المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الجمهورية الثانية ... الحقيقة والأسئلةٍ الصعبة
الجمهورية الثانية ... الحقيقة والأسئلةٍ الصعبة
01-09-2012 09:15 PM


الجمهورية الثانية ... الحقيقة والأسئلةٍ الصعبة

نجم الدين موسى عبد الكريم
[email protected]

الملاحظ أنه فى الآونة الأخيرة دخلت الى قاموسنا السياسي مفردة او مصطلح الجمهورية ألثانية وأخذ هذا المصطلح يجد طريقه فى الخطاب السياسي الرسمى واستعمالاته فى لغة الصحافة اليومية خصوصا بعد انفصال اقليم جنوب السودان فى يوليو الماضى باستفتاء دستورى مشهود. وبما اننا لسنا هنا بصدد الحديث عن معنى هذا المصلح فى المعجم السياسي بشكل عام ومطلق وانما بصدد قراءة دلالاته واشاراته فى اطار سياقاته التاريخية و الموضوعية كمدخل للتحليل السياسى لواقعنا الراهن المأزوم، ولربما تأتى أهمية هذا التناول الدلالى لهذا المصطلح لكونه اولا يشير الى فترة اولى من تاريخنا السياسى الوطنى الحديث، وهى فترة ما بعد الاستقلال فى يناير 1956 الى تاريخ استقلال اقليم جنوب السودان فى 2011، بما لها وعليها كجمهورية أولي وما بعد هذا التاريخ كجمهورية ثانية تحمل ملامح تشكلها فى محض خيال توقعاتنا وتحليلاتنا وفى ذات الوقت يبدو أن الصورة قد تخلقت و اكتملت ملامحها فى وعى المؤتمر الوطنى من واقع التصريحات القوية التى دائما ما فاجأنا بها قادة هذا الحزب التى تخلو تماما من الحس الوطنى والبصيرة والوعى السياسي والإصرار على فرض ارادة هذه الجماعة لصياغة ملامح الجمهورية الثانية التى يتكلمون عنها من وحى سلطان الدولة وهدى مشروعهم الأيدولوجى الحضارى الآحادى بلا ادنى اعتبار لقراءة مجريات التاريخ و ضرورات الحاضر والمستقبل وفى ظل التحولات الكونية فى طبيعة سيادية الدولة وتعقيد منظومة علاقاتها والتزاماتها الداخلية والدولية.
حري بنا و نحن بصدد الحديث عن الجمهورية الثانية أن نمر مرورا سريعا على ابرز القضايا التى حددت ورسمت ملامح الجمهورية الأولى، حتى نستبين ضحى غد الجمهورية الثانية. منذ فجر الاستقلال ظلت المسالة الجنوبية هى ام القضايا السودانية اذ أن حتى الاستقلال نفسه كان رهن موافقة الجنوبيين عليه، وبالفعل تمت موافقتهم عليه شريطة التزام مقابل من الشمال يراعى خصوصية الجنوب وتخلفه الاجتماعى والاقتصادى وحقه فى الحكم الذاتى الموسع فى اطار الدولة الواحدة، برز عنه فى الادبيات لاحقا مفهوم الوحدة فى التنوع، هذا التفاهم الوطنى الباكر يدلل على جملة حقائق أولها تأكيد رغبة الجنوبيون فى وحدة السودان الذى أقرته توصيات مؤتمر جوبا 1947 رغم الذى يقال عنه، ثانيا الاعتراف أو عدم الاعتراض على أن الاسلام هو دين غالبية أهل السودان و ثالثا القبول بأن اللغة العربية هى اللغة الرسمية. تجدر الاشارة هنا الى أن هناك مسؤولية تاريخية يتحملها الرعيل الاول من السياسيين السودانيين رغم دورهم غير المنكور فى صناعة الاستقلال، الا وهى عدم الايفاء بتعهداتهم التى قطعوها للجنوبيين قبل الاستقلال رغم موضوعية ومشروعية هذا الحق وبساطة هذا الطلب ايضا، فبذروا بذلك بذرة صارت واحدة من علل السياسة السودانية، هى المناورة والمراوغة السياسية الفارغة والنكوص عن الوعود وعدم الوفاء بالعهود (أبيل ألير). ولو ان هذا الرعيل صرف جهده ووظف مصادر الدولة لتقريب الفارق التنموى بين شطرى البلاد لكان ذلك اوفق ومحفزا للوحدة الوطنية بدل محاولات كسر الارادة بالقهر والجبروت وبما ان التركة الاستعمارية كانت كبيرة وربما لانشغال هذه النخبة بتثبيت دعائم الحكم الوطنى الوليد، إلا انه فى ذات الوقت كانت هناك بنيات اقتصادية لا بأس بها تمثلت فى سكك حديد السودان ومشروع الجزيرة وميناء بور تسودان وايضا خدمة مدنية ممتازة ونظام تعليمى قوي وسلك قضائى كفء وفعال كان يمكن لهذه المقومات أن تسهم فى تشكيل لبنات البناء القومى لولا أنهم اختاروا مسلكا آخر أوردنا هذه المهالك.
وبما ان السودان منذ الاستقلال وحتى تاريخ انفصال الجنوب قد تعاقبت على حكمه أنظمة مدنية وعسكريه متعددة الا أن معالجات القضايا الوطنية الكبيرة كانت متشابهة والى حد كبير واحدة مع حقيقة ان التقدم الوحيد المحرز فى قضية الجنوب كان انجازا للنظم العسكرية (اتفاقية أديس أبابا 1972 ونيفاشا 2005)على خلاف غيرها من النظم المد نية برغم ما انتهت عليه هذه النجاحات!!
ومن القضايا الاخري التى كانت فعلا شاغلا للناس هى مسألة الهوية الثقافية للسودان وما صاحب ذلك من جدل فكري واسع ومواقف سياسية للكثير من القوى الحزبية والتيارات الوطنية الاخري شكلت فى أغلب الاحيان اتجاهات و طبيعة الصراع السياسي نفسه فى فترات لاحقة وهنا يستطيع المرء القول بان الولاء الاثنى والقبلى عندنا يسبق الولاء الفكري والتنظيمى والوطنى لدى حتى المثقف السودانى الذى كثيرا ما يسقط فى فخ هذه العصبيات ويسلك سلوك البداوة، مستجيبا فى ذلك لابسط الاستفزازات رغم مؤهله العلمى العالى وثقافته الراقية وتجاربه وخبراته المرموقة وفى كثير من الاحيان يستخدم ويوظف هذه المسائل لترقيه الاجتماعى والمهنى والسياسي بصرف النظر عن شروط القدرة والكفاءة. أما قضايا كالسلام والوحدة والعدالة الاجتماعية والتداول السلمى للسلطة يمكن وبجرد حساب بسيط لدفتر وكتاب الجمهورية الاولى بكل انظمتها المدنية والعسكرية التي كثيرا ما تتماهى الثانية فى الاولى وتتلبس ذات المواقف كما نلاحظ الآن، و (الحساب ولد كما قال على عثمان محمد طه) نجد انا قد توصلنا لهذه الحقائق:
1 – حصاد مجهودات الجمهورية الاولى لتسوية قضايا الحرب والوحدة والسلام ربما تمثلت اجمالا فى اتفاقية اديس أبابا التى لم تجد الترحيب والمباركة المطلوبة من قبل القوى السياسية، ثم انهيارها بشكل مفاجئ بعد عقد من الزمان، ترتب على ذلك ظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان و الجيش الشعبى (1983) وعلى مدى اكثر من عشرين عاما من عدم التبصر وغياب الارادة السياسية تكبدنا الخسائر الفادحة فى البشر و الموارد وارتكاب جرائم ضد الانسانية فى جبال النوبة وجنوب السودان مضى عليها الزمن بلا مساءلة اخلاقية او جنائية وصولا الى محطة نيفاشا 2005 وما انتهت عليه من انفصال لجنوب السودان، ليبقى الانفصال هو العلامة الابرز فى دفتر الجمهورية الأولى، بصرف النظر عن وجهة النظر السائدة والمروج لها الان من قبل زبانية النظام ومأزومى الفكر والخيال. وتبقى حقيقة اخضاع هذه التجربة للمزيد من التحليل والدراسة والتأمل، ضرورة لا فكاك منها نهتدى بها لمعالجات المستقبل، لاننا بكل حسابات السياسة والمنطق والاقتصاد وحتى كل المعايير الأخرى نجد انفسنا وبعد مرور حوالى نصف قرن ونيف لم ننجح فى الوصول لتسوية عادلة غير اننا صببنا المزيد من الزيت على فتيل مشتعل والشاهد على ذلك تفاقم الاوضاع الان فى جنوب كردفان والنيل الازرق.
2- أزمة دارفور، وأزمة دار فور فى ظنى تمثل خطل وغباء الانظمة السياسية وعجزها السياسي لما لهذا الاقليم من أهمية تاريخية وثقافية واقتصادية وبشرية وديمغرافية وعلاقات تشابكية معقدة مع بقية اطراف السودان. فالحماقات والفظاعات والانتهاكات التى ارتكبت فى دارفور بقصد اعادة صياغة التركيبة البشرية والديمغرافية والادارية لخدمة مشروع ايدولوجى محدد، كان خطأءا تاريخيا فادحا لم يسلم السودان من تبعاته ابدا. التسوية السياسية التى تمت فى عهد الانقاذ (ابوجا 2006) لم تكن سوى استخفافا بالعقول ومزيدا من الازدراء باهل الاقليم وبعدها (الدوحة2011) كانت هى الاخرى الاكثر امعانا فى الاستهبال والعبث السياسي والاكثر سوءا فى الاخراج والتسويق. و \"من الحكمة أن لا نصدق من خدعنا ولو مرة واحدة\". (ايمانويل كانت). وما يهمنا هنا فقط ان نسجل فى دفتر وكتاب الجمهورية الاولى ان دارفور كانت مسرحا شهد انتهاكات جسيمة للقانون الانسانى الدولى تمثلت فى حروب الابادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية ومعسكرات للنازحين(65 معسكر) واللاجئين (21 معسكر) لما يقارب العشرة سنين، مع عدة مسائل قبيحة اخرى كاستخدام سلاح الاغتصاب امعانا فى الازلال والاهانة وأيضا العمل على استجلاب مجموعات بشرية من خارج السودان للاستيطان فى أماكن المواطنين الدارفوريين.
3- فى قضايا الحكم والاستقرار السياسي، نجد اننا عبر نظم ديمقراطية (11 سنة) وشمولية (45 سنة) فى الجمهورية الاولى، جربنا فيها اكثر من ستة دساتير لم ينجح ائ منها فى ان يسهم فى بناء دولة مدنية متعددة الديانات والثقافات والاثنيات تكون فيها المواطنة اساسا للحقوق والواجبات بصرف النظر عن اى اعتبارات اخرى، كما فشلنا فى وضع الاسس والهياكل التى تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة لكل اقاليم السودان وبدلا من ذلك استخدمنا موارد الدولة والسلطة والثقافة والدين لخلق الفوارق الاجتماعية والامتيازات الاثنية، بدرجة خلقت معها حالة من الجفوة وعدم الثقة التى ربما يصعب معها الوصول للتمازج القومى المطلوب، وهذا ما يتنافى وينسف فكرة الدولة الوطنية والمواطنة القائمة على اساس المساواة فى الواجبات والحقوق بعيدا عن حسابات الدين و العرق. و \"المواطنة ليست مفهوما دستوريا فحسب بل هى ايضا معيار قيمى ونظرية معرفية وممارسات فعلية\". (د. منصور خالد). حروب اقاليم السودان او قل شعوب السودان ضد السلطة المركزية تاكد عدم رضاها من الصيغ الدستورية والقوالب والهياكل المؤسسية للدولة السودانية التى افرزت هذا الوضع الشائه و المعقد، وفى حقيقة الامر ان الدستور فى معناه القانونى الضيق ما هو الا وثيقه يتفاهم ويتوافق عليها \"مواطنو دولة معينة تعكس طبيعة الدولة وهوية مواطنيها وتطلعاتهم وتوصيف شكل ومضمون واسس الحكم الذى يرتضونه من مؤسسات وقوانين لضمان تحقيق تطلعاتهم فى الاستقرار والامان والعيش الكريم\". (د. مكى مدنى) ومما لاشك فيه هذا يتطلب مشاركة كل اقاليم وقطاعات الشعب السودانى وقواه الحزبية والمدنية بإجراءات محددة.
4 - فى هذه الجزئية نجمل عددا من الشواهد التى هى حصرا من كتاب الانقاذ فى مدونة الجمهورية الأولى .
• راس النظام ملاحق بالمحكمة الجنائية الدولية فى جرائم ابادة جماعية وحروب ضد الانسانية وجرائم حرب فى دولة تنادى ببسط قيم الدين والعدالة السماوية.
• تصدر قائمة الدول المصدرة للإرهاب والمنتهكة لحقوق الإنسان والدول الفاسدة، وواحدا من الدول الفاشلة.
• اجزاء كثيرة من الاراضى السودانية خارج حدود سيطرته وسيادته.
• تنتشر فى حدوده اكبر قوات حفظ سلام اممية فى تاريخ المنظمة.
• انهيار شبه تام للبنيات التحية للاقتصاد السوداني (مشروع الجزيرة )،(سكك حديد السودان)، ( القطاع الزراعى والرعوى والبيئة) نمازج.
• تردى الخدمة المدنية العامة.
• انهيار القضاء السودانى و فقدانه لفاعليته و كفاءته والثقة فيه.
• انهيار التعليم العام بشكل خاص والنظام التعليمى عام.
• تفشى حالة الاستقطاب والانحياز الاثنى والقبلى بشكل غير مسبوق وبغيض، مع انتشار ظاهرة الغلو والتطرف الدينى من خلال انتشار الجماعات المتشددة.
• ازمة اقتصادية ومعيشية طاحنة مصحوبة بظواهر اجتماعية غريبة.
• ابتدع هذا النظام ظاهرة العنف السياسي وهى ظاهرة الاغتيالات والتصفية الجسدية ممثلة فى مقتل الشهيد الزعيم الوطنى الكبير الدكتور خليل ابراهيم محمد رئيس حركة العدل والمساواة، فاتحا الباب امام فصل جديد من فصول العنف والعنف المضاد فى الصراع السياسي السودانى (موضوع مقال آخر) لا يعرف احد الى اين سينتهى..! ولكن مما لاشك فيه انها حماقة لم تحسب عواقبها جيدا سيندم عليها هذا النظام وسيكون لسان حاله يُغنّي \"والجحيم من فراقك لى أرحم\" . (بونيات).
من هنا نستطيع ان نطرح بعض الاسئلة عن ماهية الجمهورية الثانية خصوصا اذا ما كانت على هدي الاولى، من المؤكد ان هناك الكثير من القضايا الكبيرة فى الجمهورية الاولى سترحل وستكون شاخصة بقدر اكبر فى الجمهورية الثانية نتيجة للتضحيات الكبيرة التى بذلت فى سبيلها كقضايا الحكم والسلطة والثروة والهوية الثقافية والعدالة. والذي لا يُبشر خيرا هو تصريحات البشير فى القضارف الصيف الماضى بان هوية السودان بعد انفصال جنوب السودان ستكون عربية اسلامية، وما يدعم هذا الاتجاه الحركة المحمومة والتكتل الواضح لبعض الجماعات الاسلامية القريبة لفكر وتوجه حزب البشير لصياغة دستور دائم يستند فى مرجعيته على الشريعة الاسلامية كمصدر وحيد للتشريع؟!
بعد كل الذى قلناه حري بنا ان نطرح هذه الاسئلة الضرورية والحتمية:
هل مازال السودان مؤهلا ان يلعب الدور المرجو منه اقليميا ودوليا ام انه مجهدا ومرهقا فى ذاته بالحد الكافى؟
هل نحن امام مأزق تاريخى حقيقى يهدد بقاء الدولة السودانية وقابليتها للحياة؟
ام نحن امام فرصة تاريخية نادرة فهمنا فيها عبر الماضى ودروس الحاضر، تجعلنا نمضى نحو الحلول الكبيرة بإرادة وطنية كبيرة لبناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم التعدد ويسود فيها حكم القانون واحترام حقوق الانسان وقيم الديمقراطية والحرية والكرامة.
ام هل اننا أدمّنا الفشل؟ مما يجعلنا اكثر قابلية وتأهيلا لارتكب المزيد من الحماقات السياسية التى تدفعنا نحو مرحلة جديدة ونوع اخر من الكفاح تتجدد وتتنوع اساليبه وفق المتغيرات التى تشهدها الساحة الان؟


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1200

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#271771 [القنداوي]
0.00/5 (0 صوت)

01-09-2012 11:46 PM
الإجابة على جميع هذه الأسئلة هي بالسؤال التالي : هل تغيرَ المتحكمون والمتنفذون في مصائر الشعب السوداني المغلوب على أمره بحلول الجمهورية الثانية؟؟؟؟؟؟


نجم الدين موسى عبدالكريم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة