المقالات
السياسة
عبد الله عبيد: أنتظر نصف قرن لقضاء شهر عسله (1957-2007)
عبد الله عبيد: أنتظر نصف قرن لقضاء شهر عسله (1957-2007)
11-14-2015 12:25 AM



لا أعرف من مَثَّل القطار على شيء فأصاب وأحسن مثل الناطقون بالراندوك والمرحوم عبد الله عبيد أحمد الذي رحل عن دنيانا منذ أسابيع. وجدت أن الراندوك يسمون القطار ب"الصارقيل" وهو الدودة التي أكثر نفعها للناس في تطعيم سنارات صيد السمك. وبالطبع لا يري في القطار صارقيلاً إلا من "سطّح" عليه أي إعتلى سقفه. أما من كان داخله فلا يرى ما رأى "ِالمُسَطِح".

أما عبد الله عبيد فسمى الحزب الشيوعي ب"الكليتون". والكليتون أظنها ماركة تجارية لقاطرات المناورة الصغيرة في المحطات الكبيرة. فهي تعمل 24-7 (في قول الأمريكان أي أيام الله السبعة وعلى مدار اليوم) تفكك العربات التي جاءت بها قاطرات سبقت إلى المحطة (وتسمى متروكة) وتعيد نظمها حسب بطاقة جهتها (بورتسودان، حلفا، كريمة، الخرطوم والصعيد والغرب) لتأخذها في غدها رؤوس قطر إلى محطاتها النهائية. ومن فرط سهر الكليتون صار اسمه أيضاً "صعلوك المحطة" فهو سهران ديمة. وهكذا طابق عبد الله بين الكليتون الساهر يعد القاطرات للسفر إلى مقاصدها بالحزب يجيش الكادحين إلى الاشتراكية.

فأنظر بلاغة الرجل ! وكان بليغاً التعبير أقرب إليه من حبل الوريد. أذكر كلمة للدكتور أحمد الأمين البشير في نحو 1957 بنشرة "نهر العطبرة" لرابطتنا الأدبية في المدينة نوه فيها بكتاب صدر لعبد الله عبيد في مصر عن زيارته إما لموسكو أو الصين. فقد زارهما وأنس التعبير في نفسه ليعطي صورة من قرب عن بلدين شدا إنتباه الناس يومها. وهذه أريحية ومسؤولية. فعبر أحمد عن سعادته يرأى عبد الله يتأبط باكورة إنتاجه في مجمع ما بعطبرة التي كان قد تفرغ بها للعمل الشيوعي منقولاً من الخرطوم كما مر في أحاديثنا. وأذكر له مسرحيته "الفكي أب نافورة" عن تفجر عين ماء بالقضارف في النصف الثاني من الستينات هرع إليها المشتفون عرجى ومكاسير للعلاج بمائها "العذراء" الذي ذاعت بركاته. وسمى الناس العين "الفكي أب نافورة". وأذكر إعلانات عن الكتاب وردت فيها عبارة ب"المحول عليه": أي أنك لن تحصل على الكتاب إلا بتحويل ثمنه بالبريد أو شيء من هذا. فمرتب التفرغ لا يكفي.

وكان حداثياً. أذكر في نحو 1962 ونحن طلبة بالجامعة انتحينا عصراً ناحية حديقة القرشي (وكان اسمها عبود الذي ناصبناه العداء). ونبهني رفيق أن الداخلين من المدخل الجنوبي هما الرفيق عبد الله عبيد وزوجته. ولم أصدق أن وجد الرفيق في وعثاء النضال زمناً ليأخذ زوجته لحديقة عامة ما كنا نغشى مثلها إلا سكارى ومناضلين. لم أصدق أنه متزوج أصلاً في وقت كان من شيم المناضلين (لفرط حداثة السن) تأجيل الزواج والحصول على الشهادات وقطع الأراضي السكنية وغيرها حتى يوم النصر الأكبر: الاشتراكية ودولة الطبقة العاملة.فكبُر عبد الله في عيني. فلم تكن الخرطوم استعدت لنساء الحدائق أو للنساء عامة كما قيض لها الله الآن ولا تحمده. وكتب عبد الله في كتابه "ذكريات وتجارب" عن وفائه لزوجته وقد هرما (هو ليست هي) بشهر عسل بالمحروسة مصر في 2007 لم يتمكنا منه بعد زواجهما في 1957 كما وصفته قبلاً. ونشر في الكتاب صوراً من هذه الرحلة المؤجلة.

ما نظرت إلى سيرة أياً من رفاقنا ممن غادروا الحزب الشيوعي بعد طلاق (أو حتى من بقوا فيه) إلا ساورني أسف للهدر الإنساني. فقد جاؤوا إلى هذه الحركة الجديدة بمواهب غير عادية وبحب استثنائي روحاني للكادحين. ثم وجدوا أنفسهم وقد لفظوا الحزب أو لفظهم وهم صفر اليدين من الوعد الذي هيج أشجانهم لمستقبل سعيد، صفر اليدين من مأثرة مشبعة. فقد استنكرت مرة على الحزب نعي المرحوم الخاتم بأنه، رغم الخلاف، لم يش بأي منهم للأمن. هل هذه حسنات للمرحوم أم أنه استخوان سلموا من عواقبه؟

وآت إلى القصة الحزينة التي بدا لي أن المرحوم أودعني إياها في أنس ما في 2011. وهي في دلالة كيف يصبح الرفيق السابق نجساً عند الرفيق الطهور في الحزب ما يزال. قال لي إنه ذهب مع أخيه للعزاء في والد التجاني الطيب فرفع التجاني الفاتحة معه ولكن لم يسلم عليه بعد الرفع منها. وهذه خصلة في المرحوم التجاني سار بذكرها الركبان وحدثت لي شخصياً وظننتها، لشذوذها، ملابسة عابرة غير مقصودة.

ثم حكي عن مرة أخرى استنجسه فيها التجاني. كان عبد الله قال لصحيفة "الإنتباهة" في حوار أجرته معه إن الحزب الشيوعي أول من نادى بحق تقرير المصير للجنوب. وروى للجريدة أنه كان صاغ لمرشح للجبهة المعادية للاستعمار في 1954 برنامجاً شمل حق تقرير المصير للجنوب. فثارت ثائرة بعض الناخبين بالدائرة قائلين كيف تفصلون ما وصله الله. وواصل عبد الله قائلاً إن الإنتباهة نشرت الحوار ولكنها حذفت هذا النص منه. فأتصل بالطيب مصطفي، رئيس التحرير، لكي يعيد الحوار إلى نصابه بنشر ما اقتطع منه. ولم يفعل الطيب بعد الوعد بذلك. وللاستدراك أخذ عبد الله نصه وحكاية الإنتباهة معه إلى جريدة الميدان لنشره بها. فاستقبله رفاق الباب بالجريدة استقبالاً حسناً استغرب له. ثم دخل على التجاني الطيب رئيس التحرير. فصاح فيه:

-إنت الجايك شنو؟ الدخلك هنا منو؟

-ناس البوابة. ناسك. أنا عندي حاجة للنشر.

-بس سيبها بسرعة وخلاص أمش.

وفعل عبد الله: تركها وأنصرف. ولم تنشر الميدان كلمة عبد الله.

قال عبد الله عبيد بسودانيتة الغراء: "والله كنت خوة لله باخد بنت اخته مع بنتي بالعربية من كلية التربية الرياضية بالديوم الشرقية إلى أمدرمان كل خميس وبالعكس يوم الجمعة طوال أربع سنوات". وفقع ضحكته القديمة المعروفة.

لم أوفق في معرفة إن كانت "الميدان" الحالية قد نعت عبد الله عبيد بما اتفق لها أم لم تفعل. فأسرتها "قطعت السلك". فأوقفت اشتراكي الإسفيري الكريم بها منذ عاتبتها لسخفها في تذكرها عيد ميلاد أستاذنا عبد الخالق محجوب في سبتمبر المنصرم. ومهما يكن فليس مثل حياة عبد الله عبيد، الذي لا أتفق مع كثير من فقراتها، مما يملك الحزب امتيازاً حصرياً لإهمالها أو الالتواء بها. فهي تاريخ آخر له إن استدبرها فنصف عمره رايح. وقد عاتبت عبد لله يوماً لقوله إن نضاله لنظام عبود كان طيشاً. وما حمله على ذلك إلا مثل هذه الأيدي الطهور القابضة. فالوحشة مدعاة للسقم. وذكر لي بعرفان دماثة محمد إبراهيم نقد، المختفي عن أنظار دولة نميري، الذي كان يزوره في داره بالثورة. لم يمنعه من ذلك لا خروج عبد الله على الحزب في 1970 ولا ما ذاع من أنه يخدم في قسم الصحافة بالأمن القومي.

اللهم تقبل عبدك عبد الله عبيد وتحنن عليه وعلى من سبقونا من رفاقنا التقدميين بوارف ظلالك. ولاتفتنا بعدهم وثبت قلوبنا على خطتهم الغراء بمننك على المستضعفين,

[email protected]





تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 3094

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1370014 [Bdrtaha]
5.00/5 (1 صوت)

11-15-2015 11:40 AM
ميسوري مدينه Mark twain جاءها وافد من أحراش افريقيا وتربع فيها متعايشتين بال social subsidy واضعا وقته في اجترار ذكريات من بلاده في القرن الماضي لا تفيد القراء من اهله وهم يطحنون بفجور الكيزان ولا يحرك فيه ساكنا ولو بمقال واحد

مثال للعلم الذي لا ينفع. عفوا mark twain

[Bdrtaha]

#1369530 [عصام عبدالحليم]
4.50/5 (2 صوت)

11-14-2015 11:59 AM
سلام يا استاذ عبدالله
فكرة انو عم تجانى كان زولا صعب ، فكرة متجولة بين الحقانية واللؤم ويناتهم مصالح القائل. وعم تجانى ما كان زول لئيم لكنو حقانى ( والحقانية فعل محبة ).يبدو انو فى سيرة مرارة بينك وبينو ، كما يسهل الاستنتاج ، وغايتو نحن عرفناه ، وشفنا حقانيتو - بل تقديروا للناس وافعال المحبة-ولم يمسنا ولا شفنا منه لؤم .
تقول " استنجس " اها دى ياها ذاتا " الهجيمة " . ناس عم تجانى ديل سيرتهم عجيبة ، ومساهمتهم اعجب واكبر من الامور الصغيرة . والحزب ومشروع الثورة ياهم سبب وجودهم وموتهم المحتمل معلقين فى الرقبة واحتمالات الايام .
كتابتك - مرحب بيها - لكن ماورتناعبدالله عبيد سوا شنو ، ومرق من الحزب مشى وين ، لانو فى ناس مرقوا من الحزب وانضموا لمعسكر الاعداء، والعداء للحزب ماهو ونسة ، ودم الشيوعيين فارق اجسادهم ، طار رزاز وجرى انهر ، وكانوا رفاق عم تجانى الحقانى وما لئيم .
طبعا نقدك للميدان على العين والراس ، لكن الميدان ما متوقعة النقد بس لكن برضو التضامن ، فمثلا بدل ما تتضامن مع مشاكلهم فى احتجاب موقعهم على الاسافير ، قلت منعوك الاشتراك ! اشتراك شنو ؟ فى موقع جريدة فى الانترنت عايز
لو اشتراك ؟ والا دى النجيهة ؟
قاعد تلوم حزب الشيوعيين فى خلو الكتابة من التحليل الطبقى وسيرة التاريخ المتحققة ، فياخ لما تلومهم ، قل لينا ماذا جرى من وقائع .
مع التقدير

[عصام عبدالحليم]

ردود على عصام عبدالحليم
[جمال علي] 11-15-2015 09:50 AM
هذه من عيوب الشيوعيين.يعادون من يخرج عنهم حتي الموت.
و مع تقديرنا لشخصكم و لعمكم و لحرمة الموتي,لكن أقول أن هذه ليست من أخلاق السودانيين.

[عبد الله علي إبراهيم] 11-14-2015 08:25 PM
عزيزي عصام:
شكرأ لتفضلك ببث لاعجك عن ماكتبت:
أنا عشت مع التجاني في كهوف السرية (1973-1978)في تواصل دائم. نجتمع كل عيد في وحشة من الأهل. عرف عن كثب بالطبع فدائيته وبذله ورهبانيته. ولكن لا أدري لمَ ارتبطت حقانيته بحجب يده عن من "سالم" في سياق احتماعي لا مهرب منه في بكاء أو فرح أو لمة أو حتى في عزاء والده. نقد حقاني اعتقد ولكنه كان يغشى عبد الله عبيد بغير أن ينسى بالطبع أدوار له بالطبع. لقد اصطرعت مع تيار عبد الله في 1970 اصطراعاً معروفاً بل تفرغت للحزب في 1970 للحفاظ على كيان الحزب في وجه المصفين. وتعريفي للثأر لشهداء22 يوليو أوسع من أن يقتصر على عبد الله عبيد وصحبه. لو قصرته عليهم نزلت بزانة التحدي للتغيير الذي رنا لع رفاقناببصرهم له. حكيت دائماً عن سفر أهلنا من الشمالية للعزاء في قاتل جد أو عم للمرحوم هاشم العطا في حجر العسل بجهة شندي الذي قتله أحدهم. وهم أهل من السوراب جميعاً. ولما رأوا القاتل، وكان هزوءة، قالوا لا ثأر لنا. فمثله لا يقتل رجلاً من نسل العطا ود أصول. القاتل أخطر من هذا الرجل بكثير.
الثأر ليس الطريق إلى الدماثة الثورية. فحتى الميدان أزالت من شعارها "الثأر للشهداء" لأنه تغليب للذاكرة على مفآجات الواقع.
رحم الله شهداء اليسارالسوداني وموتاه.


#1369469 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

11-14-2015 10:11 AM
اظن وليس هذا من بعض الاثم (كليتون )تعني القصير و(والمدغلب)وكان لنا زميل دراسة لقباه بذلك وهكذا كان صعلوك المحطه علي زهونا ذاك في صبانا الباكر ثم اسميناه (صعلوك المحطه ) ونحن وقوفا في محطة عطبره نتلهي بمنظره البديع يتلاعب بالقطارات عربات وراس كانه في حفل عرس مما تماثل مع شبابنا يومها مع بنات الثانوي علي سفر وخفر مجلو بروح الدعابة والمحبة البريئة .ثا اني اري ان الصارقيل لايمثل القطار لذلك لجات (دبيب الصحراء ) في مقالتي تلك كما قرات عن الصلوك والدبيب رغم وحشة الالقاب ليت الايام تعود .رحم الله استاذنا عبد الله عبيد تتلمذنا علي يديه من غير ان نراه اسهم في الصحافة وما زال طرف شارعه خاليا من بعده خلو السودان من اي ابداع في اي منحي في الحياة !!!

[سيف الدين خواجة]

ردود على سيف الدين خواجة
[جمال علي] 11-15-2015 09:48 AM
Clayton Equipment Company Ltd, now known simply as Clayton Equipment Ltd or CEC and CEL, is a locomotive construction company that specialises in locomotives for underground mining operations.
منقول من ويكيبيديا.
نعم هي شركة كليتون الإنجليزية. و هي من الشركات القديمة و الرائدة في صناعة القاطرات.
عادة يلقب (الزول) القصير بكليتون.و سمعت البعض ينادون أكثر من واحد قصير بهذا اللقب.

[عبد الله علي إبراهيم] 11-14-2015 08:29 PM
عزيزي الخواجة،

بدا لي كليتون من CALYTON الإنجليزية التي ربما كانت الشركة المصنعة. والذي شبه القطار بالصارقيل هم الراندوك وتشبيهك وتشبيهم سواء عند النظر البلاغي.
هل نشرت كتاباً مطبوعاً من طريف ما تنشر؟
تقديري


#1369465 [المكي]
5.00/5 (1 صوت)

11-14-2015 10:04 AM
يا "بتاع الإنقاذ مستلة من شفرة جينية في الثقافة العربية كلنا مشاركين فيها"، و يا "حامل المباخر حول الهيكل المايوي"، خلينا من أمواتك ديل، أنت رأيك شنو في شغل الإسلامويين الحاصل الان في السودان دا، خليك شجاع!

[المكي]

#1369389 [قنوط ميسزوري]
5.00/5 (2 صوت)

11-14-2015 07:07 AM
حكم و الله. ال rumination دا حيكون لمتين يعنى؟؟

[قنوط ميسزوري]

#1369376 [بابكر موسى ابراهيم]
5.00/5 (2 صوت)

11-14-2015 03:54 AM
حلاقيم الناس اتقرشت من مطالبتك بالخروج من ماضى الذكريات ده. تاوق ياخ وعلق على الحاصل فى البلد. ممكن تبداْ بى مناقشة مشكلةالكاردينال مع الاتحادالعام للكورة. وكده يعنى .

[بابكر موسى ابراهيم]

ردود على بابكر موسى ابراهيم
[عبد الله علي إبراهيم] 11-14-2015 08:31 PM
رحم الله الزين أخي يا كمبلاوي.

[KKambalawi] 11-14-2015 03:16 PM
حا يقوليك الكورة دي ما شغلتي , دي شغلة الزين علي إبراهيم..


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة