المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية

01-07-2012 11:29 AM

خزّان جبل أولياء بين الإزالة والإبقاء

بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان
Salmanmasalman@gmail.com
1
أوردت وكالات الأنباء خبراً مُقْتضباً يوم الأربعاء 4 يناير عام 2012 أشارت فيه إلى أن السيد رئيس الجمهورية كشف خلال خطابه الذي ألقاه بمدينة كوستي يوم الثلاثاء 3 يناير \"عن دراسات تقوم بها الحكومة حول تفريغ خزان جبل أولياء وإزالته والاستفادة من الأراضي أو الإبقاء عليه.\" سوف نُلقي في هذا المقال الضوء على خزان جبل أولياء والخلفية التاريخية والأسباب التي أدت إلى بنائه، والتغييرات في هذه الظروف والأسباب، ونناقش إن كانت الفوائد التي تعود على السودان حالياً من الخزّان تستلزم الإبقاء عليه، أم أنّ هناك أسباباً أقوى تُرجِّح إزالته.
2
بعد نجاح تجربة زراعة القطن في منطقة طيبة بالجزيرة في عام 1912 قرّرت إدارة الحكم الثنائي بالسودان البدء في إنشاء مشروع الجزيرة كأول وأكبر مشروعٍ تنمويٍ في السودان. ولما كان المشروع سيعتمد اعتماداً تاماً على الري من النيل الأزرق من خلال خزان سنار الذي كانت الإدارة تنوي بناءه فقد رأت الخرطوم ضرورة استشارة القاهرة في المشروع وأخذ موافقتها عليه وعلى خزان سنار واستخدامات مياه النيل.
أُصيبت مصر – حكومةً وشعباً وأحزاباً وتنظيماتٍ – بصدمةٍ كبيرة، وغضبت كثيراً لقرار الخرطوم إقامة مشروع ريٍ في السودان لزراعة القطن. واتفقت تلك الأطراف أن زراعة القطن في مشروعٍ كبيرٍ وقابلٍ للتوسع ويُروى من مياه النيل في السودان سيخلق مشكلتين كبيرتين لمصر:
• الأولى: بدء العمل في مشروع الجزيرة معتمداً على الري من مياه النيل يعنى ببساطة أن السودان قد أصبح مستخدماً لمياه النيل على نطاقٍ واسعٍ وبواسطة الحكومة لأول مرة في تاريخ السودان، مما قد يفتح الباب على مصراعيه أمام استخداماتٍ أخرى لمياه النيل في السودان. وقد رأت الحكومة المصرية أن استخدامات مشروع الجزيرة ستكون خصماً على المياه التي تصل مصر، وسينتج عن هذه الاستخدامات ضررٌ كبير لمصر ولمزارعيها ولمحاصيلها الزراعية ولاقتصادها.
• الثانية: زراعة القطن في السودان في هذا المشروع الكبير الحجم والقابل للتوسع تعنى ببساطة أن السودان سوف يصبح مُنتجاً ومصدّراً للقطن ومنافساً رئيسياً لمصر في أسواق القطن العالمية مما قد ينتج عنه هبوطٌ في الأسعار وتقليلٌ لدور مصر في هذا المجال، وهذا سيؤدى بدوره إلى تداعياتٍ اقتصادية سلبيةٍ كبيرة على مصر.
وهكذا برزت ولأول مرة في تاريخ نهر النيل أولى الخلافات بين مصر والسودان حول استخدامات مياه النيل، وبرزت إلى السطح أولى وأكبر الخلافات بين طرفي الحكم الثنائي في السودان حول مشروع الجزيرة نفسه. اضطرت هذه الخلافات الحاكم العام للسودان وقتها السيد كتشنر لتعيين لجنةٍ للنظر في أمر المشروع وآثاره على مصر عام 1912. أصدرت اللجنة تقريرها عام 1913، وأوصت فيه ببناء خزان سنار لري مشروع الجزيرة من النيل الأزرق، على أن يصاحب بناؤه بناء خزان جبل أولياء على النيل الأبيض لحجز المياه للاستفادة منها استفادةً كاملة وحصريّةً في مصر في فترة ضعف انسياب النيل الأزرق والتي تمتد من شهر يناير وحتى شهر يوليو من كل عام. أوصت اللجنة أيضاً ألا تزيد المساحة المرويّة في مشروع الجزيرة عن 300,000 فدان.
تردّدت مصر كثيراً في قبول هذه المقترحات لسببين، أولهما أن خزان جبل أولياء سيتم بناؤه خارج مصر مما يعني أن إدارة الخزان والإشراف عليه ستكون في متناول يد الانجليز في السودان. ثاني الأسباب كان تكلفة بناء الخزان العالية، وقد رأت مصر ضرورة أن تساهم فيها انجلترا كتعويضٍ آخر لمصر. وافقت انجلترا أن يكون خزان جبل أولياء تحت إدارة وإشراف مصر الكاملين بدون أي تدخلٍ من الحكومة في الخرطوم، وأن تكون مياهه كلها كاملةً لاستعمالات مصر وحدها. لكن انجلترا رفضت رفضاً تاماً المساهمة في تكلفة بناء الخزان. بعد مفاوضاتٍ ولجان أخرى وافقت مصر على هذين المقترحين واكتمل العمل في خزان سنار في شهر يوليو عام 1925، وهو التاريخ الرسمي لبدء العمل في مشروع الجزيرة.
3
تأخّر العمل في خزان جبل أولياء بسبب التحفظات التي ناقشناها أعلاه وبسبب التأخير في الاعتمادات المالية لبناء الخزان. بعد أن تمّ حسم هذه المسائل بدأ العمل في إكمال الخطط الفنية والهندسية للخزان واستغرق هذا العمل بعض الوقت. لهذه الأسباب لم يبدأ العمل في بناء خزان جبل أولياء حتى عام 1933 واكتمل العمل عام 1937. كانت هناك تأثيرات بيئية واجتماعية كبيرة، وقد دفعت مصر مبلغ 750,000 جنيه إسترليني كتعويضاتٍ لآلاف السودانيين الذين اضُطروا للنزوح بسبب إغراق أراضيهم الزراعية ومنازلهم، وكذلك لتغطية الأضرار التي أصابت بعض المباني والمنشآت الحكومية في تلك المنطقة. وهكذا أصبح بإمكان مصر أن تروي أراضيها الزراعية خلال كل العام وليس فقط في فترة انسياب النيل الأزرق. وأصبح خزان جبل أولياء أول سدٍّ في العالم يُبنى في دولةٍ للمصلحة الكاملة لدولةٍ أخرى، إذ أن الخزان لم يشمل ولم تنتج عنه أية منافع للسودان. وصار خزان جبل أولياء أول سدٍّ يُبنى على النيل الأبيض، مثلما كان خزان سنار أول سدٍّ على النيل الأزرق، وخزان أسوان الأول على نهر النيل.
يقع خزان جبل أولياء حوالي 44 كيلومتر جنوب الخرطوم، ويقوم بتخزين حوالي 3,5 مليار متر مكعب من المياه. وقد قامت الحكومة المصرية ببناء الخزان وبالإشراف الفني والإداري الكامل عليه من عام 1933 وحتى عام 1977، دون أي تدخّلٍ من حكومة الحكم الثنائي أو الحكومات الوطنية بعد استقلال السودان.، وظلّ الخزان يُمثّل خط إمدادٍ ثاني للمياه في مصر من عام 1937 وحتى عام 1971 عندما اكتمل العمل بالسد العالي.
4
فقد خزان جبل أولياء أهميته لمصر عند اكتمال السد العالي، إذ أن السد العالي يقوم بتخزين حوالي 157 مليار متر مكعب من المياه، وهي أكثر من أربعين مرة من كمية المياه التي يحجزها خزان جبل أولياء. وقد وافقت مصر بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بتسليم السودان خزان جبل أولياء حال اكتمال بناء السد العالي. ورغم أن السد العالي قد اكتمل عام 1971 فإن مصر لم تُسلّم السودان خزان جبل أولياء حتى عام 1977 حين انتقل الإشراف الإداري والفني على الخزان إلى السودان.
ظلت الفوائد التي يجنيها السودان من خزان جبل أولياء بعد أن استلمه من مصر محدودةً جداً. وتتمثل هذه الفوائد في الري في مشاريع النيل الأبيض الزراعية ومشاريع الطلمبات شمال الخزان، وتوليد محدود للطاقة الكهربائية، واصطياد الأسماك.
من الناحية الأخرى فإن هناك مشاكل كبيرة لهذا الخزان. فالتبخر عالٍ جداً من بحيرة السد الشاسعة، ويصل التبخر إلى حوالي مليارين ونصف المليار متر مكعب سنوياً. وقد ظلت كميات المياه المتبخرة عاملاً من عوامل الخلافات مع الدول النيلية الأخرى التي ترى في خزان جبل أولياء مشروعاً لهدر المياه التي تحتاجها وتتنازع دول حوض النيل على كل قطرةٍ منها. وستكون إحدى النتائج الايجابية لإزالة هذا السد هي توفير هذا القدر من المياه. النتيجة الإيجابية الثانية ستكون استعادة الأراضي الشاسعة التي غمرتها مياه البحيرة والاستفادة من هذه الأراضي الخصبة بإضافتها إلى المشاريع الزراعية في المنطقة.
سوف تتسبب إزالة الخزان في وقف توليد الكهرباء، ولكن هذا التوليد الكهربائي محدود ويمكن تعويضه من كهرباء سد مروي. كما أن الاستفادة من الثروة السمكية واستخدامات الري محدودتان أيضا ولن تتأثرا كثيراً بإزالة السد.
قد يبدو من هذا العرض أن النتائج الإيجابية لإزالة خزان جبل أولياء أكبر من الفوائد التي يجنيها السودان حالياً من الخزان إذ أن التخطيط لبناء الخزان في ثلاثينيات القرن الماضي لم يأخذ في الاعتبار البتة أية منافع للسودان. ولكن لابدّ من دراسة علميةٍ متكاملة تشمل المسائل الاقتصادية والهندسية والبيئية والاجتماعية، وفوائض المياه التي ستنتج من وقف فاقد التبخر من بحيرة الخزان، والأراضي التي سيتم استعادتها، وتشمل كذلك التكلفة المالية لإزالة الخزان.


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3322

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#270280 [gafar elmubrak]
0.00/5 (0 صوت)

01-07-2012 03:42 PM
THE INGAZI RULERS ARE LOOKING AFTER EGYPT\'S INTEREST IN SUDAN,

THE EGYPTIANS DECIDED THAT JABAL AWLYIA DAM IS OF NO USE TO EGYPT AND ALOT OF WATER IS LOST FROM THE LAKE BEHIND IT ,,DUE TO THE EVAPORATION OF ITS WATER
IDEALLY ALBASHIR GOVERNMENT SHOULD HAVE STUDIED THE BENEFIT OF THIS DAM TO SUDAN AND ITS LOCAL POPULATION WHOSE LIVELY HOOD DEPENDS ON THE PRESENCE OF THE DAM
INSTEAD ALBASHIR DECIDED TO DEMOLISH THE DAM FOLLOWING EGYPT\'S INSTRUCTIONS
))WE ALL KNOW THAT ,,ALBASHIR AND HIS GOVERNMENT ARE LYING IN FANGESI )) POSITION WHEN IT COMES TO EGYPT I.E LYING ON THEIR BELLIES FOR THE EGYPTIANS TO WALK ALL OVER THEM
WHAT IS NEXT MR PRESIDENT IS IT NOT ABOUT TIME FOR YOU TO TAKE YOUR TWO WIVES AND ALL THE BILLIONS YOU HAVE STOLEN AND BUGGER OFF,, AND GIVE THE CHANCE FOR A TRUE MAN TO GOVERN SUDAN,, INSTEAD OF ASHBAH ALRIJAL WHO ARE RULING SUDAN NOW


#270240 [خلف الله عديل]
0.00/5 (0 صوت)

01-07-2012 02:43 PM
د. سلمان السلام عليكم

قد تم استقفالنا من قبل المصريين ,حين تم استخدام اراضينا كمخازن مياه لصالح

مصر دون دفع مبالغ لذلك الاستخدام ولمدة 44 عام !


واعادوا الكره مرة اخرى حين تم استقفالنا , حين دمرنا لهم مدينة حلفا , لاجل

تخزين المياه فى بحيرة السد العالى لصالح مصر !!


وقد تم ذلك فى عهد الجنرال عبود الذى يعد ثانى اغبى رئيس بعد العميد عمر

البشيروهولاء يعدون رموز التفريط فى السيادة الوطنية .


المصريون يعدون لاستقفالنا مرة ثالثة , ويطالبون بهدم خزان جبل الاولياء دون

رعاية لمصالح السودان ولو ذات جدوى ضعيفة , وذلك بعد انتهاء فوائدهم من

ا لخزان ,وبعد نقص حصتهم الغير شرعية التى تاتى من النيل الازرق , بسبب بناء

الحبشة لسد الالفية !!!


واذا نظرنا لمستقبل تقسيم مياه النيل بنص القانون الدولى لوجدنا ان مصر تستخدم

حصة السودان والحبشة ومنذ امد بعيد , دون اى تعويض , خصوصا ان لتر مياه الشرب

اغلى من لتر البنزين الصافى !!!!


وفى حال تم تقسيم المياه بالقيمة العادلة , فان خزان جبل الاولياء هو المخزن

الاول لحصة السودان فى النيل الابيض .

والذين يطالبون بهدم خزان جبل الاولياء من السودانيين , هم الفاشلون الذين بنوا

سد مروى دون دراسة وافية لرفد السد بالمياة على مدار العام , ممادعاهم للتفكير

بهدم خزان جبل اولياء , وذلك لتغطية فشلهم الزريع فى سد مروى بتوليد الطاقة

على مدار العام , وكذلك ترضية لاسيادهم المصريون !!!


لايلدغ مؤمن من جحر مرتين , فهل نحن كذلك ؟؟؟










#270131 [alkurdofani]
0.00/5 (0 صوت)

01-07-2012 12:30 PM
What is the effect on flooding control and we know with the existence of this Dam, there is a risk on Alzouzab and al-Kalakla


#270106 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

01-07-2012 11:54 AM


مشروع سندس يشرب من وين ..؟


ردود على مجودي
Saudi Arabia [علي يحيى ] 01-08-2012 09:43 AM
هذا التبخر هو لصالح مناخ السودان و ليس ضده, وعلى انصار البيئه التحرك
كيف نحمي العاصمة من الغرق اذا حدث الغير متوقع
اليوم مناخ هذا الخزان المباشر تحس بها حتى طيبة الحسناب و اكثر
الجنوب سوف يشرع في بناء خزانه و سوف ينخفض المنسوب لا محالة , كيف نتحكم على مياهنا من حدود الجنوب الي مروي لفائدة وسط السودان و بخاصة شرق كردفان
هناك اراضي واسعه حول الخزان غير مستصلحة بما فيها مشروع سندس!!!!!!!!! , دائما نسعى للحلول السريعة بدون تحليل و لا دراية
ذكرت في خطابك المساوئ و لم تذكر المحاسن و نحن فالحين في التدمير و ليس التعمير و لولا ذلك لما كانت العاصمة صحراء تعتريها الاغبرة من كل حدب و صوب و كل متنفس اهل العاصمة 5 كيلو مربع يسمى المقرن و حبيبي المفلس و الساحة الخضراء بالوان البوماستك
فكروا في كبري آخر و اتركوا هذا الخزان كتحفة اترية و منتجع لاجيالنا سامحكم الله
اطالب بإزالة كل المبانى من اطراف النيل و عمل حدائق و منتزهات يستريح فيها هذا الشعب الغلبان من هجير شمس الخرطوم


د. سلمان محمد أحمد سلمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة