المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الدولة وادعاء \"الماركة المُسجِّلة\".....الدستور ومراوحة الاوهام
الدولة وادعاء \"الماركة المُسجِّلة\".....الدستور ومراوحة الاوهام
01-18-2012 08:40 AM


الدولة وادعاء \"الماركة المُسجِّلة\".....الدستور ومراوحة الاوهام (1-2)

د. محمود محمد ياسين
[email protected]

تزامناً مع التحولات الكبرى الراهنة التى تعيد تشكيل السودان واهمها انفصال جنوب السودان عن شماله ظل الحديث يتواتر داخل الاوساط السودانية عن شكل الدولة (بعد انسلاخ الجنوب ) ودستورها ؛ والدستور ظل يشغل الناس كأولوية فى كل منعطف كبير تمر به البلاد طوال مسيرتها الوطنية. والحديث الدائر عن الدولة يخلو من اعتبار ان الدولة يمثل تجسيدها لمصالح القوى الاجتماعية المتنفذة فى المجتمع أهم ملامحها العامة والذى لا يمكن ان ينفيه اى شكل خاص تتخذه الدولة توخياً للتلاؤم مع خصوصيات المجتمعات المختلفة. كما اتجه اغلب المعلقين للنظر الى الدستور كوثيقة موازية للبرنامج السياسيى.
تَكوّن الدولة لا يمكن ان يخضع لتصورات الناس الذاتية، بل تحدده قوانين تحكم المجتمع بشكل موضوعى (وهى تختلف عن القوانين التى يضعها البشر حسب اِرادتهم لتنظيم العلاقات الحقوقية بين مكونات المجتمع.) والناس لا يستطيعون الغاء او خلق بديل للقوانين الموضوعية التى تحدد مسار المجتمع. الا انه فى مقدورهم اكتشافها وادراكها كضرورة. وكلما تعمقت معرفة الناس بطبيعة موضوعية وكلية هذه القوانين، كلما اصبحوا أكثر فهماً لاتجاهات التاريخ ومقدرة على الفعل البشرى الواعى وبالتالى التحرر من اسر القدرية - فالحرية ادراك الضرورة. وفيما يخص الدولة فالناس يؤسسونها وسط احوال اجتماعية معطاة لهم ومستقلة عن اِرادتهم.
قدمت بعض التنظيمات السياسية والعسكرية فى السودان تصورات لما يجب ان يكون عليه شكل ومضمون الدولة فى البلاد وتباروا فى وصف الدولة المثلى التى يتخيلونها؛ وكما فى مزادات الاسواق اخذ كل منهم يسوم دولته (كبضاعة) على انها \"ماركة مسجلة\" استحق براءة اختراعها. نتعرض أدناه لثلاث من هذه التصورات. ولابد من التنويه الى ان التناول النقدى لهذه التصورات لا يتم فى هذا العرض على طريقة النقد المبتذل (اللانقدى)، الذى يصنف الافكار الى أفكار صحيحة أو خطأ بصورة جزافية. فالافكار ليست (مقطوعة شجرة) لا اصل لها ولافصل، فهى- فى النهاية- تستمد حياتها من الفكر السائد فى المجتمع الذى يأتى بدوره كانعكاس لوقائع الحياة المعاشة. ومن ملامح الفكر السائد هو الميل، عند تفسير الظاهرات الاجتماعية, الى تناول مظاهرها وتجلياتها الخارجية بدلاً من علاقاتها (تناقضاتها) الواقعية؛ وبالتالى يقدم هذا التفسير المظهر على الجوهر وينتهى لآيدولوجيا زائفة تتخذ لها شكل هذه التصورات أو تلك. ويصبح كل شيئ مقلوباً.
كما يقدم المقال تصوراً عاماً لمآلات الدولة السودانية على ضوء الاحداث المتفاعلة في البلاد.
———————
يقول السيد ياسر عرمان الأمين العام لما يسمى بالحركة الشعبية لتحرير السودان، فى تصريح فى 29 يوليو 2011 بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل د. جون قرنق، ان \" رؤية السودان الجديد ماركة مسجلة بإسم الدكتور جون قرنق دي مابيور وهي مساهمته الرئيسية ...\"
لكن رؤية د. جون قرنق لدولة السودان الجديد لم تستوعب اتجاهات التطور فى السودان (الموحد) وفشلت فى منع الانفصال. واصرار البعض على انها لم تفقد جدواها فى تغيير السودان الشمالى (او حتى اعادة الوحدة للبلاد على اسس صحيحة) هو ضرب من التوهم، ولهذا رأينا التعرض لها ضمن فكرة هذا المقال.
لخص د. جون قرنق فى محاضرة له بعنوان (رؤية السودان الجديد-1979) تكَّون الهوية السودانية فى معادلة رياضة بسيطة فصل عليها العوامل المكونة للهوية السودانية كما يتصورها هو وهى ان الهوية دالة (كمتغير تابع) ترتبط بمتغيرات التنوع التاريخى، والتنوع المعاصر، وتأثيرات الحضارات (كمتغيرات مستقلة). ولكن هذا منهج مقلوب فى استخدام المعادلات الرياضية لتشخيص اى مسالة فى مجال العلوم الاجتماعية. فالاستخدام القْبلى للمعادلات الرياضية والاحصائية لدراسة موضوعات العلوم الاجتماعية ينحصر فى جمع المعلومات الضرورية لاجراء الدراسة (طريقة المسح, جمع المعلومات، تحديد العينة,الخ.). أما عندما ما يتعلق الامر بتحليل وتشخيص الظواهر الاجتماعية، فيصح تطبيق المعادلات الرياضية لاستخلاص النتائج النهائية من المعلومات المتحصلة- تماما كما فى حالة القوانين الديالكتكية- لايتم قْبلياً.
معادلة د. قرنق (البسيطة) قُدمت هكذا، غير مسنودة بدراسة وفحص التناقاضات المتصارعة بين مكونات الواقع، بشكل دقيق أو (حتى غير دقيق)، فكون الهوية حصيلة للمكونات المذكورة فهذه مسالة بديهية (تحصيل حاصل) ولا تضيف شيئاً جديداً للموضوع المعنى. وهذا يقودنا للخلل الاكبر فى منهج د. قرنق، الذى قاد لرؤية \'السودان الجديد\' الغير منسجمة مع معطيات الواقع السودانى، وهو اعطاء حل الهوية االاولوية فى تحقيق المجتمع المنشود ارتكازاً على النظرة التى تقدم العامل الثقافى على المادى. ظل خطاب الهوية– بتبنى مصطلح السودانوية كدعوة لتجاوز الانتمآت الهووية الصُغرى (قبلية،عرقية،ثقافية،الخ) وتوصيف الهوية بمفهوم الوطنية الرحب حيث تكون المواطنة، الصادرة بالتشريع الدستورى، هى الرابط بين الناس– ظل سائداً داخل الحركة الشعبية منذ نشأتها وفاقمت من وتيرته الصبغة الدينية التى اكسبها نظام الاسلاميين لحرب الجنوب إثر استلامهم السلطة فى 1989. وهكذا لم تبرح الحركة موقف الرواد من ابناء الجنوب الذين رأوا ان مشكلة السودان تعزى للتعريف الخاطئ لهوية السودان على انه دولة عربية اسلامية. فقد حمل هذه الرؤية معظم ابناء جنوب السودان؛ فالاكاديمى والدبلوماسى د. فرانسيس دينق طالب، فى كتابه \"صراع الرؤى–نزاع الهويات فى السودان\"، بالبحث عن هوية مشتركة تكون اكثر تمثيلاً لشعوب السودان كحل لصراع الهويات وبالتالى مقدمة لازالة جميع العقبات امام نهوض البلاد. وهكذا فات على هذه الرؤية ان الخلل الملازم لمسيرة البلاد لا يرجع سببه لاختلاف الهوية بين المواطنين، وانما فى نوع الاستغلال السياسى لهذا التمايز. فبغض النظر عن دقة توصيف الهوية السودانية من عدمها، اختزال المشكلة فى التباينات الهويوية يُضيِّع النظر الى ما هو ابعد من الملاحظ على السطح كمأزق أو صراع هويات، وهو ان اختلاف الهويات استغلته القوى الاجتماعية، التى صعدت للحكم منذ استقلال البلاد من الاحتلال البريطانى فى 1956، كأداة قمعية لخدمة مصالها الطبقية والفئوية وكامتياز لاقصاء كيانات اثنية اخرى من موارد الثروة.
انتهت رؤية د. قرنق بالوقوف عند عتبة الحل الثقافى فى شكل دعوة مشوبة بالعاطفة للسودانيين لأن يخلقوا \" سوداناً ننتسب له كلنا، رابطة اجتماعية سياسية ننتمي إليها جميعاً وندين لها بالولاء الكامل بغض النظر عن العرق أو الدين أو القبيلة أو الجنس حتى يستطيع المرء أن يسهم بفاعلية.\" ويقول ان هذا ممكناً لان هذه الرابطة كانت موجودة خلال الحقب التاريخية المختلفة التى مر بها السودان منذ حضارة كوش معتمداً فى هذا على الاحالة الى بعض الاصحاحات الواردة فى الانجيل.
تجاوز ضرورة القضاء على الاساس الاقتصادى كحل لازمة البلاد يجعل الدعوة للتعايش بين المكونات الهووية المختلفة لتحقيق الغرض نفسه دعوةً لا طائل من ورائها. فالاكتفاء بالتجريد الذى لا يبرح نطاق الهوية، صرف نظر د. قرنق عن تناول العلاقات الاقتصادية الاكثر تمظهراً (والأهم) على السطح ووقف عند حدود المعرفة الانطباعية واخذ، بصورة انتقائية، بتقدير وترتيب ذاتى الهوية منتجاً لافكار ومفاهيم معزولة عن الواقع وانتهى به الامر الى اوهام ذاتية لا تطرح الاسئلة الصحيحة النابعة من صميم الواقع، ومفصلة على حلول جاهزة من وحى الخيال حول التغيير، ومكتفية بالدعوة للتعايش بين المتناقضات كطريق الى (انتاج السودان الجديد) . والترويج لامكانية تجاوز متناقضات الواقع ( وليس حلها) لا يقود الا الى تكريس الواقع الردئ. والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه هو لماذا صار الحل فجاة يكمن فقط في الدعوة العاطفية للتعايش، التى ابدعت الاحزاب التقليدية فى صياغتها فى برامجها الاساسية وفى خطب مؤتمر المائدة المستديرة في 1965 وغيرها من المناسبات.
كما ان فكرة اعتماد تاريخ الحضارات القديمة، لدفع التعايش بين مكونات المجتمع المعاصر فكرة يجانبها الصواب فى تصور أهمية التاريخ؛ فالتاريخ لا يمكن ان يختزل فى مكونات يأخذ منها الانسان الصالح ويترك الطالح، فأحداث التاريخ ووثائقه لا تشتمل على قيمٍ مطلقة وثابتة تأخذ صفة الخلود عبر الحقب المختلفة. ان الافكار والقيم االسائدة خلال مرحلة تاريخية محددة لم توجد كنتاج أولى مستمد من الطبيعة، وهذه الافكار والقيم لا يصعب ادراكها، فى مرحلة لاحقة، كنتيجة لتلك الحقبة السابقة. ومع التسليم بأهمية دراسة التاريخ فى اكتشاف الخصائص التى يتفرد بها مجتمع ما ولمعرفة عمل القوانين العامة لتطور المجتمعات وتاثيرها على تطور واقع محدد يحمل صفاته الخاصة، الا ان العوامل الحاسمة فى تحديد اتجاهات المستقبل (التغيير) يجرى البحث عنها فى مكونات الحاضر. فالحاضر له ملامحه المميزة كمرحلة تاريخية أعلى درجة، بمقاييس اجتماعية اقتصادية، مقارنة بحقب الماضى السحيق.
ان حرب الجنوب الثانية (1983-2005) التى قادها د. قرنق لانهاء القهر الذى مارسته الحكومات المركزية فى السودان على الشعب فى الجنوب، والتى شاركت فيها كل قبائل المنطقة بشجاعة نادرة، لم تكن أكثر من حركة محلية (Parochial). فالحركة الشعبية لم تنظر للصراع فى السودان فى اطاره الكلى: فى ان متاعب السودان سببها الهيمنة الاستعمارية على السودان، بشكلها القديم قبل الاستقلال (الشكلى) فى 1956 والجديد منذ ذلك الوقت، فى شكل وقوع مفاصل ومفاتيح الاقتصاد الوطنى فى قبضة الدول الخارجية وخضوع الحكم المركزى لتعليمات تلك الدول. وكشفت الحركة, بشكل جلى، عن (محليتها) بتوقيعها على اتفاقية سلام نيفاشا عام 2005 مع حكومة الإنقاذ بمعزل عن حلفائها فى (التجمع الوطنى) متنصلة عن اى اتفاق معهم. فرغماً عن ان الحركة لها مطلق الحرية فى تحديد خياراتها السياسية، الا ان اتفاق السلام تم فى اطار استراتيجية رسمتها الدول الغربية فى تهيوئها آنذاك لمرحلة جديدة من التدخل الاجنبى فى السودان تهدف لاعادة تشكيل نظام الحكم السودان خلال وبعد الفترة الانتقالية التى حددتها الاتفاقية خدمة لمصالحها المتجددة، استراتيجية تشكل المانع الرئيس لقيام سودان جديد. كما ان استسلام خطاب الحركة لمسالة الهوية, أدى لفشلها، خلال الحرب، فى انجاح مشروع جيش \"لواء السودان الجديد\" الذى وصفه د. قرنق ب \" البوتقة التى تنصهر فيها كل قوميات السودان\".
رغماً عن الاعتراف بحق الحركة فى اتخاذ ما تراه يناسبها سياساً، كما ذكرنا سابقاً، الا ان خيارها لتفعيل مبدأ \"تقرير المصير\" فى 2011- الذى منحته لها اتفاقية نيفاشا للسلام للاقليم- لم يؤد الى قيام الدولة التى تحقق الرخاء لشعب الجنوب اذ ان تقرير المصير تم فى اطار استراتيجية للدول الغربية لاحتواء السودان على اسس جديدة. تقرير المصير حق مشروع لاى قومية ولكن يفقد جدواه اذ جاء تنفيذه، فى الظروف العالمية الراهنة, فى اطار لعبة (البيضة والحجر) التى تمارسها الدول الغربية استغلالاً للتناقضات فى دول الهامش لتفرض سيطرتها عليها فى شكل علاقات تجارية غير متكافئة واقتصادية تكرس استغلالها وتحويلها لملاجئ استثمارية (investment havens) مربحة أو مآوٍٍ لقواعدها العسكرية. تقرير المصير الذى اختارته الحركة حقق دولة تابعة لا أمل فى نهوضها، فبعد ان حشدت الحركة شعب الجنوب لانفصال الاقليم تحقيقاً لرغبة الدول الغربية، وُلدت دولة الجنوب كدولة تابعة يحكمها كمبرادور جديد (بوجه جنوبى) ومن أكثر منظومة دول افريقيا جنوب الصحراء عمالة للاجنبى وفساداً.
التصور الثانى للدولة جاء فى ما ذكره الضابط عبد العزيز خالد فى احد المقابلات الصحفية (آفاق-مايو 2008)، معدداً رؤى تنظيمه الشبه عسكرى:
\" ....... وتميز التحالف ] قوات التحالف السودانية[ بقدرته على الابتكار، وطرح الأفكار، ووضوح الرؤية، وثباتها وفكره الوحدوي. ويمكن تتبع الماركات المسجلة من شعاراته: الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة، الانتفاضة الشعبية.....]الى آخر الماركات المسجلة التى عددها المتحدث[. \"
الحديث عن الدولة كمُخْتَرَع يقف وراءه فكر بئيس وسطحى يفتقد للاسس المعرفية العلمية وبالتالى يصبح عاجزأً عن النظر لما هوأبعد من المظهر الخارجي للامور لادراك جوهرها.
نأتى أخيراً لتصور الدولة لدى جماعة الحزب الشيوعى السودانى. فقد جاء فى برنامجهم (1988) الدعوة لقيام الدولة المدنية الديمقراطية (يقصدون الديمقراطية الليبرالية-الشكلية التى اصبحت حكمة ويتوبيا العصر) التى ترفع لواءها \".... قوى الاستنارة والعقلانية السياسية التي تتطلع الى نظام حكم يراعي خصائص التعدد والتنوع اللذين تتميز بهما امتنا، بما يصون وحدتها الوطنية، واستقلال بلادنا، وسلامة أراضيه \", والتى تتحقق بالإصلاح الديمقراطي في جهاز الدولة والمجتمع كرافعة ل \" انتقال السودان سلمياً من دولة الحزب الى دولة الوطن، ومن الدولة الدينية إلى الدولة المدنية، والفصل بين السلطات الثلاث وضمانات ممارسة التعددية الحزبية والتداول الديمقراطي للسلطة وحيوية الحراك الديمقراطي في ظل دستور ديمقراطي، لابد من تحقيق جملة إصلاحات ديمقراطية، سياسية وقانونية .....\"، وهكذا تتوارى الما ركسية ولا يبقى اثر لخطاها, فكل شىء يصبح مجردا: الدولة فكرة مجردة وشكل تنظيمى فوق المجتمع والديمقراطية مفهوماً مطلقاً مجرداً.
لم تنساق جماعة الحزب الشيوعى وراء الاوهام لمستوى ادعاء \"الماركة المسجلة\" فيما يتعلق بالدولة المدنية، لكن الدولة والديمقراطية لا يمكن تناولهما بمثل هذه الخفة. لا يوجد شيىء اسمه الدولة المدنية. الدولة لا يتغير جوهرها بتعديل اسمها تحت الشعار الكاذب الذى يدعى التجديد ومحاربة الجمود الذى اصبح القاعدة الخالدة للبعض. فالدعوة للدولة المدنية بمفاهيمها المجردة كبديل للدولة الدينية تكريس لواقع الدولة السودانية كدولة تابعة، بعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية القديمة، وتغليفها فى ثوب آخر. كما ان خُلق شبح الدولة المدنية لمحاربة الدولة الدينية يخفى، ضمن ما يخفى، طبيعة الاستغلال الاقتصادى وتبعاته من القهر والاضطهاد التى يتعرض لها الشعب (وكلها مسائل دنيوية تتحكم فيها سلطة الانقاذ بدولتها المغلفة بغلاف الدين). والهجوم على الدولة الدينية يكون بلا قيمة سياسية اذا لم يكن فى خدمة استراتيجية واضحة. وهكذا بدلاً من وعد الدولة المدنية (المصحوب بوعود كثيرة تحققها الدولة المدنية طُرحت فى برنامج الحزب الشيوعى والتى لا احد يعلم كيف تُحقق ومن يحققها)، يصبح المطلوب (استراتيجياً) التأكيد على ان الطريق الى الحل النهائى للمصاعب التى يتعرض لها الشعب (بغض النظر عن المكاسب السياسية والاقتصادية-التى يمكن احرازها تاكتيكياً ضمن الوضع الحالى) يكمن فى انجاز مهام التحرر الكامل من التبعية الخارجية كاولية لتحقيق الإرادة السياسية الحرة والاستقلال الاقتصادى والسيادة للبلاد. وفى هذا الخصوص يشير برنامج الحزب الى انه يسعى ل (تاسيس الدولة الوطنية الديمقراطية) ولكن بدون تعمق فى طبيعة هذه الدولة، وزجها ضمن دولتيين اخريين يدعو لهما البرنامج هما الدولة المدنية كما مرّ وما تمت تسميته بدولة الافق الاشتراكى! الحديث عن ثلاث دول (مصنوعة على طريقة الكولاج) فى برنامج مفترض فيه طرح مهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ومغزاها السياسى والتاريخى هذيان و شعارات مبهمة؛ والحديث عن التحرر من التبعية (تاسيس الدولة الوطنية الديمقراطية) ليس شعاراً اجوفاً، بل مسألة جادة تحددها شروط واقعية، نتطرق لها فى جزء آخر من المقال.
———————
بدات عملية ربط السودان بالسوق العالمى بعد القضاء على النظام الوطنى فى نهايه القرن التاسع عشر. فالدولة المهدية (يانابر 1885-1899) كانت السلطة الوطنية التى بنهايتها وقع السودان تحت احتلال بريطانى مباشر لمدة 57 عاماً لم تتحرر البلاد بعد الانعتاق منه من اسار التبعية الخارجية. الخليفة عبد الله التعايشى، بعد صعوده للسلطة عقب وفاة المهدى مؤسس الدولة، تمكن، رغم المؤامرات الخارجية التى حركتها مطامع إنجلترا ومصر و الحبشة، من بسط سلطة دولة وطنية كبرى خلال فترة حكمه (يونيو 1885-1899) امتدت من دارفور فى الغرب حتى البحر الأحمر شرقاً ومن بحر الغزال في الجنوب إلى دنقلا فى شمال البلاد. استطاع التعايشى البطل (بالمعنى الحسن للكلمة) رغم تغليفه للقرار السياسي، خلال حكمه، بما يراه فى المنام واتصاله بالحضرات النبوية, من تاسيس دولة مكتفية ذاتياً، لها حضوراً اقليمياً مهيباً. وكأى نظام زراعى يعتمد على الطبيعة ومجرد العمل اليدوى وبالتالى محدودية الانتاج، كان دائماً عرضة للازمات الطاحنة المتمثلة فى شح الغذاء (مقارنة بازمات النظام التركى-المصرى الذى اطاحت به الثورة المهدية الذى جوّع الناس باجبارهم قهراً على زراعة المحاصيل النقدية وتصديرها لتغذية الخزينة الخديوية المصرية).
الدولة المهدية تحت حكم التعايشى كانت تتطور تطوراً طبيعياً متسقاً مع حركة التاريخ, ومن الآراء الصحيحة للمؤرخ د. محمد سعيد القدال هو تقويمه لسياسات الخليفة عبدالله خاصة الجانب الاقتصادى منها والتى جاء فى جزء منها:
\" كان ميلاد بيت المال وتطوره، تعبيراً عن قدرة تنظيمية متقدمة، فالدولة المهدية لم تكن كلها نظاماً فوضوياً متخلفاً.........فنظامها الادارى-المالى فيه روح العصر , لان الدولة المهدية كانت فى جوانب من نشاطها تتآلف مع حركة التاريخ الصاعدة الحديثة. وليس المقصود بالحداثة المعنى التقنى الآلى، بل المعنى الاقتصادى –الاجتماعى العريض. كانت الدولة دولة مركزية جمعت اشتات السودان، واسهمت فى خلخلة العلاقات القديمة ....\" محمد سعيد القدال\' تاريخ السودان الحديث\'- و\' السياسة الاقتصادية للدولة المهدية\' .
بدأت مرحلة مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية بسقوط الدولة المهدية فى 1899 والحاق الاقتصاد السودانى بالسوق العالمى واعاقة تقدمه بالشروط التى تفرضها عليه الدول الغربية. فدولة السودان الحالية دولة تابعة شبه- راسمالية يحكمها تحالف طبقى تتصدره برجوازية تجارية (كمبرادور) تبسط سيطرتها على الحكم بواسطة بيروقراطية عسكرية/ مدنية ترعى مصالحها. وبجانب سهره على مصالح البرجوازية التجارية، يقوم جهاز الحكم برعاية مصالح كبار ملاك الآراضى، والمشاريع الزراعية الكبرى التى تتمتع الدولة بشراكتها، والاستثمارت الحكومية كالشركات التجارية متعددة الاغراض والصناعات الاستراتيجة. والطبقة التجارية وصلت للحكم عبر صراعها، منذ الاستقلال فى 1956، مع الطائفية السياسية التى أورثها المستعمر الانجليزى السلطة السياسية؛ فقد ظهرت هذه الطبقة - التى كان مدخلها للسوق العالمى (السوق البريطانى فى ذلك الوقت) هو صادرات سلعة وحيدة هى القطن وتوريد مدخلات زراعته - كشريك اصغر لكبار ملاك الاراضى من الطائفيين الذين منحهم المستعمر الانجليزى حيازات زراعية معتبرة فى النيليين الابيض والازرق. وبعد ان فتح السودان مجالات زراعية جديده وولج مجال التصنيع، وبالتالى ازدياد انفتاحه على السوق العالمى، تحولت السيادة السياسية للطبقة التجارية؛ ومنذ ذلك الحين ورغماً عن تطور تركيبتها، ظلت هى الطبقة نفسها التى تحكم السودان خلال الخمس عقود الماضية. وما التغيرات على صعيد الحكم خلال تلك العقود الا تعبيراً عن رغبة الطبقة التجارية فى اعادة ترتيب اوضاعها وأهدافها تمشياً مع التطورات المحلية (الرغبة فى قمع الحركة الشعبية كلما قويت شوكتها بحل تنظيماتها) والعالمية (استجلاب رؤوس الاموال من مصادر جديدة) . فالتتطورالذى رافق مسيرة هذه الطبقة تطور كمى وليس نوعياً.
وتسيد الطبقة التجارية جعلها تحتكر التسهيلات المصرفية والائتمانية لتمويل تجارة الصادر والوارد. وصار مجال الصادر والوارد هو العصب للنشاط الاقتصادى فى البلاد. واسلوب (التقسيم الدولي للعمل) الذى فرضه الاستعمار، جعل السودان يبقى بلداً زراعياً حُبس تطوره فى ذلك الاطار القبل-رأسمالى؛ وصارت انظمة الحكم الوطني مغلوبة على امرها ليس امامها الا الامتثال، فيما يتعلق بتحديد مجالات الاستثمار ونوعيته، لارشادات مؤسسات التمويل العالمية ولرؤوس الاموال الاجنبية التى لا تعنيها تنمية البلاد اقتصادياً بل السعى لتحقيق أقصى الارباح التى فقدتها فى بلدانها. فالرأسمالية العالمية الحالية الاحتكارية تعانى من تدنى الأرباح فى بلدانها نتيجة النموء الهائل فى تكلفة رأس المال الثابت (المكينات والمعدات، ونظم الانتاج الحديثة الخ,) مقارنة براس المال المتغير (العمالة).
وفى مقابل الطبقات المتسيدة يوجد الملايين من أبناء الشعب الذين يمثلهم العمال، والمزراعيين بمختلف تقسيماتهم، وأُجراء الارياف الذين يعانون من الفقر المدقع والحرمان. ويمثل سكان الارياف من فقراء ومتوسطى المزراعين والعمال الزراعيون اغلبية الطبقات الشعبية فرضت عليهم علاقات الانتاج المتخلفة السائدة وضعاً معيشياً سيئاً. ومن الطبقات والفئات الاخرى التى تتناقض مصالحها مع الطبقة الحاكمة وتعانى من هيمنتها على الاقتصاد يوجد صغار الملاك والتجار المحليين الغير مرتبطين برؤوس الاموال الاجنبية (البرجوازية الوطنية)، ومجموعات المهنيين، والحرفيين.
وهكذا فان الثورة فى السودان تستمد طبيعتها كثورة وطنية ديمقراطية من ضرورتين:
أولاً، ضرورة وطنية. القضاء على السيطرة الاقتصادية للدول الكبرى على البلاد بواسطة شركاتها عابرة القارات وتعليمات مؤسساتها المالية العالمية التى تتحكم فى مفاصل الاقتصاد الوطنى. ومهمة التحرر من الهيمنة الاجنبية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنضال ضد الذراع المحلى لتلك الهيمنة وهو الطبقات المحلية الحاكمة.
وثانياً، ضرورة ديمقراطية. حل المسالة الزراعية (التى تختلف عن حل قضايا المزراعين). حل المسألة الزراعية، بمعناه التاريخى، هو الانتقال من النظام الاقطاعى الى الراسمالية: تحويل قوى الانتاج المتخلفة والانتاج الصغير المغلق الى قوى انتاج متقدمة تستطيع الاضطلاع بتوسيع دائرة الانتاج. فاذن حل المسالة الزراعية قضية سياسية/اقتصادية / اجتماعية كبرى تتعلق بتغيير طبيعة حيازة الارض (التعبير الحقوقى لعلاقات الانتاج) مما يفتح الطريق امام القوى المنتجة لكى تتطور بعد ان كانت تلك العلاقات تكبل تطورها. وعليه فان حل المسالة الزراعية فى السودان يكمن فى القضاء على العلاقات الشبه اقطاعية والتغيير الجذرى لعلاقات الارض التى تمثل السبب الرئيس للنزاعات الدامية فى البلاد وليس التباينات الهووية. كذلك الصراع لا يعود لشح الموراد، كما يزعم البعض. فالنظام البالى لملكية الارض، فى شكله الجماعى القبلى، السائد فى البلاد لايسمح بكفاية استخدام الارض ودرء الكوارث البئية (الزحف الصحراوى) وبادخال النظم الزراعية الحديثة ونقل الفلاحة من مستوى العمل الحرفى الروتينى الى صناعة مبنية على العلم تخضع لسيطرة الانسان. كما ان علاقات الارض القديمة (archaic) على مستوى البلاد باراضيها الشاسعة، لا تساعد على امتصاص الهزات والكوارث الطبيعية التى تتعرض لها أى من مناطقها.
———————
من العرض السابق يتضح ان الادراك الصحيح لمسألة الدولة يكمن فى فهم طبيعتها كأداة للسيطرة الطبقية ومعرفة الوضع الاجتماعى/الاقتصادى للطبقات المختلفة فيها. كذلك سلطة الدولة وسياستها وقوانيها ليست هى من يحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية/الاقتصادية، اذ ان العكس هو الصحيح. فالعلاقات الاجتماعية/ الاقتصادية هى ما يحدد شكل ومضمون الدولة. وعليه تحقيق الدولة الوطنية الديمقراطية لا يتم الا بالعمل (المثابر) لاحداث الثورة التى تحقق التغيير الاجتماعى الجذرى، وليس نظرياً بالتصورات الخيالية البعيدة عن الواقع فى شكل شعارات آيديولوجية تطرح مقابل وكبديل للآيديولوجية التى تتستر الدولة خلفها – لهذ فالشئ الاجدى، بدلاً عن هذه الاوهام، هو طرح البرامج السياسية المحددة (التاكتيكية) التى تخدم المعركة الاساسية: معركة التحرر والانعتاق من التبعية. ومن ناحية أخرى لا يكون النضال الوطنى مجدياً اذا لم يربط بدحض القوى (المعارضة) التى تاخذ تعليماتها من وراء الغرف المغلقة فى مبنى الكابيتول. تلك القوى لم تعد تفهم الاشياء والاحداث الا بمعارضة حكم الانقاذ واصبحت، مثل \' نيرون\' ينشد الاناشيد الهوميرية وروما تشتعل، تصدح بنشيد تأليب المجتمع الدولى (الدول الغربية) على الحكم بينما الشعب يحترق من الفقر الذى فرضته التبعية للخارج )المستجار به(. وموقف هذه القوى المستخذية للدول الغربية يدفع الذاكرة لاستحضار ما قاله شاعر الشعب (الكبير) عندما انهار وانشد فى خور واستخذاء مستنجدأً بالاحباش والانجليز لتخليص أرض السودان من الحكم الوطنى ابان الحقبه المهديه فى نهايات القرن التاسع عشر:
ناس قباح من الغرب يوم جونا
جابو التزرعة ومن البيوت مرقونا
اولاد ناساً عزاز مثل الكلاب سوونا
يا يابا النقس يالانجليز الفونا
واستطراداً نذكر ان أولوية قضية التحرر فى البلدن المتخلفة والنامية تتضح أكثر بنظرة مددقة فى طبيعة الهبات الثورية العربية الحالية حيث نجد عامل فشلها الذى حملته وتحمله فى احشائها يكمن فى عدم ربط هذه الثورات للأزمة التي تعيشها مجتمعاتها بالتبعية وبالتالى فشلها فى تحديد الانعتاق من الهيمنة الامبريالية وتحرير الإرادة الوطنية كمهمتها المركزية. يقول الصحفى المخضرم محمد حسنين هيكل معلقاً على الثورة الليبية:

\" الثورة لا تقبل التدخل الاجنبى ولا تقبل ان يقصف حلف الناتو المواقع الليبية..........هناك فارقاً بين الثورة والسيطرة بواسطة التدخل الأجنبى، واذا كنت من أجل الحرية سوف استبدل سيطرة بسيطرة فانا مخطئ ......وقوى الداخل بليبيا لم تكن تستطع القيام بالثورة لأنها تحتاج لفترة نضج .....وان ماحدث من اِعطاء الجامعة العربية تفويضاً بعمل حظر جوى على ليبيا مشهد لا يشرف أحداً فى العالم العربى.....واذا كانت الثورة غير قادرة على العمل لوحدها فليس ممكناً أن تعوض ذلك بالتحالف مع الشيطان \"يعنى هل تريد ان تبيع نفسك للشيطان!\".....اريد للثورة ان تحدق فى عين التاريخ ولا تخشى منه.\"- الاهرام أكتوبر 2011.

وأخيراً فان الديمقراطية الملائمة للواقع السودانى هى التى يكون فيها التمثيل النيابى فى صالح الأغلبية من الشعب (90% من السكان) الذين يتشكلون من العمال والمزراعين. الديمقراطية السياسية لا تعنى شئياً اذا لم تكن سلطة وأجهزة الدولة فى يد الشعب من خلال ما يعرف ب (الديمقراطية الجديدة او الشعبية). فهذا هو الطريق الوحيد لتحقيق الديمقراطية الاقتصادية، التى تعنى سيطرة واشراف الشعب على الموارد الاقتصادية للبلاد وتوجيهها لنهضتها وتلبية احتياجات المواطنين. فالتحرر من التبعية والديمقراطية وجهان لعملة واحدة: تحقيق الديمقراطية فى السودان رهين بازالة الطبقة التجارية التى تسيطر على الحكم وثروات البلاد بالوكالة عن رؤوس الاموال الاجنبية، فاستدامت السيطرة الخارجية الاقتصادية تعتمد على ممثليها المحليين الذين يتوقف وجودهم على تلك السيطرة.
ظل بعض الناس ومن خلال احباطهم يروجون فى الآونة الاخيرة لموت الديمقراطية الجديدة، ومثلما وصف الكاتب الامريكى الساخر مارك توين الاشاعات التى تناقلت خبر موته بانها \" فيها كثير من المبالغة\"، نعتقد ان الحديث عن نهاية الديمقراطية الجديدة غير صحيح لانها ما تزال مناسبة (relevant) لاوضاع البلدان المتخلفة. وهذا لسببين:
أولاً، الديمقراطية ليست مفهوماً مطلقاً. فهى شكل للحكم تخضعه الطبقة المهيمنة كأداة لخدمة مصالحها.
ثانياً، ان الديمقراطية الشعبية ليست وليدة خيال جامح او اختراع بل هى ضرورة تاريخية تحتم على اغلبية الطبقات الشعبية فى البلدان التابعة سلوكه فى ظروف سيطرة الدول الاستعمارية على العالم. فكما ذكرنا ان انجاز مهمة التحرر الوطنى والديمقراطية وجهان لعملة واحدة. والديمقراطية فى السودان ترتبط بازالة الطبقة التى تسيطر على الحكم وثروات البلاد كوكيلة لرأس المال الاجنبى. كما ان هيمنة الدول الاستعمارية، التى تعتمد على المستعمرات وشبه – المستعمرات لتحقيق الارباح الفاحشة الضرورية لوقف انحدارها الاقتصادى، تعيق تطور الأسس المادية التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية خلافاً لما حدث فى حالة الدولة القومية الاوربية (المستقلة).
دعاة الديمقراطية الليبرالية تحت مسمى تجديد المسار لا يفعلون أكثر من ترديد مفهوم للديمقراطية ظهر فى اوربا قبل اكثر من قرنين لمقابلة حاجة البرجوازية لها فى مرحلة صعودها. كما انهم يثيرون الاشفاق عندما يحولون هذا المفهوم لدوقما لا قيمة لها والدوران، العمر كله، فى حلقة مفرغة بطريقة أبوالدرداق (الخنفساء) ولكن هيهات ان يحققوا الوصول للقمر. ويثيرون الرثاء عندما يعزفون على نغمة ديمقراطية وستمنستر والديمقراطية الجفروسونية، الشكلية المتهالكة، التى تصدرها، على ايامنا هذه، الدول الغربية شعاراً جديداً للتدخل فى الدول المتخلفة والنامية لاحكام سيطرتها عليها.
لا يفهم من السابق رفض المشاركة فى مؤسسات الديمقراطية الليبرالية، فى حدود الديمقراطية السياسية المتوفرة متى ما كان ذلك ممكناً، كمنبر وكممارسة تكتيكية لخدمة استراتيجية تحقيق مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية.
ونشير الى انه حتى فى حالة تبنى الديمقراطية الليبرالية فى الدول المتخلفة والنامية فى اطار التبعية فالنتيجة هى الديمقراطية السياسية الخالية من المحتوى الاقتصادى (بالمعنى السابق ذكره). فمثلاً دول أمريكا الاتينية التى بدات فى تطبيق الديمقراطية الليبرالية منذ حوالى سبعينات القرن الماضى بعد عقود طويلة من النظم المستبدة والطغيان، ما زالت شعوبها ترزح تحت وطأة الظروف الاقتصادية السيئة. كما اتجه حكام تلك الدول لاخفاء تبعية بلدانهم بشتى الاساليب الدعائية بما فيها رفع الشعارات الاشتراكية الكاذبة. كما ان المغامرين لا يتوانون لحظة فى تحويل الديمقراطية الليبرالية لركام كما حدث مع حكومة سلفادور الليندى فى تشيلى فى 1973. ومثالا آخر للديمقراطية الليبرالية التابعة وعجزها يتمثل فى الهند التى فشلت فى كبح جماح الصراعات الدموية الرهيبة بين طوائفها، وفى ازالة الفقر حيث بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 50% (600 مليون شخص) على حسب احصائيات بنك التنمية الآسيوي.
نواصل... ونقدم فى الجزء الثانى عرضا للمسالة الدستورية فى السودان.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1002

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة