مجتمعات تدمن الكذب
01-18-2012 11:00 AM

(كلام عابر)

مجتمعات تدمن الكذب

عبدالله علقم
[email protected]

المجتمعات العربية على اختلاف أشكالها ونظمها وعاداتها ومجتمعات تهوى الكذب. تمارسه وتعيش عليه وبه للمدى الذي يصل إلى حد الإدمان حتى صار الكذب ركنا أساسيا من أركان الحياة الاجتماعية والرسمية. الزوج يكذب والزوجة تكذب والأطفال يكذبون. المستشار يكذب والوزير يكذب. الدول والحكومات تكذب على مواطنيها كما يكذب بعضها على بعض، ربما لأسباب التنشئة الخاطئة. إذا قلدنا أي شخص منصبا ذا مسئولية نصر على أن نقدم له الكتاب ليتعاطي القسم في حضور الشهود افتراضا مسبقا بأنه سيكذب وأنه لن يتحمل المسئولية وينهض بالعبء إلا إذا أخذنا عليه الميثاق الغليظ والقسم المشهود حتى انفردنا دون سائر شعوب الدنيا بهذا السلوك المبتدع وكدنا نمزق المصاحف والأناجيل ومع ذلك يخرج الواحد من القاعة(التي تشهد أداء القسم) وقد اتشح بالقسم على الأداء الأمين والسهر على الصالح العام وما إن يتربع على الكرسي الوثير ويمسك بالخيوط ويعلم بالمداخل والمخارج حتى ينسى قسمه المبذول ويبدأ في الكذب والحنث باليمين فيمارس السلوك المعوج ويؤثر المصلحة الذاتية على المصلحة العامة ويسخر منصبه ونفوذه لخدمة ذاته وتصعيد مصلحته ، ثم تدور الأيام وتتبدل المراكز وتتغير المواقع وقد يأتي الشخص مرة اخرى وثالثة ورابعة فيخلف القسم ويعاود الحنث والكذب ولا يجد غضاضة في ذلك فحبل الضمير قد ارتخى فلم يكون هو الصادق الملتزم والآخرون يكذبون ولم ينفرد هو بالوفاء والكل من حوله يحنثون ، وهكذا حتى أتعبنا الكتب السماوية من كثرة الضرب عليها بأيدينا المتسخة بتمزيق العهد والموسومة بميسم الكذب والنفاق.
حتى تاريخنا \"الأسطوري\" يعج بالشخصيات الكاذبة، فجدنا أشعب مثل الكذابين وسلفنا مسيلمة مارس الكذب حتى اختلق لنفسه قرآنا. لقد تجاوزنا مرحلة الكذب على الآخرين، بعد أن صار الكذب عملة متداولة في حياتنا الرسمية والخصوصية، فصرنا نكذب على أنفسنا بتخيل المشاريع الوهمية التي لا نستطيع تحقيقها ولكننا نتمسك بها ونلهث خلف سرابها الخداع حتى نصحو على الاصطدام بالواقع فلا أرضا نقطع ولا نبقي على ظهر. وتجاوزنا مرحلة الكذب على أنفسنا حتى وصلنا قمة القمم فصرنا نكذب على الله العالم بما تنطوي عليه الأنفس وما تخفيه الضمائر، فأعمال البر والخير لوجه الله صار الغرض منها هو فصد المنفعة وتحقيق الأرباح والإثراء الحرام والمظاهر الفارغة والتسابق على الشعائر الدينية نتخذه غلافا لمنافع دنيوية، والتلفع بأردية التقوى والصلاح والورع هي سلم نتسلق به لتحقيق المصالح الدنيوية.
السطور السابقة مقتطفات من مقال بذات العنوان للمرحوم عبدالله الحسن المحامي والصحافي ، نشره في جريدة الصحافة في مارس 1985م ،وليس لي سوى اجر النقل مع تحفظي الشخصي على ربطنا بالمجتمعات العربية إلا من حيث التشابه في ممارسة الكذب، ولا أدري ماذا كان سيقول أستاذنا الراحل عن الكذب والكذابين لو عاد للحياة في أيامنا هذه ووقف شاهدا على الحال البائس.
قبل الختام:
أرجو القاريء الكريم أن يدعو معي بالرحمة والمغفرة لابن عمي المهندس أحمد الأمين علقم الذي لبى نداء الرحمن في مستشفى الشبراويشي في قاهرة المعز صبيحة يوم الاثنين 16 يناير 2012م ، طيب الله ثراه وأسكنه فسيح الجنان.
(عبدالله علقم)
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 993

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله علقم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة