إبدال ...
08-24-2010 03:01 PM

إبدال ...

يحيي فضل الله
[email protected]

تداعيات


كانت العاصمة الكندية (اتاوا) في ذلك المساء متبرجة الغيوم و دفاقة بالمطر وكانت هي تمشي امامي، بل تركض خفيفا و بتوتر تأكد ت منه تماما حين قذفت بعلبة الببيسي علي الارض وركلتها بقدمها اليسري محدثة العلبة رنينها الخاص علي الاسفلت منسجمة مع ذلك التوتر الجميل ، كنت اختبئ تحت مظلتي المتواجدة معي بمكيدة نافعة تعلمتها هذه الايام وهي ان اشاهد القناة التلفزونية المخصصة لحالة الطقس قبل ان اخرج من البيت ، هي مكيدة الكترونية ان اختبي خلف مظلة و هي تواصل توترها الراكض لامبالية بالمطر مبلولة به حد النداءات الجنسية الغامضة ، هل قلت النداءات الجنسية الغامضة ؟ ، ربما كنت قد تخيلتها ببللها الجميل هذا في الحمام ، كانت تتواثب امامي وحقيبتها تتأرجح من علي كتفها اليسار متحملة عبء ان تمتص رشاقة هارمونية لجسد رشيق متوتر ، كانت تتواثب امامي كاوركسترا لاتحتمل النشاز وشعرها لم يفقد فوضاه و انسجم مع رشقات المطر التي تسقط علي وجهها متأمرة مع نسمة في الاتجاه المعاكس ، نسمة ليست كتلك التي ارسلها شعراء الحقيبة لتدخل حوش المحبوبة ، هي و انا نمشي في الاتجاه المعاكس لرشقات المطر ، اظنها تقصد مثلي محطة ( ماكينزي كنق) من حيث تتناثر بصات المدينة الي إتجهاتها الاربعة ، قررت ان اتخلي عن مظلتي وهل انا غير كائن مطري ؟، طويت مظلتي وانحزت الي رشقات المطر علني اتوحد و لو بعليقة المطر مع هذا الكرنفال الصاخب الذي يتواثب امامي . في صالة الانتظار في محطة ( ماكينزي كنق) كنت اتابع المظلات تتلون امامي داخلة وخارجة من (الريدوسنتر ) في الاتجاه المقابل للمحطة و كنت اتابعها ، كانت قد دخلت قبلي الي الصالة و حين دخلت بعدها كانت تنفض شعرها يمنة ويسري و في دوائر رشيقة ومتوترة محاولة التخلص من حبات المطر و اتجهت الي ركن به عتمة داخل الصالة كي يتسني لها ان تفحص نفسها امام جدار زجاجي يتحمل ان يشف عنه جسدها الجميل ، إتجهت الي التلفون المعلق علي الحائط بعد ان خلصت الجدار الزجاجي من توترها ومن مسئوليته كمرآة ، إزدحمت الصالة بالمنتظرين و البصات الحمراء تدخل و تخرج فتدخل ناس و تخرج ناس و كانت هي تصرخ حد الشتيمة و البذاءات السائدة هذه الايام وهي تتحدث بالتلفون ، بل وصل بها الحد ان تركل الحائط بقدميها وفي احيانا كثيرة تضرب بقبضة يدها اليمني علي الحائط و اليسري تكاد ان تسرب توترها الي سماعة التلفون ، شتمت و صرخت ، صرخت وشتمت و اقترب صوتها من البكاء فوضعت سماعة التلفون بعنف غريب منهية المكالمة وقذفت بجملة بذئية صارخة النبرة و ركلت الحائط ركلتين ودخلت في بكاء مكتوم و متشنج خلعت اثناءه قميصها الوردي لتعلن عن صدر ناهد جامح يتجمل به بنفسج فنيلة بحمالات ومسحت عن وجهها المطر و الدموع وجلست متهاوية و ظهرها علي الحائط و دخلت في بكاء مكتوم تفضحه الدموع . نظرت الي الساعة المعلقة علي صالة الانتظار ، كانت تشير الي السابعة وستة وثلاثين دفقيقة ، تحركت نحو بورد مواعيد وصول البصات الي المحطة و موعد تحركها منها و قبل ان اتأكد من موعد البص 97 المتجه الي محطة ( ساوث كيز) وقف البص 84 و لمحتها من حسن حظي تنضم الي صف ركاب هذا البص و بسرعة قررت ان انضم لهذا الصف لاسيما ان البص 84 يصل الي محطة ( ساوث كيز ) ايضا و الفرق بينه و بين البص 97 انه يصل الي ( ساوث كيز) بعد خط سير دائري في منطقة جنوب غرب ( اتاوا ) ، كان علي ان اجافي فكرة الوصول الي البيت سريعا و ان اتمهل منحازا الي متابعتها ، هي امامي في الصف و بيني و بينها امرأة عجوز مصرة علي مظلتها الملونة بالوان العلم الكندي، خيل لي انها قد هدأت قليلا من حالات توترها و لكن آهة عميقة مشبوبة بالضياعات ومجروحة ببكاء متراكم ، أهة فيها الم غير محدود صدرت منها و هي تخطو نحو باب البص الامامي و العجوز مصرة علي مظلتها مفرودة حتي دخولها البص الامر الذي اطال انتظارها و انتظاري و قبل ان تطوي العجوز مظلتها داخل البص لاحظت انها قد ربطت قميصها الوردي علي خصرها وكانت حبيبات المطر المندلقة من خصلات شعرها المبعثر تنزلق بإنسجام تلقائي علي عنقها وصولا الي بنفسج الفنيلة المبلول وانا المبلول اتبعها و انسي ان افرد مظلتي واحملها بيمناي كعصا ليس لي فيها مأرب اخري، ربما كنت احاول ان ابعد عني شبهة التقاعس عن الجمال وربما كان علي ان احافظ علي عليقة جميلة كالمطر، ربما كان علي ان اعرف علائق الجمال مع الفجيعة ، لماذا هي مفجوعة الي هذا الحد من التشظي الصارخ الباكي الذاهب نحو الدمع و الطشاشات ؟ داخل البص كنت انظر اليها من عل ، هي جلست في اخر كرسي في الجزء الامامي من البص وجلست انا في الكرسي الاول من الجزء الخلفي من البص ولان الجزء الخلفي يعلو علي الجزء الامامي بثلاث عتبات لذلك كنت انظر اليها من عل ، من عل قريب حد ان اري الدمع في العيون الخضراء ، اول مرة في حياتي اري دمع العين الخضراء ، كانت تبكي في صمت يلوح بعبرة تنقلها ملامح الوجه ، كنت اتابع ملامح الوجه ، مزيج من الانفعالات علي وجهها وفي كل الحالات العيون دامعة والعبرة المخنوقة في الدواحل تتلون علي الوجه المحمر الخدين ، كنت اري الدمعة منحدرة من العين علي الانف المعقوف بعناية خاصة و من ثم تنحدر نحو الشفتين ، لم يفوتني طبعا ان اتابع انحسار حبيبات المطر عن خصلات شعرها ، وحدي من دون ركاب هذا البص المشتبكة فيه سحن مختلفة ولغات مختلفة ، وحدي برغم ضجة الركاب كنت اسمع تلك الآهة التي تخرج من وجيعة فادحة ، أهة متحالفة مع المطر الذي يغسل المدينة في مساء ربيعي يحرض علي ليل منفلت ، وحدي كنت اسمعها وكانت لا تبالي لدمعها فهو مبذول وكنت لا امل متابعتها من بعد قريب و من واضح خفي . حين كنت افكر في إحتمال انها يمكن ان تنزل في محطة قادمة او لو نزلت في اي محطة قبل ( ساوث كيز) ، هل ساتبعها ؟ ، حين كنت اقلب هذه الاحتمالات منحازا لانفلات يخص ليلة كل سبت، هزتني آهة عميقة واضحة النبرة فاضحة الوجيعة ، كانت هي قد فتحت حقيبتها بتوتر بان في ارتعاش الاصابع ، اصابعها كانت مطلية بالوردي ، فتحت حقيبتها و اخرجت البوم للصور ، قبل ان تفتح الالبوم كنت قد هيأت وضعي للتمكن من النظر في صور الالبوم ، تركت الالبوم فترة في حجرها ، ولاحظت انها اخذت نفسا عميقا و آهة مغبونة تسربت في الدواخل ، فتحت حقيبتها مرة اخري اخرجت مظروفا متوسط الحجم ، فتحت الالبوم , الصفحة الاولي بها صورتين ـ في الصورة الاولي هي و معها شاب بشعر ازرق لامع ، الصورة الثانية نفس الشاب معها في وضع اقرب لقبلة كانت او محتملة ، فجأءة نزعت الصورة الاولي عن الالبوم و مزقتها و كان وجهها يضج بالالم ، اخرجت الصورة الثانية، مزقتها و وضعت النتف من الصور الممزقة داخل حقيبتها ، فتحت المظروف، اخرجت مجموعة من الصور منه ،إختارت صورة ووضعتها في المساحة المستطيلة التي كانت الصورة الاولي التي مزقت تحتلها ، الصورة الجديدة كانت بها هي و معها كلب ، نزعت صورتها مع الشاب , مزقتها و وضعت بدلا منها صورتها و معها كلب و كان هذا الإبدال قد تم بتشفي واضح علي الوجه الذي لم يتخل عن العبرات الدامعة ، اخذت صورة اخري من المظروف وضعتها مكان الصورة الثانية التي مزقتها وفي الصورة الجديدة كان الكلب كمن يضع قبلة علي خدها ،الكلب من نوع الكلاب الولف بعيون ذكية ويختلط فيه السواد بالبني ، كان المطر يتراشق بغزارة و البص 84 قد عبر محطات لم انتبه اليها و هي كانت تخرج صورة من الالبوم وتمزفها بتوتر مصحوب ببكاء صامت ، تدخل نتف الصورة الممزقة داخل حقيبتها و تأخذ صورة من المظروف وتضعها بدلا عن الصورة الممزقة ، تكرر هذا الفعل بتنوع الانفعالات علي الوجه ، تكرر بمقدار عدد الصور الممزقة و البديلة ومن عل ، من حيث كنت اراقب وادقق في الصور لاحظت انها مزقت كل الصور التي تجمعها مع ذلك الشاب و وضعت بدلا عنها صور تجمعها مع الكلب الولف ، هي مزقت اكثر من عشرة صور بها ذلك الشاب الملون الشعر احيانا مع تغير دائم في الازياء و الاوضاع و الاماكن ووضعت بدلا عنها صور بها الكلب ذو العيون الذكية وبين الفعلين ، النزع و التبديل كانت قد اهدرت الكثير من الدمع و العميق من الاهات المغبونة ومن ضمن ملاحظاتي و ان ارقب تعاملها مع الصور ، لاحظت ان مبني البرلمان الكندي قد تعرض للتمزق في الصورة التي تجمعها مع ذلك الشاب امام مبني البرلمان و لكن جاءت الصورة البديلة بمبني البرلمان مرة اخري و لكن هذه المرة كانت هي تقف و معها الكلب الذي شب علي قدميه واضعا قدميه الاماميتين علي صدرها ، اماكن كثيرة لم تنجو من التمزق في صور الشاب و اماكن جديدة عادت الي الالبوم في صور الكلب قبل وصول البص الي محطة ( ساوث كيز ) كانت هي قد مزقت كل صور الشاب و وضعت بدلا عنها صور الكلب مع الاحتفاظ بنتف الصور الممزق داخل حقيبتها وكنت قد لاحظت انها قد هدأت نوعا ما ، بل انها انتبهت الي دموعها فخلصت قميصها الوردي من خصرها و مسحت به علي وجهها و لكن لا زالت هناك آهة مكتومة تظهر ملامحها علي الوجه الجميل . حين وصل البص الي محطة ( ساوث كيز ) كان المطر لازال يتراشق و يمنح ليلة السبت هذي نوع متأصل من التحريض علي الانفلات ، خرجت هي من البص مسلمة جسدها الرشيق للسعات المطر وخرجت انا بعدها ، تابعا لها ، لم افرد مظلتي بل لذت باحدي اكشاك الانتظار الحمراء و كنت اراها واقفة في الخارج والمطر يغسلها و يستأثر بجسدها الممشوق الجميل ، قبل ان استغل البص 142 الي (فيزر لين ) حيث اسكن رايتها تتجه الي صندوق القمامة القريب منها و تفتح حقيبتها و تخرج نتف الصور الممزقة و تقذف بها داخل صندوق القمامة و قد فعلت ذلك بتوتر خيل لي انه اجمل من كل توتر لاحظته في السابق وبعدها حين كنت اخطو نحو الباب الامامي للبص 142 رأيتها وسط المطرالمنهمر بغزارة اكثر ، رأيتها و قد اشعلت سيجارة ، اخذت نفسا عميقا من سيجارتها و نفضت شعرها محاولة ان تخلصه من رشقات المطر دون جدوي



تعليقات 3 | إهداء 2 | زيارات 2453

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#19490 [الجعلى]
0.00/5 (0 صوت)

08-29-2010 03:36 PM
والله يايحيى يا مبدع قصتنا معاك زى قصتك مع هذه الساحرة !!!!!!! يا أخى حرام عليك تهجرنا مثل هذا الهجر الأدبى المسترسل ألقا وعبقا لك كل جميل ياجميل


#18721 [عبدو منصور]
0.00/5 (0 صوت)

08-26-2010 05:30 PM
مابين ازقة وشوارع ( كادقلى ) وذاك المشهد الغارق حتى الثمالة فى بئة الشخوص المحلية وهذا المشهد فى فضاء ( اتاوا ) اقصى الغرب بكل تداعيات المدهشة يذداد ( يحيى فضل اللّة ) القا وجمال .. فمرحب بك


#18174 [نصر الدين حسن / الرياض ]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2010 12:45 AM
يحي الله يرضي عليك ما تغيب علينا تاني نحن قلوبنا مابتستحمل الفراق مش كفاية الغربة المره انت اكثر من رائع لك الود


ردود على نصر الدين حسن / الرياض
Sudan [ادروب] 09-28-2010 03:21 PM
مبدع في زمن فيه جفت كل ينابع الابداع وحل مكانها الاستلاب الفقير لله درك استاذي يحي فضل الله


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة