المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الإنفجار البركاني – هل هو آتٍ؟
الإنفجار البركاني – هل هو آتٍ؟
01-24-2012 09:29 PM

محور اللقيا

الإنفجار البركاني – هل هو آتٍ؟

د. عمر بادي
[email protected]

قبل شهر مضى كنت قد كتبت مقالة فنّدت فيها المزاعم التي وردت على لسان قيادة حكومة الإنقاذ من أن الربيع العربي قد زار السودان منذ عام 1989 , اي منذ إستيلائهم على السلطة ! أبنت في تلك المقالة الفرق الشاسع بين الحكومات الشمولية التي تأتي عن طريق الإنقلابات العسكرية و تلك المدنية التي تأتي عن طريق الإنتخابات الديموقراطية , و ضربت أمثلة برؤى بعض الأحزاب و الحكومات الإسلامية كحزب الفضيلة في تونس و حزب الحرية و العدالة في مصر و حزب العدالة و التنمية في تركيا , و أتيت بمثالين للتطور و الرقي في ظل حكومات مسلمة كما في تركيا و ماليزيا , و كعادتي في تحليلاتي السياسية سألت : هل ثمة إصلاحات ترتجى من نظام الإنقاذ ؟ و أجبت على سؤالي بأنه : ( رغما عما يكتنف أقطار الربيع العربي من تغييرات عدة , أجد أن الواقع الإنقاذي في السودان لا يعير كل تلك التغييرات إهتماما , بل يواصل مسيره على نفس الخطى الأولى ممهدا لجمهوريته الثانية و لإجازة الدستور الدائم للسودان الذي بدأت تترى ملامح الإجماع عليه بأن يكون صنوا للمؤقت الحالي و شاملا لقوانين سبتمبر و قوانين النظام العام , دون تأثر بأي من التجربتين الناجحتين في تركيا و ماليزيا و ما يحدث من تحول ديموقراطي في أقطار الربيع العربي ) .
منذ الأسبوع الماضي و المذكرات المطلبية تتهاطل على قيادة حزب المؤتمر الوطني من قواعده الوسيطة و العليا حتى وصلت الآن إلى خمس مذكرات , كلها تطالب بالإصلاحات العاجلة و إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يقع الفأس في الرأس . إن أخطاء الإنقاذيين عديدة و موغرة في صدور الشعب , و الوطن قد ظل مستباحا لهم لردح من الزمان حتى فقد ثلثه , و الحروب صارت ناشبة في كل الإتجاهات , فهل بعد كل ذلك يفلح عطار المؤتمر الوطني في إصلاح ما أفسده الإنقاذيون ؟ و هل يظن هؤلاء أو غيرهم أن القادة الإنقاذيين لا يعرفون كيف يكون التطبيق الديموقراطي الحق ؟ لطالما حاولهم الناصحون من قادة أحزاب المعارضة و من الكتاب الصحفيين و الحادبين على مصلحة الوطن , و أنا منهم , و لكنهم قد إختطوا نهجا لا سبيل إلى تبديله , لأن في تبديله قضاء عليهم , فمنذ بداية إنقلابهم و إستيلائهم على السلطة سلكوا طريق القهر و التعذيب و الإقصاء و النفي و الإبعاد و قطع كل طريق على أي تغيير عسكري أو مدني يمكن أن يحدث , و ذلك بتسريح غير الموالين لهم من الجيش و الأمن و القوات النظامية الأخرى , و بإحالة النقابيين و المعارضين إلى الصالح العام , و بخلق كوادر حزبية تكون عينا على الآخرين و عونا لهم , و أتوا بالتمكين حتى يصير ما يحدث من تجاوزات مستورا بينهم بلا محاسبة قانونية و إنما المحاسبات تكون حزبية داخلية كما ذكروا ! لقد إنتشر الفساد الحكومي في أرض السودان و قد أوردت الصحافة أمثلة عدة له و بالصور الموثقة للقصور الفارهة و للبنايات و الأبراج العالية و للمزارع التي تحسب مساحتها بالكيلومترات المربعة و للشركات المتعددة و الإستثمارات داخل و خارج السودان , و لكن كان رد الإجهزة العدلية و الرقابية لا يتعدى الصمت المطبق !
في كل أمثلة الحكم الشمولي لا يأتي الحاكم إلا و الإعلام معه , و لذلك فإن إعلاميي السلطان هم الأحسن حالا في ظل سلطانهم الشمولي , لأنهم هم الذين يجعلون من ( فسيخ ) أفعاله ( شرباتا ) يتجرعه الآخرون , و يزيدون من تأثير ذلك بكثرة إطلاله على الناس في اللقاءات العامة و الخطب الجماهيرية و في أجهزة الإذاعة و التليفزيون و الصحف و بتعليق صوره في كل الأمكنة . شتان بين هذا الحاكم الشمولي و ذاك الحاكم الديموقراطي الذي يكون جل همه في تطوير بلده عمليا بالإحصاءات و في إستيفاء الخطط الإقتصادية وتلبية إحتياجات عامة الناس .
الآن تمر البلاد بأزمة إقتصادية طاحنة يعاني فيها المواطنون كثيرا من الغلاء المستشري الذي أخل بالقدرة الشرائية , و السبب كما إعترفت الحكومة يعود إلى خروج 75% من عائدات البترول التي ذهبت لدولة جنوب السودان ! هذا لعمري خير مثال على إنفراد و تسلط المؤتمر الوطني في حل القضايا المصيرية في السودان , دون إشراك أحزاب المعارضة أو المستنيرين من عامة الشعب . إن عدم حصافة المؤتمر الوطني تتجلى في إتفاقية نيفاشا و بنودها المعلنة و السرية و التي إبتلعها كالطعم و كأنها في مصلحته الذاتية و لكنها مع مرور السنوات الخمس تجلت عدمية جدواها له و للسودان , و تجلت فطنة المفاوض الجنوبي و من وقف خلفه ! في البدء تم إعطاء الجنوبيين حكما ذاتيا لمدة خمسة أعوام يتعلمون فيها كيفية إدارة دولتهم المرتقبة تحت إشراف و تدريب سودانيين شماليين , مع إستمرار الخزينة المركزية في الصرف على البنية التحتية في الجنوب من أجل أن تكون الوحدة جاذبة , و لكن مع إثارة الإختلافات في وجهات النظر و التمسك بها إلى حد التشاكس , صار أمر الوحدة يميل إلى النقيض في ظل إستفتاء مرتجى في نهاية الخمس سنوات , و بذلك كانت نتيجته محسومة ! لقد تم التعامي عن شأن البترول الذي ينتج 75% منه داخل حدود الجنوب , و تم التكتم على ذلك , بل و تم نفخ أبواق الإعلام بأن إنفصال الجنوب لا يؤثر على الشمال لأن الجنوب ظل عالة على الشمال !
الآن تحاول الحكومة الخروج من نفق الضائقة المالية و العجز الإقتصادي بالإستيلاء على نسبة من عائدات بترول الجنوب حددتها هي و بدون أي تراضٍ مع الطرف الآخر , كما يقتضي قانون التعامل التجاري الإسلامي . يحدث ذلك الإعتداء و تصاحبه تحديات من مسؤولي الحكومة الشمالية لحكومة الجنوب أن يوقفوا ضخ بترولهم عبر الأنبوب الشمالي إن إستطاعوا , لعلمهم أن الجنوب يعتمد كليا في ميزانيته على عائدات البترول ! كالعادة تدخل الوسطاء الأفريقيون و إنتقل ممثلو الحكومتين إلى أديس أبابا للإتفاق على تحديد رسوم نقل البترول عبر انابيب الشمال , و ظهر البون الشاسع في الرسوم المقترحة من جمهورية السودان و جمهورية جنوب السودان , فقد إقترحت جمهورية السودان أن تكون الرسوم 36 دولارا للبرميل شاملة النقل عبر الأنابيب و المعالجة و التخزين و الشحن في السفن , بينما إقترحت جمهورية جنوب السودان أن تكون الرسوم مماثلة للرسوم العالمية في الحالات المشابهة و هي لا تتعدى في كل الحوال دولارا واحدا للبرميل . عند هذا أصر السودان أن يأخذ نصيبه و متأخراته عنوة , فكان رد الفعل الجنوبي أن أعلن وزير النفط و التعدين إستيفن ديو داو أن الجنوب سوف يوقف بالتدريج تصدير نفطه عبر أنبوب الشمال خلال أسبوع , على أن يتم نقل جزء منه بالشاحنات إلى مصفاة في أثيوبيا لتغطية الإحتياجات الداخلية في الجنوب , و سوف يتم بيع البترول داخل الآبار إلى شركات البترول العالمية لتقوم بدورها بإيصاله إلى الموانيء و تسويقه بطريقتها التي تراها , حتى يتم إنشاء خط أنابيب خاص بالجنوب يصل بين مناطق الإنتاج و موانيء شرق افريقيا .
من المتضرر أخيرا ؟ إنه السودان قطعا , فسوف يتوقف خط أنابيبه , و لذلك فسوف يضطر السودان إلى قبول رسوم ترحيل أقل بكثير مما يطالب به الآن إذا صار تعامله في ذلك الشأن مع شركات البترول العالمية و ليس مع جنوب السودان ! إن البترول المتبقي للسودان من حقلي الوحدة و هجليج لا يتعدى 180 ألف برميل / اليوم و يقل بعد خصم حصة الشركات المشاركة في الإنتاج إلى 115 ألف برميل/ اليوم , و هذه الكمية تكفي فقط للمصافي و الإستهلاك الداخلي دون أي تصدير . سبحان الله , لقد كان السودان يتوقع أن يصل إنتاجه في نهاية العام المنصرم إلى 800 الف برميل/ اليوم و يصير بذلك عضوا في منظمة الدول المصدرة للبترول ( أوبيك ) ! إن إنعكاسات أمر البترول الذي فقدناه كثيرة و بارزة للعيان و تتجلى في عدم إستقرار قيمة العملة الصعبة و في الكساد مع إنعدام القدرة الشرائية و في تراجع الإستثمار و تصفية الشركات الأجنبية لأعمالها و في تحويل الأموال إلى الخارج عن طريق السوق السوداء و في عودة العمال و الفنيين الأجانب إلى ديارهم .
إن الضرر الأكبر لحكومة المؤتمر الوطني ( العريضة ) سوف يكون في إستمرار و إستفحال الأزمة الإقتصادية الراهنة و العجز المتزايد في الميزانية و في العملات الصعبة و في إزدياد التململ الشعبي , الذي هو كالبركان يتململ و يفور داخليا قبل أن ينفجر و يخرج إلى السطح في شكل حمم حارقة لا ترحم .


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1780

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#281229 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

01-25-2012 11:40 AM
اللهم دمر واهلك حكومة الكيزان ؟؟


#281015 [mohamed hassan-London]
0.00/5 (0 صوت)

01-25-2012 02:28 AM
Dear writer , the situation in Sudan is going from bad to worst , however the Sudanese people are still in deep slumber. with all known fiascos that al-ingaz has done in the country , do you think there will be a glimpse of hope or any indication for volcano eruption would lead to putting the country in the right course in the vein as the same revolutions made in some Arab countries ? In my opinion these memorandums being put forward by some
Islamists affiliated groups are exposed maneuvers and malicious roles being exchanged to divert the attention of people from the predicaments the
Government are facing so as to gain some sympathy or to make people assured that a band of reforms are underway to save the country. It is beyond doubt that the Islamists are conspiring to hold sway for another era of their nefarious ruling and I wish this won\'t be the case .


د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة