المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مصطفى سيد احمد ..طوبى للرجال العصافير
مصطفى سيد احمد ..طوبى للرجال العصافير
01-20-2012 08:06 PM


فى الذكرى السادسة عشر لرحيل الفنان مصطفى سيد احمد ..طوبى للرجال العصافير

رندة بخارى
[email protected]

لم اشعر يوما بصعوبة فى كتابة مقدمة او مدخل لمادة صحفية اعدها للنشر ولكن اليوم باغتنى هذا الاحساس ووضعت يدى على الكيبورد مرات وكتبت سطر واثنين ثم ما لبست ان مسحتهما ربما هو خوفى من ان لاتاتى مقدمتى التى ساكتبها بحجم فنان مثل مصطفى سيد احمد او ربما رايت ان جميع الكلمات تم استخدامها من قبل واردت ان اتى بعبارات لم يقلها احد من قبلى لذا وضعت يداى على خدى وانا فى حيرة من امرى وادردد بعض من اسماء اغنياته الحزن النبيل ..وضاحة ..الملام ..سفر السكوت ..والله يا ايام زمان ..لتخرج من صدرى زفرات ساخنة وتنهيدة عميقة وانا انظر الى رزمة الورق التى امامى ومن ثم قررت البدء فى الكتابة على الفور
فنون الاحداث :رندة بخارى
الشكل الجديد للاغنيات
برحيل مصطفى سيد احمد الذى بلغت سنواته اليوم الستة عشر عام توقف مشروعه الفنى الذى لو عاش صاحبه ولم يرحل باكرا لاستطاع ان يصمد رغم التدهور الذى تشهده الساحة الفنية تعاون مصطفى فى مشروعه هذا مع شعراء كثر قدموا له اغنيات لازالت تتسيد الساحة الفنية الى يوم الناس هذا وهم شركاء له والعلاقة بينه وبينهم ليست علاقة فنان بشاعر وهذا ما يعرفه الجميع واكده لنا امس الشاعر قاسم ابوزيد الذى كان اول لقاء له بمصطفى فى المعهد العالى للموسيقى الذى جاءه منتسبا اما قاسم فجاء عن طريق مكتب القبول وقبل ذلك عمل سيد احمد استاذا فى احدى المدارس التى قدم منها استقالته ليتفرق للدراسة فى المعهد وقبل ان يقدم ابوزيد اشعاره له عملا معا فى جماعة السديم المسرحية التى قرر اعضائها وهم السر السيد ..قاسم ابوزيد ...يحى فضل الله ...فادى عبدالباقى ..وصمت هنا قاسم ليمضى بالقول :قررنا ان ذاك تقديم مسرح سودانى اصيل شكلا ومضمون مع التركيز على التراث على ان لايكون للمجموعة علاقة بالاجهزة الاعلامية الرسمية وقدمنا عبرها فكرة المسرح المتجول وطفنا الساحات ورفدنا عبرها الشكل الجديد للاغنيات الذى لايمكن بثه فى الاذاعة والتلفزيون ومنها خرجت جلسات الاجتماع وقال مصطفى ان شعر المسرح هذا من الممكن ان يتم التغنى به لتتفق رؤاه مع رؤى مجموعة السديم وادراو معا حوار متواصل ووجدوا ان هموهم واحدة
لقد اصبت
لو عيونك ما بشوفوا غير عذاباتى وجراحاتى يلا يا مزمارى غنى لون الاهات
هذا اول عمل قدمه قاسم لمصطفى وكثييرين لايعرفونه ومن المفارقات ان هذه الاغنية كان من المفترض ان يتغنى بها شخص يدعى فرح حمد كان طالبا فى ذلك الوقت فى كلية الموسيقى ولكن شاءت الاقدار ان يتغنى بها مصطفى فى مهرجان الثقافة فى مدنى لتتوالى الاعمال بينهما اكد قاسم ان مصطفى كان مهموما بالفن الجميل وبرفد اغنياته رغم المرض فهو عندما كان فى الدوحة سد فجوة غيابه بتركه تسجيل الجلسات التى كان يقوم بها ومن ثم تاتى الينا فى السودان وحتى وهو مريض كان حريص على السؤال عن اخر الاشعار وهنا يزكرنى موقف حدث فى اتصال هاتفى جمعنى به وصديقنا يحى فضل الله فى تلك الفترة التى كانت وسيلة الاتصال صعبة لعدم توفر الهواتف وكنا نعتمد فى معرفة اخباره من اصدقائنا هناك بالاضافة الى الرسائل التى تصلنا من حين لاخر وفى المكالمة تلك سالنا عن الجديد وكان ينادينى بالفلاح وقلت له هناك عمل ولكن اخزه الفنان الهادى الجبل وقال مصطفى لقد اصبت فالهادى فنان متفرد ولولا غربته لاضاف الكثير الى مسيرة الاغنية الحديثه واوصانا ايضا ويحى قائلا :هناك صوت اوصيكم بان تقدموا له اعمال لانه سيكون له مستقبل ويقصد الفنان محمود عبدالعزيز
الواقع الجديد
هناك اتفاق على ان مصطفى خرج بالاغنية من ماعونها الضيق الى ماعون اوسع وارحب يسع للحبية وللوطن فتغنى للفقراء ولمرض السل وللعدالة الاجتماعية اكد قاسم ذلك وذاد عليه اغنيته التى سميت بالجديدة لذلك جاءت متميزة وتماشت مع الواقع الجديد فانتجت لغة جديدة وكذلك بنيات شعرية جديدة
عارى من الصحة
هناك اتهام يطل براسه كلما مرت زكرى رحيل الفنان مصطفى سيدا احمد وهو ان غالبية شعرائه توقفوا عند محطته ولم يبارحوا الى غيره اصبحو يتخبطون يمنة ويسرى وهذا الاتهام رفضه مدنى النخلى امس فى حديث فنون الاحداث اليه وقال لم نتوقف والدليل على ذلك اننا قدمنا اغنيات كثيرة لفنانين كثر واتفق قاسم مع مدنى وقال هذا حديث عارى من الصحة فشعراء كثر واصلو مسيرتهم بعد رحيل مصطفى وقدموا اعمال وجدت القبول وشعرائه اتجهوا الى اتجهات كتابية اخرى وفى قولنا لمدنى انه لولا مصطفى لما كان قال :ليس بالضرورة لاننى عندما كتبت الشعر لم يكن فى بالى مصطفى ولكن عندما التقيته اتفقت رؤانا خاصة وانه فنان عنيد ومتمرد على النص المالؤف ومن الصعب افناعه به ويلتقى فى هذه الصفة مع الفنان هاشم ميرغنى وقد يبقى النص بحوزة مصطفى لاكثر من عام الى ان يضع له اللحن المناسب
تعاقب الاجيال
شهد العام 1979 م لقاء مدنى ومصطفى فى الخرطوم ونمت بينهما علاقة صداقة ضربت بجزورها الى الاعماق وتحولت الى صحبة عمر واغنية عشم باكر كانت هى فاتحة التعامل بينهما واكد النخلى فى حديثه الينا ان اكثر ما كان يميز مصطفى هو ادراته للحوار حول العمل الذى ينوى تقديمه ويعقد له الورش واضاف بصوت حزين مصطفى رحل واصطحب معه مشروعه الغنائى الذى كان سيتواصل ويكتب له النجاح واعترف النخلى انه يعيش حالة من التوهان بعد رحيله ولابد لاى شخص يعرفه يرتبك بموته وان عن نفسى بعد ان غاب ارتبكت كثيرا وفى زكراه لابد ان نجدد الدعوة بالمحافظة على مشروعه خاصة وان هناك اصوات جادة ظهرت يمكنها المواصله ومصطفى كان من المؤنين بتعاقب الاجيال فهو من قدم الفنان خالد الصحافة الذى وقف الى جواره ولحن له ثمانية اعمال كما لحن ايضا للفنان سيف الجامعة
تهاوت جزور الكلام
هناك شعراء تغنى لهم مصطفى باغنية واحدة فقط وربما رحيله الباكر هو الذى حرمهم من ان يتكرر التعاون ومنهم الشاعر والصحفى فيصل محمد صالح الذى تعنى له بسفر السكوت التى تقول :
طوبى للرجال العصافير
كلما حطّ طائرهم فوق غصن
غنوا بشجيى الكلام .. بديع الصور
وبؤساً لنا نحن الرجال .. الشجر
كلما جرفتنا شجون المنافى
تهاوت جذور الكلام
جفت ينابيعنا
وأرهقتنا ليالى السفر
تؤرقنا الذكرى
توقِد نار المواجد فينا
فيوجعنا الشوق فى صرة القلب
يتأبى حتى السكون الذليل
نخرج الآن من جلدنا
ونخدش صمت السؤالات
نركض عبر الطريق الطويل
من أى ثقبٍ فى الحكايات جئنا
ومن أى بابٍ فى السماواتِ ..
كان إلتماس السكينة؟
مرحلة تجريبية للاغنيات
الححت بطلبى على فيصل ليتحدث لى عن سفر السكوت ولاننى لمست رفض منه حتى لايهيج عليه الحديث زكرى مصطفى ولمحت فى عينيه دمعا حاول مدارته بارتدائه للنظاره ولكن مع ذلك اصررت وفى نفسى شى من الالم لالمه الذى بدى عليه ثم حسم صالح امره وقال لى :نشرتها فى صحيفة الخرطوم التى كانت تصدر من القاهرة فى يناير 1995 م ومصطفى كان فى الدوحة بعد ان غادر القاهرة فى العام 1993 م الى موسكو ومنها الى الدوحة وعندما طالعها ابدى اهتمامه بها وكان معه اثنين من اصدقائه واصدقائى فى الوقت ذاته وهم الناقد والمخرج السنمائى عبدالرحمن نجدى والمخرج السنمائى والشاعر الدكتور وجدى كامل هم من اتصلوا بى وقالوا لى انه اعجب بالقصيدة وشرع فى تلحينها ثم تابع معى الاخ بدرالدين الامير اقرب اصدقائه فى الدوحة ليتصل بى سيد احمد وبدرالدين معا اكثر من مرة وتحدثنا عبر الهاتف لساعات طويله عن القصيدة وفكرتها وقضايا اخرى وابدى نصطفى رغبته فى اجراء تعديل على القصيدة وكان ردى انها صارت ملكه وهو فى الاساس شاعر واعطيته الحق فى ان يعدل ما يشاء وبعد فترة اخبرنى انه انتهى من تلحينها وهو الذى كان لديه مرحلة تجريبيه للاغنيات الجديدة وهى التى يجرى فيها تعديلاته على الاغنية واثنائها لايسمح لاحد بتسجيلها وما ان تكتمل تماما يسجلها الاخرون واعتاد على ان يرسل نسخ للاخرين وبعد فترة قصيرة رحل مصطفى ولم اسال عنها ولم اسمعها الا فى العام 1997 م وبالمصادفة واحضرها لى صديق ولم تكن مكتملة لكن اخبرتنى ارملته بثينة فى نفس اسبوع مغادرتها القاهرة الى كندا بانها وجدت تسجيل جيد وكامل لسفر السكوت ثم سافرت وانقطعت بيننا الاتصلات ولكن الامر الاكثر حزن بالنسبة لفيصل ان صديقه الذى كتب فيه القصيدة كرسالة رحل فى نفس العام الذى رحل فيه مصطفى وصار ذلك عامل اضافى لكى لايسعى فيصل وراء الاغنية او حتى مجرد الاستماع اليها وموجودة الاغنية الان فى الفيس بوك وموقع مصطفى ولكن غير مكتملة ولايدرى اذا كان التسجيل موجود ام انه ضاع

الكانو قبلك
والله يا ايام زمان ببكى واتحسر عليك
مابقول العشنا كان وارمى حبة لومى فيك
ولسه راجيك يا زمان بى حبة الزكرى
عايشة فى وجدانى لسه جوة بتدغدغ حشاى
يمكن الحبيتو مرة يلقى فى كلمات غنائ
فاصلة بتصحى المشاعر
هذا هو العمل الذى قدمه الشاعر التجانى حاج موسى لمطصفى وقال موسى امس لفنون الاحداث :لقد فصلت الاغنية على صوته وكتبتها له فى العام 1976 م وكان ان ذاك طالبا وفى الوقت نفسه استاذ يدرس المرحلة المتوسطة والتقاه لاول مرة عندما كان مشاركا فى منتدى ثقافى مع الشاعر الراحل محمد بشير عتيق والدعوة قدمت من الاستاذة منى عبدالرحيم وهى استاذة مصطفى بالمعهد وزوجها هو استاذ الموسيقى وكانت امسية رائعة طرب فيها عتيق طربا شديد عندما استمع اليه وهو يؤدى اغنية الامان التى صاغها لرمضان حسن وقال التجانى انه تاكد امام فنان موهوب وكان الموسيقار سراج الدين قد اعد له اغنية الشجن الاليم التى كتبها الشاعر صلاح حاج سعيد وفى ذلك الوقت اهداه التجانى حاج موسى والله يا ايام زمان بالاضافة الى اغنية اخرى بعنوان الكانوا قبلك الاانها لم ترى النور
فذلكة تاريخيه
تغنى ايضا مصطفى باغنية واحدة للشاعر عبدالوهاب هلاوى وهى اغنية الملام او لو منى مستنى الملام يا سلام عليك يا سلام وهلاوى قال لفنون الاحداث امس بداية هو فنان انسانى بكل المقايسس وصاحب مشروع فنى يختلف عن بقية المشاريع التى طرحها غيره وهو ايضا مدرسة فى اختيار الكلمة واللحن وفى طريقة الاداء وتمرحلت هذه المدرسة بداية بالغناء التقليدى المتمثل فى اغنية السمحة قالوا مرحلة وغيرها ثم جاءت مرحلة ثانية وهذه المرحلة هى التى تغنى لى فيها ولصلاح حاج سعيد ولغيرنا من الذين يكتبون الكلمة البسيطة والمعبرة فى نفس الوقت ثم جاءت المدرسة الثالثة والاخيرة التى تغنى فيها للشعراء الذين تميزت اشعارهم بالرمزية العلاقة بينها كانت مثل علاقته بغالية الشعراء علاقة صداقة واكد عبدالوهاب ان سيد احمد كان صديق لكل من يعرفه وكان سيكون بينها اكثر من عمل ولكن ربما منتوجه الكثيف وعمره الفنى القصير حال دون ان تكون بينهم اكثر من عمل ولعل الملام واحدة من تلك التجارب التجارب ومضى هلاوى بالقول الاغنية لحنها الاستاذ يوسف السمانى الذى تربطة هو الاخر علاقة صداقة معه اذن الاغنية لم تاتى عن طريق الصدفة وانما بتخطيط مسبق ويظل هو فنان صاحب خصوصية فى حياة كل شاعر وخصويته فى الكلمات اكثر من كونه فنان ويوسفنا ونحن نعيش هذه الايام زكرى رحيله السادسه عشر ان مشروعه الفنى لايجد من يولى الاهتمام وكل ما يقدم عنه عبارة عن فذلكة تاريخيه وعطائه لم يقدم عبر الاجهزة الاعلامية التى لاتحمل الاالقليل من انتاجه وهى ايضا لاتعرف قيمة مشروعه الفنى هذا ويجب ان تتغير العقلية التى لاتنظر الى فنه وانما تنظر الى اهتمامه وفكرة السياسى الذى لاعلاقة له بالتوثيق للمبدع
حب تتداخل فيه الام مع الحبيبة
هل كان لمصطفي سيد أحمد مشروع فني مختلف وماهى رؤية وعناصر ومقومات هذا المشروع وادوات تنفيذه ؟هذان السؤلان طرحناهما على الشاعر محمد طه القدال الذى اجاب قائلا : من فرضيات تجربة ورؤية وفكرة الراحل مصطفي سيد أحمد الفنية أنه كان يمكن أن يتغنى لليل والبنفسج والأحلام الوردية وأمنيات المحب للمحبوب، أو أن يتغنى للهجر والدموع والأسى. أو أن يتغنى للوطن. لقد تغنى لكل ذلك ولكن بفهم جديد ومختلف. إن غناءه لشعراء جدد وشباب لم يك من باب التجريب ولكن عن فهم عميق للشعر نفسه، إمكاناته العاطفية وقوته التعبيرية. كان يمكن أن يركن للكلمة المعتادة والروتينية في الحب والهجر والدموع والوطن التي سادت منذ عشرينات القرن الماضي. ولكن كانت له رؤية شاعر وفطرة سليمة تدعوه إلى تخير حب جديد تتداخل فيه الأم مع الحبيبة مع الوطن فلا تدري أهذه عاطفة مصوبة نحو واحد منهم أم تجاههم جميعاً. وتقول: ولكن هذه رؤية شعرائه. وأقول: هذه أيضاً رؤاه، وإلا لما اختار أشعارهم ومعظمهم لم يسمع بهم أحد. وظل طيلة مسيرة مشروعه يتخير الشعر بغض النظر عن من يكون الشاعر. لقد تغنى في بداياته الأولى بأشعار وألحان مختلفة وعندما اكتملت أدواته في الصوت وملكة التلحين وانضباط الأداء وثلاثتها كامنة في ذاته بحث عن تلك التي خارج ذاته وهي الشعر الذي يعبر عن رؤيته وعاطفته المتجددتين وكان يمكن أن تستبد به عزة النفس وهو نفسه شاعر فيكتب أغنياته بنفسه ويلحنها ويتغنى بها كما يفعل غيره ممن سبق ومن لحق فينال التقريظ لتعدد المواهب، ولكن كانت هنالك مناطق في الشعرية التي يروم لا توجد إلا عند آخرين من الشعراء فآثر التماسها عندهم فالتمس الشعر لديهم ولم يلتمس ذواتهم فقط. لذلك كانت كثير من الأشعار يجدها فيتناولها بالتلحين قبل أن يلتقي شعراءها وبعضها قبل أن يعرف شعراءها حتى. كان يبحث في صفحات الجرائد والمجلات وذاكرة أصحابه عن الشعر الجديد الجيد بمقاساته هو وليس بمقاسات من سبقوه وبغض النظر عن صاحب الشعر. وهو في تنقيبه المثابر يلتقي هاشم وعاطف وحميد وصلاح حاج سعيد وجمال حسن سعيد وبشرى الفاضل وأزهري وحافظ عباس ومحمد مدني وقدال وغيرهم وغيرهم الكثير. رؤيته وفطرته قادتاه إلى طرق باب جديد لتوصيل ما يريد وهو أن يذهب إلى متلقيه في أماكانهم ويلتقيهم ويشاركهم أفراحهم وهو يحمل عوده فقط. أو أن يسجل بدأب وتدفق ما تجود به عبقريته في التلحين على شرائط الصوت، وهو الأغلب، بعضها مكتمل يرجو التنفيذ الكامل وبعضها محض أفكار ألحان صورها النهائية ذهبت معه إلى مقامه حيث هو الآن والذي أرجو الله أن يكون مقاماً حسناً في سدر مخضوض وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب. فكانت النتيجة أن كل من التقاه كفاحاً أو غنى في مناسبة تخصه أو تلقاه على شريط الصوت ما كان مستمعاً متلقياً فحسب بل تولد لديه إحساس بأن هذا الفنان المغني صديقه الشخصي أو واحد من أهله. وفي وقت أغلقت أمامه أبواب الانتشار الطبيعي عبر الإذاعة والتلفزيون تجد أنه الأكثر انشاراً رغم ذلك. إن فكرة الراحل المقيم مصطفى سيد أحمد تتلخص في مجملها في تغيير المفاهيم السائدة المتكررة إلى مفاهيم متجددة سواء على مستوى خلخلة الذات دون إرباكها وذلك بتثبيت مبادئها وقيمها وميراثها أو بتحريض الوطن ليتطلع إلى آفاقه المشروعة. تجلى ذلك في ألحانه وفضاءات صوته الواسعة المولونة قبل وأثناء وبعد الأشعار التي تغنى بها.
من باب موضة الغناء
بعد رحيل مصطفى اشعارى تيتمت هكذا قال امس لفنون الاحداث الشاعر ازهرى محمد على واردف مرده ذلك الى انه كان يغنى ليس من باب موضة الغناء وانما من اجل مشروعه الفنى ويغنى وهو واعى بالاغنية التى ينوى ترديدها وعن توقف شعرائه عن الكتابة وتوقفهم عند محطته فقط قال ازهرى هذا صحيح لان بعض الاصوات الموجودة تفتقد القدرة لايصال اعمالهم وازهرى رثى مصطفى بقصائد لاتعد وبرر عدم رواجها لانها لم تجد المنابر التى تقدم عبرها واكد محمد على انها كان من الممكن ان يتم التغنى بها
شريكا عضويا
كثريرين يقولون ان مصطفى استفاد من تجربته فى مجموعة السديم كثيرا وهى التى قادته الى ابتداع جلسات الاستماع واكد ما ذهبنا اليه الاستاذ السر السيد احد اعضاء فرقة السديم حيث قال لفنون الاحداث : التقيت الفنان مصطفى سيداحمد فى مطلع الثمانينيات وانا بعد طالبا فى المعهد العالى للموسيقى والمسرح .... فى ذلك الزمان كان المعهد منارة للابداع والفكر وكان قبلة للمبدعين من كل حدب وصوب.. كانت الملتقيات الفكرية فى اوجها وكانت احتفالات عروض التخرج تقدم علانية لمحبى المسرح وعشاقه.. فى ذلك الزمان تعرفنا على بولا والقدال وحميد وبشار الكتبى ومحمد مدنى ومنعم رحمة وامين حسن العمر والمحبوب وابراهيم محمد زين وغيرهم حيث كانت اسئلة الفكر والابداع تتوهج وتتقد ... فى هذا المناخ ولدت جماعة السديم للثقافة والابداع التى اصبحت فيما بعد جماعة السديم المسرحية وولد تجمع الفنانين التقدميين وولد اتحاد الطلاب فى ميلاده الجديد بقيادة المستقلين خلفا للجبهة الديمقراطية... كانت الحياة فى المعهد عرضا وسيمفونية للتفتح والاستنارة والحوار الخلاق وكان مصطفى سيداحمد فى قلب هذا الفضاء الرحب بل واحد صناعه....لقد تعرفت على مصطفى عن قرب بصفتى السكرتير الثقافى للاتحاد وبصفته رئيس جمعية الادب التابعة للاتحاد وكذلك بصفتى عضوا فى جماعة السديم وحيث هنا استطيع القول ان مصطفى سيداحمد وهو يشق طريقا مغايرا فى الغناء قد تاثر وبجدارة بما كان يدور فى المعهد فمن وجهة نظرى قد استفاد مصطفى كثيرا من علاقاته بشعراء وافكار وفرها له ذلك المناخ فعلى صعيد الافكار استفاد مصطفى كثيرا من تجربة السديم فى العرض المتنقل وبما يتصل من حوار بعده فابتدع اسلوب الجلسات الغنائية المتنقلة فكثيرا ما تنقل مصطفى بمشروعه الغنائى الجديد من جامعة الى اخرى ومن منتدى الى اخر رغبة فى اختبار هذا المشروع وانا عندما اقول انه تاثر انما اوؤكد مساهمته فى ما تاثر به فمصطفى يعد الداعمين بجدارة لتجربة السديم بالابداع وبالمال فقد كان مصطفى شريكا عضويا فى الكثير من العروض التى قدمتها الجماعة كما فى مسرحيات ضو البيت واربعة رجال وحبل والناس الركبو الطرورة حتى ان بعض اغنياته قد ولدت اصلا فى سياق العرض المسرحى كاغنية عز الحريق للشاعر حميد اما الشراكة بالمال فحدث عنها ولا حرج فقد كنا فى السديم مازلنا طلابا يفيضون ابداعا ويعانون الفقر فكان مصطفى هو ملاذنا وماوانا فى بيته او بيوته قد كان كثير الترحال فكثيرا ما اطعمنا وكثيرا ما حل مشاكل بعضنا ذات الصلة بالمال... فى هذا المناخ تعرف مصطفى على يحى شاعرا وعلى قاسم شاعرا وعلى القدال وحميد وغيرهم وهنا لابد من الاشارة الى احتفاء مصطفى بجماليات اللغة فقد كان مغرما بالاعراب ومخارج الحروف وبالمد وكثيرا ما قدم ملاحظاته النحوية ذات الصلة بسلامة اللغة وجمالياتها خاصة فى اعمالنا التى تنهض على اللغة الفصحى فمصفى بقدر ما كان مغنيا كان شاعرا وقارئا من طراز فريد ولعل هذا ما جعله يقبل على مغامرته الفريدة فى التعامل مع شعراء لم يكونوا موطنين فى ما يعرف بالشعر الغنائى كالكتيابى وحميد والقدال وقاسم ويحى لذلك ارى ان فضل مصطفى كان عليهم عظيما فهو من منحهم هذا الحضور فى هذا المجال الملتبس فهو من غامر وليسوا هم وهذه ميزة تحسب لمصطفى فهو كما يقولون ( من دق صدره) لرفد الغناء السودانى بهذه المفرادات المختلفة وبهذه الاخيلة الجديدة وبهؤلاء الشعراء.... ان المتخيل عن مصطفى سيداحمد او الصورة التى يراه بها الكثيرون تلك الصورة التى تضعه فى خانة المغنى الملتزم او المناضل ليست كافية فى النظر اليه كمغنى لانها كثيرا ما حجبت فرصة البحث عن اضافاته كملحن ومغنى كما انها كما ارى لم تنهض على قراءة مسيرته فى سياقها الكلى فمصطفى من وجهة نظرى لا يقرا الا عبر مملكته اللحنية وهى مملكة شيدها معه اخرون ولا يقرا الا عبر اغنيات الاخرين من الذين سبقوه تلك التى تغنى بها باختصار مصطفى سيداحمد يقرا فى البحث عن المشترك والمختلف بين اغنيتى غدار دموعك وعم عبدالرحيم على سبيل المثال ليس فقط على مستوى الشعر وانما ايضا على مستويات اللحن والاداء.... يقرا من موقعه فى مسيرة الغناء السودانى تلك المسيرة التى شهدت فيما شهدت فنانون ملتزمون ومناضلون وربما بهذا المقترح نستطيع ان نقرا تجربة مصطفى سيد احمد كمبدع مثابر ومختلف ومغامر حط على شجرة الغناء السودانى الوارفة ولعل هذا ما قد يساعد على تحرير هذه التجربة الكبيرة من مقاربات الفكر اليومى التى حجبت وتحجب الكثير من اقانيمها.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3367

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




رندة بخارى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة