المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
حول مفهوم الهوية من اجل فكر سوداني
حول مفهوم الهوية من اجل فكر سوداني
01-23-2012 06:53 PM

حول مفهوم الهوية من اجل فكر سوداني

خالد يس
[email protected]


ظل جدل الهوية يراوح مكانه على المستوى السوداني بالنسبة للنخب السودانية بين التعريف الغربي للهوية كذات فردية بعيدة عن ذاتها الاجتماعية وبين تعريف الثقافة العربية العرقي والذي لا يشمل الكل السوداني. ولنقد الخطاب السوداني يجب الوعي بالمكون لذلك الخطاب فهنالك الثقافة السودانية وفعلها الذاتي على مستوى المجتمعات والنخب ولكن دون تدوين خارج اطار الكلية الغربية والعربية، ثم هنالك الخطاب العربي بكل احالته التاريخية وينقسم بالتالي إلى الخطاب الأساسي كما هو داخل ثقافته الذاتية في محور الجزيرة العربية وبين الخطاب العربي المسودن نوعا ما داخل الثقافة السودانية، وكذلك الخطاب الغربي بكل ابعاده العالمية التي تم فرضها على الثقافات الأخرى ومنها الدولة الحديثة والديمقراطية إلى الفكر الغربي الذي يدرس على المستوى الجامعي باعتباره فكر عالمي يحتوي كل الثقافات ويتجسد داخل منظومة علم الإنسان ومن ضمنها علوم الاجتماع والنفس وغيرها. ولذلك عند بحثنا عن الفكر السوداني والذي يتجسد من خلال الإنسان السوداني فنحن نتجول بين عدة منظومات للفكر أو كما ذكرنا سابقا هي عبارة عن مراحل من الاستيعاب وإعادة الاستيعاب كوعي انساني بين الثقافات.
وقد تأزم مفهوم الهوية بعد ارتباطه بقيم سلوكية تاريخية داخل ذهنية النخب وهو ما أدي بالبعد بين الهوية والمجتمع وأصبحت الهوية قيمة ثقافية عالمية تتجاوز المجتمع والثقافة إلى الكل الثقافي وذلك يتمظهر بصورة أوضح على مستوى الثقافات الإسلامية العربية واليهودية والغربية.
وبدل ان تلجا النخب إلى تفكيك خطاباتها الذاتية التي تعبر عن مراحل تاريخية معينة انقسمت بين التمسك بذلك الخطاب ومحاولة توسيع مساحة إعادة الاستيعاب أو الارتحال إلى رؤية ثقافية أخرى ومحاولة استيعابها أيضا داخل المجتمعات لذلك كانت المجتمعات الحقيقية غير موجودة على مستوى الفكر النخبوي ولذلك أصبحت النخب مثل الشخص العادي في تعاملها مع الترميز كنهاية تاريخية أو رفض لتلك المجتمعات ومحاولة تبني رؤية أخرى فيصبح النخبوى بعيدا عن مجتمعه وغير ذا تأثير.
ونسبة لتأثير الرؤى الغربية والعربية على الواقع السوداني فلابد من تفكيك تلك الخطابات للوعي بالتأثير الثقافي على الخطاب العلماني أو الإسلامي وذلك حتى يتثنى لنا تجاوز تلك الخطابات إلى خطاب ثقافي سودني.
أولا: ماهية الهوية:
الهوية هي رؤية الذات من خلال مجتمعها الحقيقي لذلك كل ما ازداد تجانس ذلك المجتمع امتلك أفراده هوية تتجسد كقيم سلوكية تمكن الفرد من التواصل مع الأخر الاجتماعي بالإضافة إلى تعريف الأخر الثقافي. ولقد استمرت الهوية في رؤيتها الإنسانية كرؤية عرقية داخل كل المجتمعات إذا كانت مجتمعات قبلية أو عشائرية أو مجتمعات حديثة فتفكك المجتمع الغربي مع التحولات الاجتماعية أدي إلى رؤية الإنسانية من خلال افراده لذلك تم تبلور مفهوم الهوية أو الإنسانية بناء على ذلك الإنسان من خلال مفاهيم التطور التي تعتبر نظرة ايدولوجية في فصلها بين الذات والأخر فتلك الرؤية هي التي تحدد إنسانية الاخر من عدمها.
فقد واصلت النخب الثقافية تبعيتها الاجتماعية من اعادة الاستيعاب والتدوين بناء على التحول المجتمعي الاعمي ولم تستطع النخب ان تري الاختلاف بين الثقافات بل كانت رؤية الاخر الضد والتي سيطرت على المجتمعات هي التي تقود النخب من خلال اعادة الاستيعاب والتدوين.
اما الثقافة العربية وعند ذوبان الكل الثقافي داخل مجتمع التحولات فقد تم اعادة استيعاب الإنسانية بناء على العرق العربي وثم تدوين كل ذلك من خلال الثقافة الإلهية ولذلك أصبحت الرؤية الإنسانية في قمتها عند المجتمعات تعني العرق العربي وفي اسفلها عند النخب تعني القيم السلوكية وبالتالي تم تعريف الاخر بناء على التزامه بتلك القيم التاريخية للثقافة العربية.
إذن القيم عبارة عن تجسيد سلوكي لإنسانية الفرد وتكون هنالك كلية قيمية بناء على رؤية الذات المجتمعية تشمل الفرد من بداية حياته إلى نهايتها من خلال مجتمعه الحقيقي.وما أدي إلى رؤية المجتمعات كمجتمعات نمطية هو حصرها داخل إطار قيمي سلوكي محدد فتم وصف ذلك المجتمع بالمكرر لذاته أو المحافظ. فالقيم اذن توظف من قبل الفرد لتأكيد ذاته الاجتماعية مع الوعي بإعادة الاستيعاب التي يعملها الفرد لتلك القيمة بناء على الكل القيمي وهكذا تتحور القيم ويعاد استيعابها إلى ان تصل مرحلة لا تستوعب إنسانية الفرد فتسقط القيمة وتحل محلها قيمة أخرى ذلك ما كان يحدث تاريخيا، ولكن بعد مراحل التدوين الثقافات والذي أدي إلى اعتماد القيم كهوية ثقافية مما أدي إلى انه عند سقوط القيمة الإنسانية تتحور إلى قيمة مادية وبالتالي أدي إلى اغتراب الذات عن هويتها الاجتماعية أو الذات الاجتماعية.
فعند تثبيت التحولات الاجتماعية عند مرحلة تاريخية ما تكون كلية القيم هي ما يتجسد على مستوى ذلك المجتمع الحقيقي والذي يشمل الديني والسياسي والاجتماعي ... الخ ومن هنا ينشا تعريف الذات بأنها تلك القيم التي تلبي حاجة الذات الاجتماعية للفرد ولكن هذا فقط إذا تم تثبيت التحولات الاجتماعية ولكن لان التحولات مستمرة على مستوى التاريخ فيكون ذلك التعريف هو تعريف إجرائي تاريخي لمجتمع ما في ظرف تحولات محددة. وهذا التعريف هو ما تواطأت عليه المجتمعات والأفراد العاديين وذلك بترميز فترتهم التاريخية بناء على ذلك التحول وإضافة كل فرد من خلال الممارسة السلوكية لكلية القيم ومع استمرار التحولات تتغير المجتمعات فيتغير الترميز وبالتالي تعريف المجتمعات لذاتها أو الهوية من القبيلة أو العشيرة حتى الكلية القيمية مثل العربية أو الغربية أو كما نحلم بالسودانوية، وهو عكس ما قامت به النخب تاريخيا فقد صاغت مرحلة تاريخية ما على انها مرحلة الكمال القيمي وعلى النخب التي تأتي بعدها ان تعتمد تلك الرؤية ولذلك سارت المجتمعات في تحولاتها الاجتماعية بينما وقفت النخب ذات التدوين عند مرحلة تاريخية محددة. فالنخب الغربية وجدت مجتمع قد وصل مرحلة من التحولات أدت إلى تفكك أسسه الأولية من قبائل وعشائر فتم التدوين بناء على الفردية ولم تري الذات الاجتماعية داخل الافراد ولذلك توغلت في ذلك الاتجاه فأصبح الإنسان تكوين للتنشئة والضغوط الاجتماعية وتم اتخاذ مقاييس ومؤشرات خارجية لرؤية علاقة الفرد بالأخر الاجتماعي والثقافي وبالتالي اصبح الفرد اسير لتحولات اجتماعية وثقافية (وهو ما وصل إلى نوع ابتزالي فنجد الدراسات التي تتم بناء على شكل الفرد أو سلوك محدد يمكن عن طريقه تكوين كلية عن ذلك الفرد أو كما الحيوانات إذا تعرض الفرد إلى تأثيرات محددة يؤدي إلى فرز استجابات محددة) اما العمليات التي تتم لانتاج سلوك محدد أو تقبل سلوك من الاخر أو عدم تقبله وتحديد الإنسانية والاختلاف بين الفرد العادي والنخبوي لا يجد أي تدوين نخبوي. فالنرتفع بالدراسة الإنسانية بعيدا عن نظريات الدارونية والفرويدية والذي كل ما تشترك فيه هو الفردية البحتة وبالتالي فالتجانس الاجتماعي عبارة عن تجانس خارجي يكمن في لون العيون أو شكل الشعر أو طول القامة!!!. اما النخب العربية فقد وجدت سلوك متجانس نوعا ما فاتجهت إلى السلوك والظواهر الاجتماعية لتفسير الإنسانية فتم التدوين بناء على قيم سلوكية تاريخية باعتبارها تمكن الفرد من ممارسة إنسانيته داخل مجتمع حقيقي وأصبح الإنسان أيضا أسير لسلوكه التاريخي.
على مستوى التدوين الغربي نجد ان النخب قد أفرغت الذات الاجتماعية من معناها الإنساني وأصبحت تصف المجتمعات الحقيقية التاريخية بالنمطية والقهر والتسلط .. الخ ودفعت إلى الفردية بعيدا عن قيمها المجتمعية ومن ثم تدوين القيم الثقافية الغربية بناء على العلوم الطبيعية وذلك باستخدام مفاهيم ثقافية تخص الثقافة الغربية ورؤيتها الفردية باعتبارها رؤية نخبوية عالمية تتجاوز ثقافتها للكل الثقافي، فنجد استخدام مفاهيم مثل العقل والمنطق والديمقراطية وعلوم الإنسان التي تستخدم ليس بمفهومها الثقافي والتاريخي ولكن باعتبارها تعني كل الثقافات. وعند إعادة استيعاب تلك المفاهيم من جانب الثقافية الأخرى وذلك بأخذ جزء من تلك القيم كما هي وتطبيقها على الثقافات الأخرى تنسي تلك النخب ان تلك القيم عبارة عن جزء داخل كلية وهي تحيل بعضها إلى بعض لذلك تتأزم مجتمعات دول العالم الثالث.
ونسبة للتعدد العرقي على المستوى السوداني وعدم تحول كل الثقافة المجتمعية في مراحل التحولات التاريخية إلى مجتمع واحد وهو التدرج الذي بداته الثقافة السودانية عن طريق انتاج مجتمع التحولات وهو مجتمع الوسط والذي كان يمكن عن طريقه انتاج كلية تستوعب الكل السوداني ولكن ضغط التحولات من الثقافة الغربية والثقافة العربية على الواقع السوداني أدي إلى وقف عملية التحولات التاريخية على مستوى اعادة التدوين من جانب النخب. ونجد ان المجتمع السوداني قد تأزم أكثر نتيجة لاحتوائه على تلك الثنائية ما بين الثقافة الغربية والثقافة العربية فكان هو محور للتجريب النخبوي ما بين هذا وذلك دون الوصول إلى هوية محددة من كل ذلك إلى الآن.
ولدراسة التحولات الاجتماعية تاريخيا يجب النظر إلى ثلاثة مراحل تاريخية هامة وهي مرحلة التي تمت اعادة استيعاب البيئة والإله بناء على الذات المجتمعية والمرحلة الثانية هي مرحلة التحولات المتوسطة والتي استطاعت ثقافات محددة ان تصيغ كلية تدوينية لثقافاتها بوجود ضغط نسبي ومنها الثقافات العربية والغربية واليهودية والمصرية القديمة وغيرها من ثقافات الشرق الأقصى وأخرها مرحلة ضغط التحولات وإعادة استيعاب الاخر بناء على تلك الكلية من قبل النخب الثقافية وبالتالي فهنالك نخب على المستوى السوداني وهي النخب التي تنتمي للتيار الغربي والتي تري الإنسانية بناء على الفردية والنخب التي تنتمي إلى التيار العروبي والتي تري الإنسانية بناء على العرق والقيم السلوكية التاريخية وعلى هؤلاء وأولئك بالعودة إلى الثقافة السودانية ورؤية الإنسانية بناء على الإنسان السوداني ونتجاوز تلك الثقافات لنري ان الاخر أيضا إنساني بناء على تحولات تاريخية أدت إلى الكلية الثقافية التي يقف عندها.
ولذلك تاريخيا ما قبل التدوين لم يمثل ضغط التحولات خطرا يهدد بزوال الكل الإنساني وذلك لان الترميز هو ترميز مرحلي ينتمي إلى البيئة والمجتمع ومع تغير المجتمع أو البيئة يعاد الترميز من جديد بناء على كلية القيم التي تتحول إلى ان تصل إلى مرحلة تاريخية تكون تلك الكلية تعني قيم أخرى كل ذلك ضمن الهوية أو الإنسانية. فالمجتمعات ومن خلال التحولات تستطيع ان تري ما يلائمها من قيم وما لا يلائمها بناء على اثر القيمة داخل كلية القيم ولكن ما يمثل أزمة بالنسبة للتحولات هي النخب ومراحل التدوين الثقافية فقد عملت النخب على ترميز مراحل تاريخية محددة ككلية قيمية ولذلك مع التحولات التاريخية تفرض تلك النخب على المجتمعات قيم لا تمت إلى الواقع أو إلى الكلية التي تحولت بصلة ولان النخب تمارس إنسانيتها من داخل قيمها المفاهيمية فهي لا تعتمد على رؤية القيمة وأثرها على مستوى الكل القيمي ولكنها تسعي إلى فرضها فقط.
وتعتبر رؤية التحولات الاجتماعية عبارة عن منهج تاريخي للتحليل الإنساني بين ثنائية الذات الاجتماعية كوعي والذات الفردية كسلوك من خلال الفرد وبين ثلاثية الطبيعة والمجتمع والإله كاستيعاب قيمي ينقسم ما بين قيم مجتمعية تتحول بناء على التحولات الاجتماعية الذي يخضع لضغط التحولات الطبيعي كالبراكين والأعاصير والمجاعات وغيره التي تفرض على المجتمعات ان تعيد صياغة قيمها ولكنها ليست ذات تأثير على الكل القيمي، وبين ضغط تحولات ثقافي يتم بناء على رؤية النخب على مستوى الثقافات ذات التدوين وهو رؤية الطبيعي والمجتمع والإلهي على مستوى الذات الفردية والذات المجتمعية. وقد أخذت النخب الغربية الطبيعي والذات الفردية وتم تجسيد رؤية كلية حول ذلك اما النخب العربية فقد أخذت الذات المجتمعية والإلهي وتم بناء رؤية كلية إنسانية وكل ذلك بناء على القيم التاريخية.
لذلك يظل سؤال الهوية مشرعا ما بين الديني والطبيعي مادامت النخب السودانية تصر ان ترمز المجتمعات بناء على قيم تاريخية مشرعة على التحولات من قبل المجتمعات، فلا رؤية الفردية الغربية ولا استيعاب الرسالة المحمدية على أسس عربية يمكن ان توقف حركة التحولات الاجتماعية على مستوى الثقافة السودانية، فعلي النخب ان تتحرك في اتجاه مجتمعاتها الحقيقية من اجل ان تستوعب ذلك المجتمع كما هو ثم الوعي بالمدلول الثقافي للتدوين العربي والغربي حتى تستطيع ان تعمل على تدوين سوداني يحمل مضامين الهوية في داخله ما بين الذات الفردية كسلوك والذات المجتمعية كوعي على المستوى الفردي وما بين الطبيعة والمجتمع والإله، حتى لا يتم رفض الأخر بل اعتباره آخر مختلف ولا يتم ذلك إلا باستيعاب مراحل التدوين التي مرت على تلك الثقافات والقصور الذي صاحبها في عدم اشتمال الرؤية التدوينية لتلك النخب على تعريف المجتمعات الحقيقية لذاتها وعلى تعريف الإله لذاته بعيدا عن استيعاب تاريخي مرحلي لا يخدم سوي إعاقة المجتمعات عن الوعي بالآخر الثقافي كاخر إنساني.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2436

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد يس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة