01-25-2012 09:24 AM

تجربة الصراع بين الحزب الشيوعي وانقلاب مايو 1969م

تاج السر عثمان بابو
alsirbabo@yahoo.co.uk

الفترة: 1969- 1971م
بعد انقلاب 25 مايو 1969م رفعت السلطة الجديدة شعارات تقدمية، وطرحت الاشتراكية كمهمة مباشرة للتنفيذ، وتمت مصادرة الحقوق والحريات الأساسية باسم الاشتراكية، واصدر النظام مراسيم واوامر جمهورية تم بموجبها حل الاحزاب والبرلمان وتقييد حرية الصحافة واستقلال الجامعة والقضاء، ومصادرة حقوق التعبير والنشر والأضراب وتنظيم المواكب، وكان اتجاه الحكومة يرمي الي قيام نظام شمولي يقوم علي الحزب الواحد ، ويحكم قبضته علي البلاد بواسطة الأمن والمخابرات، كما رفعت السلطة الجديدة شعارات وأجزاء من برنامج الحزب الشيوعي وشوهتها. بذل الحزب الشيوعي السوداني جهدا نظريا وفكريا داخله وخارجه لفضح خواء شعارات النظام، ورفض الحزب تحليل السوفيت والمنشقين من الحزب للنظام باعتباره ديمقراطي ثوري وذو توجه اشتراكي وضرورة تأييده ودعمه، وكشف الحزب من خلال منهجه الماركسي في دراسته المستقلة للواقع وممارسات النظام العملية زيف تلك التحليلات والشعارات، وأشار الحزب في صراعه مع السلطة الانقلابية الي :
- خطأ طرح الاشتراكية كمهمة مباشرة، وأن ً الطريق المضمون للوصول إلى الاشتراكية ليس بتكرار الحديث عنها، وإنما بإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، التي تتشابك في مستوياتها العليا مع المرحلة الاشتراكية، وما من طريق سواه.
- رفض الحزب نظام الحزب الواحد الذي يفضي إلى النظام الشمولي وحكم الأمن والمخابرات ، وأشار إلى ً أن الحزب الواحد ، بما في ذلك الحزب الشيوعي ، لا يصلح أداة للتحالفات المطلوبة لإنجاز مهام المرحلة الديمقراطية ً . وأن ً الحزب الواحد في مرحلة الثورة الديمقراطية في بلادنا ، وبخصائصها القومية والسياسية والقبلية والاجتماعية وبالانقسام الطبقي فيها ، لا يصلح أداة لتوحيد القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، واتخاذه أداة لهذا الغرض يؤدي إلى تشتيت هذه القوى ، ومن ثم الفشل في إنجاز مهام المرحلة انجازا كاملا ً.
- وطرح الحزب الجبهة الوطنية الديمقراطية كبديل للحزب الواحد ، والتي هي التحالف السياسي والتنظيمي بين الطبقة العاملة وجماهير المزارعين والمثقفين الثوريين والرأسمالية الوطنية والجنود والضباط الثوريين ، وفق برنامج عمل وطني ديمقراطي يعبر عن المصالح المشتركة لهذه الطبقات ، ووفق التزام واضح من قبلها باحترام هذا البرنامج والعمل لتنفيذه ، ولكي يقوم التحالف على أسس متينة ، فلا بد من ضمان استقلال أطرافه المختلفة ً .
- اوضح الحزب ً أن انفراد أية قوة من قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية بالسلطة يعوق تطور الثورة ويحمل في طياته عوامل انتكاسها ، أو على أحسن الفروض تجميدها ، في نقطة معينة ، وقد برهنت على هذه تجارب حركة التحرر الوطني العالمية ، ومن ضمنها التجارب العربية والإفريقية ً .
- أشار الحزب إلى أن التغيير تم بواسطة عملية عسكرية وسط الجيش النظامي قام بها الضباط الأحرار، كما أن التغيير تم في ظروف لم تكن فيها حركة الجماهير في حالة نهوض.
- أشار الحزب إلى ديمقراطية الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وذكر : - ( أ ) بالنسبة إلى المحاكم الأهلية التي تشكل موقع لنفوذ العائلات الإقطاعية وصاحبة الامتياز بين جماهير المزارعين ، ألغيت في كل من مديريات : الخرطوم والشمالية والنيل الأزرق نحو 280 محكمة واستبدلت بمجالس القضاة ( أكثر من مائة مجلس ) غير هذه المجالس تحتاج إلى تحسين ديمقراطي حاسم من ناحية قربها للسكان ، ومن ناحية رسوم القاضي ، ومن ناحية المشاركة الديمقراطية في تكوينها ... الخ ، ومازالت المحاكم الأهلية قائمة وما زال نفوذ تلك العائلات قائما بالطبع . ( ب ) طبق شكل انتقالي في تكوين الحكم المحلي جعله أكثر ديمقراطية، ولكن قضية المشاركة الجماهيرية في هذا التكوين وفعالية الحكم المحلي ما زالتا تنتظر الحل.
- أشار الحزب إلى أنه ً فيما يختص بالثورة الثقافية النابعة من المرحلة الوطنية الديمقراطية فالتوجيهات الأساسية في هذه القضية خاطئة : ( أ ) اقتصر المجهود على حيز التعليم المدرسي ، ولم تطرح قضايا الثقافة الشعبية من محو الأمية ومن بعث ثقافي يعبر عن ثروات شعبنا الحضارية ويساهم في إزاحة المؤثرات المختلفة عن كاهل المواطنين . ( ب ) المجهود التعليمي لا يستهدف ديمقراطية التعليم من حيث إلزاميته ، من حيث توجيهه نحو أبناء الكادحين . ( ج ) لا يرتبط التعليم بحاجيات الخطة الخمسية وما ينتظر بلادنا من ثورة اقتصادية .
- كما أشار الحزب إلى ضرورة أن يعمل جهاز الأمن في حدود الشرعية ، وأن يخضع للقيادة السياسية والرقابة الديمقراطية .
- أشار الحزب إلى مهام استكمال الثورة الديمقراطية بإنجاز الآتي : ( أ) ديمقراطية جهاز الدولة .( ب ) إشاعة الديمقراطية في حياة أغلبية الكادحين السودانيين وهم جماهير المزارعين في القطاعين الحيواني والزراعي ، وذلك بتغيير العلاقات الاجتماعية لما قبل الرأسمالية ، وبإحداث إصلاح زراعي يدفع بعوامل التطور غير الرأسمالي خطوات إلى الأمام ويحسن من مستوى معيشة فقراء المزارعين والعمال الزراعيين . ( ج ) التطبيق الفعلي لنظام الحكم الذاتي الديمقراطي في جنوب البلاد . ( د ) تقنين الحرية السياسية للجماهير الثورية : من حقوق في التنظيم والتعبير وشرعية منظماتها الثورية وبينها الحزب الشيوعي السوداني .... الخ. ( ه ) تطبيق الديمقراطية في مؤسسات الإنتاج الحديث وذلك بالاشتراك الديمقراطي للجماهير العاملة في إدارتها . ( و ) الثورة الثقافية التي تغير جفاف الحياة في بلادنا وتوفر انتشار الوعي بين الجماهير مما يستحيل بدونه الإنجاز الشامل للثورة الديمقراطية والتوجه صوب البناء الاشتراكي. ( ز ) الشروع في بناء الاقتصاد الوطني المستقل بمنهج غير رأسمالي بعد إنجاز الخطة الخمسية . ( ح ) رفع مستوى المداخيل الحقيقية للجماهير الكادحة مما يجذبها بالفعل للدخول في ميادين النشاط السياسي والاجتماعي ويفجر من طاقاتها ويوسع من دائرة النشاط الديمقراطي الثوري في بلادنا . ( ك ) استنهاض الجماهير وتدريبها وتنظيمها في الجبهة الوطنية الديمقراطية ، مما سيؤدي بالفعل إلى نمو السلطة الوطنية الديمقراطية مرتكزة على تلك الجبهة ، وهذا سيقود إلى الإنجاز الحاسم لتطبيق الديمقراطية لتطبيق الديمقراطية الشاملة في بلادنا وتتهيأ الشروط الموضوعية والذاتية للدخول في مرحلة الثورة الاشتراكية. ( راجع وثيقة المؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي المنعقد في أغسطس 1970م).
كما واصل الحزب الشيوعي انتقاد تشويه برنامج الحزب في التأميمات والمصادرة التي تمت عام 1970 ، أشار الشهيد عبد الخالق محجوب في مقال له في أخبار الأسبوع – يوليو 1970 إلى أنه يجب أن تحاط المصادرة بالتالي : - ( أ ) وضع تشريعات دقيقة ومفصلة ومحكمة تشمل الجرائم التي تستوجب عقوبة المصادرة . ( ب ) تعرض الأموال المختلفة على دائرة قضائية لها القدرة على الحسم السريع في القضايا وذات قدرات سياسية أيضا .
يواصل عبد الخالق ويقول لماذا نقترح هذا ؟ ( أ ) لأن في هذا ضمان لانتفاء الفساد وتفادي القرارات الذاتية التي ربما طوحت في كثير من الأحيان عن الموضوعية. ( ب ) لإدخال الطمأنينة في قلوب أصحاب المال الذين تحتاج إليهم البلاد إلى استثماراتهم في هذه الفترة مدركين جيدا أن العلاقات الرأسمالية، ما زالت تمتد إلى أعماق مجتمعنا، إلى خلاياه الأساسية. ( عبد الخالق محجوب: حول المؤسسات المؤممة والمصادرة – أخبار الأسبوع – يوليو 1970 ) .
وكما عارض الحزب الشيوعي الاتحاد الثلاثي بين مصر وليبيا والسودان الذي أعلنه الرؤساء أنور السادات ومعمر القذافي وجعفر النميري يوم 8 / نوفمبر / 1970 ، أشار الحزب في بيان له إلى خطورة أن يؤدي هذا الاتجاه إلى محور يعادى أنظمة تقدمية أخرى في المنطقة ، كما أن إعلان قيام الاتحاد بين البلدان الثلاثة ستترتب عليه نتائج ضارة بتطور الثورة في بلادنا وبمستقبل الوحدة العربية فيها ، ودعى الحزب الشيوعي إلى طرح موضوع الاتحاد بين البلدان الثلاثة للاستفتاء الشعبي بعد مناقشة جماهيرية واسعة وحرة ، فهذا هو الطريق الوحيد للتعرف على رغبة لشعب ولضمان وحدته حول هذه القضية الحيوية . ( بيان الحزب الشيوعي السوداني حول الاتحاد الثلاثي – نوفمبر 1970 ) .
كما عارض الحزب حل الأحزاب والتنظيمات الديمقراطية مثل اتحاد الشباب والاتحاد النسائي ، وحل الروابط القبلية ، وحل اتحادات طلاب المدارس الثانوية، ورفض المجزرة الدموية للمعارضين في الجزيرة أبا، كما قاوم الحزب محاولة السلطة تذويبه في تنظيمها الواحد وتحويل كادره إلى موظفين في جهاز الدولة . وثابر الحزب في تأكيد وجوده المستقل قولا وعملا. وواصل الحزب صراعه مع النظام الذي اتضح عداءه للشعب وفساده بعد احداث 22 يوليو 1971م، وكّثف الحزب مقاومته رغم الضربة الشديدة التي وجهها له النظام باعدام قادته وتشريد واعتقال الالاف من اعضائه، وواصل الحزب مع قوي المعارضة مقاومة النظام والذي فرط في السيادة الوطنية وافقر المواطنين وكرّس الفساد ونهب القطاع العام، واستغل الاسلام في ايامه الأخيرة بفرض قوانين سبتمبر 1983م بهدف مصادرة الحقوق والحريات الأساسية باسم الدين ووقف نمو المعارضة الجماهيرية له حتي قامت انتفاضة مارس- ابريل 1985م التي القت بالنظام في مزبلة التاريخ.
والآن وبعد اكثر من 40 عاما من تجارب انظمة الحزب الواحد الشمولية في المنطقة العربية وبقية البلدان،التي ثارت ضدها شعوب المنطقة( تونس، مصر، ليبيا،سوريا، …الخ)، يتضح نظرة الحزب الشيوعي الثاقبة: في أن الاشتراكية لايمكن الوصول اليها الا عبر الديمقراطية وتوسيع الحريات السياسية والنقابية، وفي فضحه المبكر لأنظمة البورجوازية الصغيرة التي رفعت الشعارات التقدمية وصادرت الحقوق والحريات الديمقراطية باسم الاشتراكية، وحمت نفسها بترسانة من القوانين المقيدة للحريات وأجهزة الأمن والمخابرات، ومارست اقصي صنوف التنكيل والتعذيب للمعارضين السياسيين، واصبحت حاضنة للفساد والفئات الرأسمالية الطفيلية المدنية والعسكرية، وافقرت شعوبها ونهبت ثرواتها ومواردها، وكان ذلك من عوامل الثورات في المنطقة.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1525

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#281615 [مواطن ]
0.00/5 (0 صوت)

01-25-2012 09:04 PM
حزب البعث العربي الاشتراكي , أيضا من دعاة الاشتراكية ....شعاره وحدة , حرية , اشتراكية ..
أما شعار الحزب الشيوعي فهو : (يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا )....فكيف تدعون الى
اتحاد الشعوب في العالم وترفضون وحدة الدول العربية ؟ !!
الشيوعيون والأخوان المسلمون من دعاة الأممية , وضد الوحدة العربية ....


تاج السر عثمان بابو
تاج السر عثمان بابو

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة