في ذلك .
بكل هذا الإستعدادا للسلام لم يتمكن طرفي التفاوض (العدل والمساواة والحكومة) من تحقيق خطوة للإمام أبعد من الإتفاق الإطاري برغم تأكيدات الحكومة المتكررة لإستعدادها لتوقيع إتفاق، إذن لماذا لم يتم، ما الذي كان يحدث في كواليس الدوحة ويشد الطرفين للخلف؟.
ربما كان خليل يقرأ ما وراء بنود الإتفاق المطروح فلا يجد فيه تقييماً لعمره الذي أفناه في خدمة الحركة الإسلامية قبل وبعد وصولها للحكم فتفتر همته، وبالمقابل قد تكون مراكز قوى داخل الحكومة ترى الدكتور حسن عبد الله الترابي في شخص دكتور خليل فتعتقد أن مشاركته الحكم هي انتصارٌ للترابي، وربما هناك أشياء لا تسعفنا المعطيات في التوصل إليها. لكن تتمة الأحجة قد يوجد بعضها أو كلها بحوزة الدكتور غازي صلاح الدين والدكتور أمين حسن عمر، فالرجلين عملا جاهدين للتوصل لإتفاق سلام شامل بدارفور، فربما ولو بعد حين كتبا عن ذلك.
والآن بعد رحيل خليل يصعب أن نحكم عليه خارج إطار صورته الكلية، فقد انتظم في صفوف الحركة الإسلامية عندما كانت الإتجاه الإسلامي فأخلص لها وهو طالبٌ بجامعة الجزيرة، وبعد تخرجه انخرط في أوعيتها التنظيمية جندياً وفياً يجوب القرى والمدن يبشر بما آمن به، وبعدها عمل بالجهاز التنفيذي للدولة ملبياً نداء الواجب في انحاء مختلفة من السودان. وعندما احتاجت الإنقاذ للمدنيين لحمل السلاح سارع لميادين التدريب، ثم ذهب إلى أرض المعركة بالجنوب، فقاتل وداوى الجرحى، في وقت كان فيه بعض منتسبي الإنقاذ يختلقون الجج للإعتذار عن الذهاب للحرب، وبعضهم الآن ملء السمع والأبصار. ويبدو أن الرجل جُبِل على إجادة ما يؤمن به فهاهو الآن يفارق الحياة وفي يده السلاح الذي آمن بحمله في نهاية لا تشبه شخصاً غيره.
لذلك ولأول مرةً في حياتي لم أشارك قواتنا المسلحة فرحتها، فالمحتفى بموته كان يقاتل في صفوف جيشنا، يتقاسم معهم اللقمة وجرعة الماء وربما أنقذ أرواح بعض الجرحي في ميدان القتال، ألا يصعب الإحتفال بموته؟.
وعندما خرج البعض بولاية الجزيرة في مسيرات تساءلت كم منهم وصلته جرعة دواء من دكتور خليل عندما كان يعمل بالجمعية الطبية الإسلامية بالجزيرة، بل وهذه الطرقات نفسها التي خرج فيها الناس كم مشى فيها وقلبه يخفق بحب هذه البلدة من دون بلاد الله.
وبنظرة خاطفة لحملة السلاح في عهد الإنقاذ منذ جون قرنق وسلفاكير وحتى مني أركو مناوي والنهايات السعيدة التي كانت في انتظارهم لا يوجد فيهم من هو أحقٌ بتقديم التنازلات وتذليل العقبات والتجاوز عن الخطايا كخليل أبراهيم، فهو أخُ الأمس ورفيق الشهداء وطبيب الجرحى، وهو رجل التكاليف العصيَة.
وبعد فهي كلماتٌ في حق رجل فارق دنيانا، أرَقتني فرأيت أن أخطها كما جادت بها تصاريف الكي بورد .

\' كاتبة من السودان
القدس العربي


تعليقات 3 | إهداء 2 | زيارات 2353

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#269816 [مغترب]
0.00/5 (0 صوت)

01-07-2012 12:00 AM
الإنقاذ ومؤتمره الوطنى دائما ما يخطئون ويكذبون حتى كتبوا عند الله كذابين،،،

لو أن لهم عقول يفقهون بها لأدركوا أن فرص السلام الحقيقى أكبر بالإتفاق مع
خليل بجانب عبدالواحد،،،

أما هؤلاء الذين توسدوا السلطة الإقليمية الآن فليس هناك بارقة أمل معهم
لتحقيق السلام بعد أن أنكروا للنازحين أى أمل فى العودة إلى مواطنهم،،،

فليجرب التجانى سيسى محاولة الدخول لأى من معسكراتهم وسيعرف وزنه الحقيقى،،،

خليل سيظل موجودا بيننا كطيف للأمل والعمل والعدل والمساواة،،،

طبت يا خليل حياً وميتاً،،،،،


#269665 [فجر]
0.00/5 (0 صوت)

01-06-2012 04:14 PM
ان الدكتور خليل كان نعم الرجل ولكن كلكم كتمتم شهادتكم عنه حينما كان يحتاجها
وجئتم الان كأخوة يوسف.عشاءًتبكون بعد ان اغتالته يد الغدر والخيانة



#269605 [ النجـــــــــــــــــــــــــــــــــاشى]
0.00/5 (0 صوت)

01-06-2012 01:53 PM
كل من خرج بمدنى خرج غصبا عنه وكلنا فداء لخليل الخليل .. كان رجل متواضع وامين
ورزين وشجاع وقمة الانسانية فى طبه .. ولك الود اختى سلمى على حديثك الطيب
الرحمة والمغفرة للدكتور الانسان ومااكثر الناس واقل الانسان


سلمى التيجاني
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة