المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل سقطت الثورات في امتحان الحركات الإسلامية؟ا
هل سقطت الثورات في امتحان الحركات الإسلامية؟ا
02-01-2012 11:26 AM

هل سقطت الثورات في امتحان الحركات الإسلامية؟

عثمان ميرغني

عندما يقول أحد إنه ديمقراطي، لكنه يرفض نتائج انتخابات حرة لأنها جاءت بغير ما يريد، فإنه لا يريد ديمقراطية بل ديكتاتو - قراطية، أي ديكتاتورية بلباس الديمقراطية، إن جاز التعبير. فنحن في الواقع ما زلنا في بدايات سكة تعلم الديمقراطية، والطريق أمامنا طويل، نحتاج معه إلى الصبر والمثابرة إذا كان للتجارب الجديدة أن تثمر، وللثورات العربية أن تنجح في تحقيق تطلعات الناس في الحرية والعدالة والتداول السلمي الديمقراطي على السلطة.

الديمقراطية التي يريدها كل واحد منا مفصلة على مقاسه، تشكل أكبر تحديات المراحل الانتقالية وعمليات نقل السلطة عبر صناديق الاقتراع؛ فالناس عاشوا عقودا طويلة في ظل تربية أنظمة استبدادية لا مجال فيها لحرية التعبير وحق الاختيار الحر الشفاف عبر صناديق الاقتراع، كما أنهم فقدوا الثقة في انتخابات لم تكن تعرف غير التزوير وحشو الصناديق بالبطاقات المزورة. ربما لهذا السبب تحولت ذكرى مرور عام على الثورات العربية إلى بكائيات. حادبون على هذه الثورات يرون أنها اختطفت من مفجريها، ومجموعات من شباب الثورة يشعرون بالإحباط نتيجة إحساسهم بأن الإسلاميين ركبوا الموجة وقطفوا الثمار. على الجانب المقابل يستخدم بعض منتقدي الثورات والمتوجسين منها نتائج الانتخابات في مصر وتونس للقول إن هذه النتائج دليل على فشل الثورات وانتهائها إلى نتيجة لم يردها مفجروها، وإن صناديق الاقتراع سواء تحققت بالثورات كما الحال في مصر وتونس، أو بالإصلاح الداخلي مثلما حدث في المغرب، فإنها تأتي بحكم الأحزاب الإسلامية.

من يروجون لهذا الطرح يبدون وكأنهم يريدون القول إنه لا خير في الثورات، ولا جدوى من الإصلاح، بذريعة أنها تأتي بالأحزاب الإسلامية إلى الحكم، وهو المنطق ذاته الذي استخدمته أنظمة الاستبداد في ماضٍ غير بعيد. وبهذا المنطق علينا أن نتساءل: هل كان على اليمنيين إذن إجهاض ثورتهم بسبب بعبع تنظيم القاعدة الذي يحاول إيجاد موطئ قدم له هناك؟ وهل على السوريين وقف انتفاضتهم خوفا من أن يؤدي التغيير إلى انتخابات تأتي بحزب الإخوان؟

من قال إن الثورات العربية كانت تعبيرا عن توجه عقائدي معين، وإن الحكم بنجاحها يكون بهزيمة الإسلاميين أو انتصار الليبراليين؟ الثورات قامت للمطالبة بالكرامة والحرية والعدالة، ومن أجل التغيير الديمقراطي والشفافية والتخلص من الفساد والاستبداد، وبهذا شهدت تلاحما بين مختلف فئات الشعب، مسلمين وأقباطا، يسارا ويمينا، شبابا وشيوخا، رجالا ونساء، ريفا ومدنا. ومن الظلم لها أن نحكم عليها اليوم بالفشل لأن صناديق الاقتراع جاءت بأحزاب إسلامية، مثلما سيكون خطأ كبير للإسلاميين إن هم حسبوا أن فوزهم يعني تجديدا تلقائيا لبقائهم في السلطة، أو تفويضا لاحتكارها وإبعاد الآخرين من الساحة.

لقد صوت كثير من الناس للأحزاب الإسلامية لأن روح التدين الغالبة في مجتمعاتنا جعلت شعارات هذه الأحزاب تجد صدى لها بينهم، مثلما أن تركيز الأنظمة السابقة على التخويف من الإسلاميين في خطابها الإعلامي جعلها تبدو الضحية الأكبر لأنظمة الاستبداد، مما خدمها وأكسبها مصداقية وتعاطفا في نظر كثير من الناخبين الذين أرادوا التعبير أيضا عن احتجاجهم على الماضي والقطع مع ممارساته. عامل التنظيم والانضباط في وسط هذه الأحزاب ساعدها أيضا على سرعة الانتشار لإيصال صوتها إلى الناخبين مستفيدة من وجودها وتمددها السابق عبر الجمعيات الخيرية والأنشطة الإنسانية التي انطلقت من المدن إلى الأرياف، بينما ظلت أغلبية الأحزاب الليبرالية في السابق حبيسة الصحف والمقاهي والدور الحزبية. ولا مناص للأحزاب الليبرالية من الاعتراف بأنها فشلت في تسويق رسالتها وبرامجها، وعجزت عن مجاراة الأحزاب الإسلامية في التواصل مع الناس وتوسيع قواعدها.

قد يقول قائل إن الأحزاب الإسلامية وظفت الأموال واستخدمت المساجد في الدعاية السياسية، وهذا صحيح، لكنه لا يلغي حقيقة أن الأحزاب الليبرالية لم تحاول مجاراة ذلك بالعمل الشعبي الميداني أو بابتكار وسائل جديدة للوصول إلى القواعد، ولعلها تستفيد وتتعلم من تجربة شباب الثورة الذين نجحوا باستخدام الإنترنت والإعلام الجديد في اختراق الشارع وتعبئة الناس حول قضايا محددة تقترب من نبضهم وتلامس تطلعاتهم.

الإسلاميون نجحوا بدهاء شديد وتنظيم عال في جني المكاسب الأكبر من الثورات، لكنهم في المقابل يواجهون امتحانا ليس هينا؛ إذ يرثون أوضاعا سياسية واقتصادية صعبة، ويواجهون شعوبا رفعت الثورات سقف تطلعاتها وتنتظر إنجازات وتغييرات سريعة تنعكس على أوضاعها الحياتية. وربما لهذا السبب اختارت الأحزاب الإسلامية، بدهاء سياسي أيضا، إشراك القوى السياسية الأخرى معها في السلطة وتقاسم المسؤولية متبنية توجه الحكومات الائتلافية.

هناك مخاوف لا يمكن إنكارها من الأحزاب الإسلامية تتعلق بمدى التزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع. فالاعتقاد الشائع هو أنها ليست ديمقراطية، وهناك عشرات التصريحات الصادرة من بعض رموزها التي تؤجج المخاوف في هذا الشأن، مثلما أن تجربة السودان تثير مخاوف جدية من إمكانية غدر هذه الحركات بالديمقراطية. من هنا فإن التحولات بعد الربيع العربي تمثل امتحانا أيضا للأحزاب الإسلامية ومدى التزامها بالديمقراطية، فإن اجتازت الامتحان فإنها ستكسب ثقة ربما تهيئ لفوزها في الانتخابات أكثر من دورة مثلما تحقق لحزب العدالة والتنمية التركي الذي أثبت قدرة على التعايش مع الديمقراطية وحقق طفرة اقتصادية أكسبته شعبية انتخابية.

الثورات تحقق التغيير، وإذا كان الاختيار هو الطريق الديمقراطي، فإن صناديق الاقتراع هي التي تحدد الأحزاب أو الشخصيات التي ستحكم، والتفويض في هذه الحالة مؤقت إلى حين حلول موعد الانتخابات المقبلة. بهذا المعيار فإن الثورات نجحت وحققت ظروف الانتقال إلى انتخابات حرة ونزيهة، والحركات الإسلامية هي التي تواجه الامتحان الآن وعليها أن تثبت التزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة. فهناك مصلحة حقيقية لكل الأطراف في إنجاح التجربة الديمقراطية وكسر دوامة الإقصاء والعنف وحكم الاستبداد، من أجل استقرار الأوطان وبناء مستقبل أفضل للجيل الذي أطلق هذه الثورات.

[email protected]

الشرق الاوسط


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1138

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#287009 [خالد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

02-02-2012 04:18 PM
وصول الاسلاميين الى السلطة عن ذريق صناديق الاقتراع ما هو الا وسيلة هم لا يؤمنون بها بالمرة... ولن يستطيعوا مواجهة مشاكل البلاد التي سوف يحكمونها من فقر وبطالة وتنمية ببساطة ليست لديهم برامج واضحة لحل هده المشاكل.... الا مخاطبة العاطفة الدينية لعامة الناس.....صرح احد الاسلاميين بالتلفزيون المصرى في رده على سؤال مادا سيكون الوضع في حالة فشلهم وخروج الناس للشارع والثورة ضدهم؟ قال سنعامل من يخرج الى الشارع كما عامل سيدنا على الخوارج....اى سنعتبر المتاهرين خوارج...... اخي عثمان وما خفي اعظم...........


#286852 [Nagi]
0.00/5 (0 صوت)

02-02-2012 12:52 PM
يا لبجعلى البعدى يومو خنق

انت زول راق والله احيك

صدقت احنا عايزين نعيش بكرامه لا وصايه على معتقدنا او توجهنا

نعيش محترمين ونحترم غيرنا ونكرم الانسان الى ربنا كرمو بالعقل واداهو

حرية الاختيار ونقصى المفسدين عبر مكنيزمات قانونيه صحيحه وشفافه

وبسسسسس

ونرتب حياتنا الجاطوها دى



#286243 [الجـعـلى البعـدى يـومـو خنـق]
0.00/5 (0 صوت)

02-01-2012 03:24 PM

بسم الله الرحمن الرحيم


أخ عثمان ميرغنى (زول لندن) مش بتاع (ألتيار) و ( الأقطان) مع وافر التقدير والاحترام ...

فوز الحركات (ألاسلامويه) وجه رسائل عديدة وفى كل الاتجاهات .. فقد شكل ضربة قويه لقوى (تقليديه) يُشير إلى أن الإسلام السياسى قادمُ لا محالة وعبر صناديق الاقتراع .. لم يفز اخوان (ألصفا) نتيجة طفرة أو لوقت آنى .. كونهم عملوا .. وخططوا بدقة متناهية وبطول نفس طوال الفترة الماضية ..

ففى نطاق قراءة التاريخ والتحولات الكبرى .. التجديد والتغيير سيطال أقوى الإمبراطوريات وأقواها عبر التاريخ.. ومن حاول مغالبتها خسر فى النهاية. ما سيحصل فى ألسودان قريباً لا يخرج عن هذا الإطار ..

تصريحات قادة ألنظام ألمأزوم المهزوم تُشير إلى أنهم لم يفهموا ما يجرى بشكلٍ دقيق فى هذه الأيام .. وقادمها ..
فطوال التجربة السابقة من حكم (المجموعه العسكرية) حولتنا من أمه وشعب محترم إلى (فِئران) تجارب لأفكار باطلة مخالفة للمنهجية وللعقلانيه ومنطق الأشياء والواقع ..

أخ عثمان ميرغنى ... ما يريده الشعب ألسودانى بكل بساطة هو العيش بكرامة، وان يكون الإنسان مرفوع الرأس أينما حل وأرتحل.. والخلاص من دولة الحِزب ووقف الهيمنة والبلطجه على خيرات البلد من قبل الفاسدين والمفسدين .. وهم الآن أقلية وشرذمة منبوذة ..


وللحـديث بقـيـه ... مادام فى العُـمـر بقـيـه ...


الجـعـلى البعـدى يـومـو خنـق ..


من مدينة ودمـدنى السٌُــنى .. ألطـيب أهلها ... والراقِِ زولا ...






#286178 [wahied]
0.00/5 (0 صوت)

02-01-2012 02:06 PM
كلام عقل ومنطقى بعيدا عن التشنجات والعصبيات . نرجو كتابة الاسم ثلاثى ايها العثمانين حتى نستطيع ان نفرق بين عثمان ميرغنى الامدرمانى وعثمان ميرغنى الخرطــومى


#286108 [sudani]
0.00/5 (0 صوت)

02-01-2012 12:44 PM
مقال موضوعي يعبر عن واقع الحال بالنسبة لنتائج الانتخابات في بلدان الربيع العربي ، ملخص الموضوع ان الديمقراطية هي التي اتت بالاسلاميين وبالديمقراطية ذاتها يمكن هزيمتهم . بالطبع ليست بالانتخابات المخجوجة ولكن بإنتخابات سليمة وبمجتمع ديمقراطي يؤمن بالراي والراي الآخر


#286091 [مواطن ]
0.00/5 (0 صوت)

02-01-2012 12:24 PM
معلومة جيدة يا مواطن

شكرا كتير


عثمان ميرغني
عثمان ميرغني

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة