ذكرى الشجن الاليم
01-17-2012 08:38 AM


ذكرى الشجن الاليم

اسماعيل عبد الله
[email protected]

تمر علينا الذكرى السادسة عشر لرحيل استاذ الكلمة الرصينة مصطفى سيد احمد ونحن عبارة عن وطنين منفصلين ومنقسمين برغم ما اوصانا به فى اغنياته التى ترنم وشدى بها مع معاناة الم المرض والم الغربة , لقد نادى ببناء وطن حدادى مدادى تنصهر فيه كل مكونات السودان العرقية والثقافية كما يظهر فى احدى جزئيات اغنية ترنم بها (نوبة وزنوج وبجا وحلب ) كما هو حالنا اليوم متفرقين زنجينا و حلبينا و بجاوينا ونوباوينا الكل يعمل على شاكلة عرقه و الكل يرتكز على القبيلة ويجعلها السند و الهدف المنوط به تصويب الخير و الرفاه وما دونه الهلاك للاخرين من القبائل والعرقيات الا خرى , استند منهاج مصطفى على كوكبة من الاساتذة الاجلاء الذين الهموه بمفرداتهم الموغلة والمتعمقة والمتجذرة فى حب التراب امثال قاسم ابو زيد و حميد و النخلى و صلاح سعيد و شمو وخطاب و الكتيابى وازهرى محمد على و الدوش و القائمة تطول من اناس مهروا بعصارة فكرهم كل الكلمات التى صاغها مصطفى لحنا عبقريا ادهش النقاد واصحاب الاذان الشفيفة , تعتبر مدرسة استاذنا المقيم فى قلوبنا اخر مدرسة غنائية وطنية جادة نحتت اسم الوطن فى نفوس السودانيين واعادت الامل الينا ولو احساساً باننا لا يمكن ان نتنازل عن سودانيتنا التى عبر عنها اسماعيل حسن و وصفها بانها مزيج عرقى حار ومتوهج ومنعتق نحو الاصالة السودانوية المميزة و النادرة.
الاستاذ الراحل ارسى دعامات اساسية لنواة وطن لا يعرف العصبيات يقف على عتبات الثقة و يشرئب نحو افاق مستقبل اجمل و احلى و انضر لا يقف عند حد ولا يعرف محدودية الطموح , لقد اختصرت اعمال الاستاذ الراحل المقيم فى وجداننا مجهودات ساستنا الذين يديرون معارك فى غير معترك و يزايدون بارواح المواطن المسكين فى اسواق النخاسة العالمية حتى اضحينا مادة دسمة لكل من هب ودب ليسرد للناس كيف هو الحال الذى وصلنا اليه من امتهان لانفس بعضنا بعضا وكيف اننا نفرح ونبتهج لموت شقيق لنا و اننا نركض وراء من هم وراء البحار نستجديهم ليأتوا الينا فى دارنا ليعقدو لنا مجالس الصلح ليرشدوننا ويدلونا الى ما فيه مصلحتنا و نحن نركل كل ارثنا الذى قدمه لنا اجدادنا فى طبق من ذهب بالرغم من انهم اوصونا على ان التراب اغلى من الذهب و اثمن من البترول لكننا لم نعى الدرس و لم نفهم الوصية و اصبحنا ضعاف نفوس و رهنا ترابنا و ارضنا الى اولئك الذين اتو من وراء البحار, لقد تفائل الاستاذ بقدوم فارس حواء السودان التى شبهها بنورة حيث قال (جاى ليك يا نورة غيمة تملا ماعونك خريف , يملا عينيك ويفضل , يروى جواك العطاشى , مو دعاشة , ما ها شبورة وتقيف , جاى ليك يا نورة غيمة تملا ما عونك خريف ) لقد اهملنا هذا الأمل و التفاؤل و لم نحقق مقولة تفائلوا بالخيرتجدوه فانصرفنا عن امانى و تمنيات الاستاذ التى لم يبخل على نورة ويكتفى بان يقدم لها الشبورة لتتنسم رائحة الدعاش فقط بل تمنى لها خريفاً رهيباً يملأ لها كل مواعينها و يجعل الترع والوديان و الانهر تسيل من شدة انجراف هذا الخريف الهائل .
اذا قام الباحثون الاجتماعيون بتمحيص لاعمال الاستاذ و واستشعار دورها فى تزكية الروح الوطنية و الحث على حب الوطن ونبذ العصبيات و توحيد الهوية وتحقيق مقصد السودانوية لجعلوها منهاجا للتربية الوطنية و ضماداً لعلاج التشوهات المجتمعية التى حدثت فى جسد هذا الوطن الجريح , ايضا تمثل موجهات اعماله افضل الوسائل لرتق نسيج المجتمع الذى تفتق و تهتك بسبب الشعوذات والتدجيلات التى مارسها تجار الدين فى حق هذا المجتمع الاصيل الذى تعتبر جذوره ضاربة فى العراقة والقدم , مما يؤسف له انه حتى يومنا هذا لم تقدم اعمال الاستاذ فى ورش عمل مستمرة من قبل الناشطين فى مجال الثقافة والاجتماع بطريقة مهنية تسفر عن نتائج بحثية موثقة , لم تكن اغنيات مصطفى مجرد همهمات يرقص على ايقاعها الراقصون بل هى نقد جرئ لواقعنا الحاضر و المعاصر وفيها اجابات لاسئلة كثيرة اعجزت حتى الساسة والحكام فى ان يجدوا لها توضيحاً مقنعاً , ما زالت اعماله طى الاضابير والدواليب و المغبر من ادراج المكاتب والمكتبات , لا تقنعنى بان مجرد الاستماع السوقى لاعمال الاستاذ فى الحافلات و البصات و الكافتريا هو المطلوب , لا ... لابد من رعاية هذا التراث رعاية عملية تعود على الناس بالنفع الفكرى اولاً لانها ليست للطرب و الهجيج ان لها بعداً معرفيا و مفاهيميا اخر من الافيد للناس اكتشافه.
فى خاتمة هذه المقالة نقول لروح استاذنا (كل ما تباعد بينا عوارض ... كل ما هواك يا طيب مكنى ) , حقاً كل ما طالت وتباعدت السنين كل ما كبر مصطفى فى نفوسنا و عظم مقداره و ازددنا حباً له لما قدمه من صدق ووفاء لمجتمعه السودانى بكل اطيافه , لقد لمست احرفه و نبرات صوته وجدان كل سودانى وكل عاشق للحن والكلمة الهادفة , لم يكن تاجرا للغناء الرخيص ولا مطرباً جامداً بل كان يضع الكلمة فى مكانها و يعطى كل حرف حقه ومستحقه من التعبير و المعنى وكان ذو ثقافة وافرة مكنته من الوصول الى قلوب الناس بكل حرفية واقتدار ....الا رحم الله مصطفى بقدر ما ادخل فى قلوبنا من بهجة و ارتياح.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 762

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




اسماعيل عبد الله
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة