مؤتمر الأساقفة الكاثوليك
08-25-2010 05:02 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

مؤتمر الأساقفة الكاثوليك (1-2)

رباح الصادق المهدي
[email protected]


الدين شأن فردي بين العبد وربه ليس حول ذلك مغالطة. ولكن البعض يغالط حول المدى الذي يمتد له الدين أبعد من ذلك، في علاقة الفرد بالآخرين، وفي النظم التي تحكم المجتمع، هذه قضية. قضية أخرى حول المسيحية في السودان أو قل أصحاب الأديان خلا الإسلام وعيشهم في دولة غالبيتها مسلمين، أما القضية الثالثة فهي الاستفتاء المقبل للأهل في الجنوب حول تقرير مصيرهم في 9/1/2011م. قضايا لامسها البيان الصادر عن مؤتمر الأساقفة الكاثوليك المنعقد بجوبا في الفترة 15-22 يوليو الماضي، ونريد أن نقلب حولها الأفكار. في هذه الحلقة نتطرق للقضيتين الأولى والثانية، على أن نواصل في الجزء الثاني بإذن الله.
لنبدأ بذكر أهم الحقائق حول المسيحية ثم الكنيسة الكاثوليكية في السودان. المسيحية في إهابها الأوربي قدمت للسودان في القرن التاسع عشر (وقد وجدت مسيحية شرقية أرثوذكسية قديمة في شمال السودان خبت بتحول أصحابها طوعا للإسلام فتحولت كنيسة دنقلا العجوز لمسجد) انتشرت المسيحية القادمة بيدي المبشرين الأوربيين في جنوب السودان وجبال النوبة غالبا، ولكنها انتشرت ببطء شديد برغم التسهيلات التي أعطيت للمبشرين، وبرغم السد الذي اتخذ إبان الاستعمار بوجه التمدد الإسلامي عبر المناطق المقفولة (1922م) وبرغم ترك التعليم بيد المبشرين بالجنوب. لكن حدث تمدد كبير باتجاه المسيحية مؤخرا، فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين التحق كثيرون في النخبة الجنوبية بالمبادئ المسيحية حتى ولو بصورة شكلية. ومؤخرا صارت اللغة الإنجليزية والمسيحية رمز مقاومة الحكومة الإسلاموية في الشمال والتي حاولت تحطيمهما –أي اللغة الإنجليزية والمسيحية. وعلى عكس الحرب الأهلية في الستينيات والسبعينيات، فإنها في التسعينات اتخذت طابعا دينيا بشكل أكبر، رفدا من إعلان الجهاد المقدس في الشمال.
ومع صعوبة تحديد أعداد المسيحيين، وقد أصر القلب المؤتمروطنجي (الأصم) على حذف سؤالي الدين والإثنية في التعداد السكاني الأخير برغم شكوى الشريك الأكبر، فنحن إذن أمام تخمينات أو قل تقديرات يعوزها الضبط والدقة. الإحصاءات القديمة كانت تقول إن المسيحية تشكل 5% من مجمل سكان السودان، و17% من سكان الجنوب (في مقابل 75% مسلمون لكامل القطر و18% مسلمون في الجنوب). والآن فإن المواقع التبشيرية (مثل موقع مشروع جشوا) تورد نسبا عالية للمسيحية في القبائل الجنوبية المختلفة، ولا يمكن التحقق حولها كما ذكرنا. تنقسم القبائل بالجنوب إلى قبائل نيلية (مجموعة الدينكا والنوير، ومجموعة الشلك-اللو)، وقبائل حامية نيلية، ومجموعات أخرى (المجموعات السودانية). وللتعرف على بعض الإحصائيات المتعلقة باعتناق المسيحية وسط بعض القبائل نورد أرقام موقع جشوا المتفاوتة من قبيلة لأخرى بشكل كبير. يورد الموقع أنه ومن بين القبائل النيلية فإن هناك تفاوت داخل قبائل الدينكا نفسها إذ تصل النسب المقدرة إلى الثمانين بالمائة لدى المجموعة الشمالية الشرقية، وأدنى نسبة لدى دينكا وسط وهي 19% ، وتصل نسبة النوير بحسب جشوا إلى 40%، والشلك 70% ، والأنواك 12.5%، والأشولي 89% واللو 38%. أما القبائل النيلية الحامية فنجد الأرقام هي: التبوسا: 85%، اللاتوكا: 38%. وبالنسبة للمجموعات الأخرى (السودانيون) نجد أن المسيحية نسبها عالية في المتوسط حيث انتشرت المسيحية بصورة أكبر في ولاية الاستوائية بين المادي والمورو والأزاندي والباري باكرا، في حين لم يهتم لها النيليون في البداية ولم يلتحقوا بها إلا لاحقا كنوع من أنواع المقاومة للتسلط الشمالي كما ذكرنا. النسبة التي يقدرها التبشيريون للمسيحية وسط الزاندي 85%، والمورو 85% والمادي 83%.
هذا بالنسبة للمسيحية عموما، أما الكاثوليكية تحديدا، فيقدر بعض الناشطين في مجال الدعوة الإسلامية أن أتباع الكنيسة الكاثوليكية يصلون لنصف المسيحيين في السودان. يقول أ. عمار صالح موسى: \"من الصعب إعطاء تعداد حقيقي للنصارى، وكل الأرقام الموجودة الآن هي مجرد تخمينات، ولكن من خلال الاحتكاك بأنشطة تلك الهيئات وبعض تصريحات أعضائها والرصد لأعداد المرتادين يمكن أن نقدر النسب بين طوائفهم تقريباً كآلاتي: الكنيسة الكاثوليكية (50%) إذ ينتمي إليها أغلب سكان جنوب السودان. وتهتم غالباً بشؤون أفرادها وليس لهم عمل كبير بين المسلمين. والكنيسة الإنجيلية (25%) ولكن لها أنشطة عديدة لتنصير المسلمين وهي الكنيسة الأكثر تمويلاً وتأثيراً. والكنيسة الأرثوذكسية 15%، والكنيسة الأسقفية 8%، وشهود يهوه 2%\".
الكاثوليك إذن أكبر الطوائف الكنسية في السودان وهم تابعون لدولة الفاتيكان مباشرة، وتتمتع الكنيسة الكاثوليكية بإمكانيات مادية وبشرية ولها إستراتيجية عمل في السودان وتضم كوادر مؤهلة ومدربة للعمل الديني والاجتماعي وغيرها من المجالات ويوجد بها عناصر أجنبية من الرهبان والراهبات وتستعين بالأجانب في إدارة نشاطها الديني. (موقع وزارة الإرشاد والأوقاف) وإذا كانت التقديرات أن هناك نحو ألف وخمسمائة كنيسة في السودان فإن حوالي ثلثها تابعة للكاثوليكية (يبلغ عدد الكنائس الكاثوليكية في مختلف ولايات السودان 372 كنيسة ثابتة بالإضافة إلي 272 كنيسة عشوائية).
ظلت الكنيسة تلعب أدوارا في السياسة كان أبلغ دليل عليها تكوين مجلس كنائس السودان الجديد في يناير 1990م، ككيان جامع للكنائس الكاثوليكية والأسقفية، واعتباره بكلمات الزعيم الراحل جون قرنق \"الجناح الروحي للحركة الشعبية والذي يجب أن يشارك مشاركة كاملة كجزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية وجيشها\".
لذلك ظلت المناشدة المستمرة بالعلمانية، كطرد للدين من الدولة، من قبل قطاعات جنوبية داخل الحركة أو شمالية مرتبطة بها؛ ظلت مناشدات غير متسقة مع ذلك الموقف. بيان الأساقفة الحالي يكرر هذا المشهد. لأنه يدافع عن دور الكنيسة في هداية المجتمع والدولة بالتالي، في حين يستنكر وجود أحكام إسلامية في الشمال. البيان الصادر عن المؤتمر جاء بعنوان (مستقبل مليء بالأمل) اقتباسا من آية بإنجيل إرميا: \"لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً\". (إرميا 29:11) فنهاية الآية: آخرة ورجاء لو تمت ترجمتها مباشرة من النص الإنجليزي لكانت: مستقبل مليء بالأمل!. جاء في البيان إن الكنيسة قامت دائما بإصدار الأحكام على الأوضاع الاجتماعية في كل عصر وإنها \"تعمل كمدرس الحقيقة للإنسانية، ولها الحق والواجب في التكلم عن القضايا السياسية والاجتماعية التي تؤثر على الناس\". وبالتالي أصدر البيان أحكاما وأطلق نصائح للجهات المختلفة، سنتطرق لها لاحقا. ومن جهة أخرى انتقد البيان أن الإسلام لا يزال مصدرا للتشريع في الشمال. وبرأينا أنه إذا كان من حق الكنيسة إصدار الأحكام على المجتمع، فإنها ستطلب أن تكون مصدرا للتشريع في أمور كثيرة كما تفعل الفاتيكان التي تتبع لها الكنيسة. فإنها مثلا تحرم الطلاق، وتعدد الزيجات، والشذوذ الجنسي، وغير ذلك من الأمور، وهذا تشريع. وإذا قلنا إنه لا خلاف حول أن أي دين لديه دوائر أحوال شخصية هادية للتشريع، فإنه يجب أيضا نفي الخلاف في أن قيم كثيرة أخلاقية مثل الوفاء بالعهود والصدق والنزاهة صارت تحكم الأداء في الدوائر العامة وللدول، ولها جذور دينية وروحية لا تنكر. ونحن لا نريد أن نخوض في الواقع العملي للدول التي تعلن العلمانية في الغرب، إذ يكفي ذكر أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أعلن في 2001م \"مبادرة إيمانية\" لتمويل المنظمات الدينية من الحكومة ولخلق \"شراكة\" بين الدولة وبين الدين، وأن مجموعة من القادة الأوربيين الكبار أصدروا ما سموه إعلان المبادئ الأوربي، دخلت المسيحية طرفا في بنوده. وبالرغم من ذلك فنحن نؤيد رفض ما يحدث في الشمال. على أن المرفوض لا ينبغي أن يكون اتخاذ الإسلام مصدرا للتشريع، ولكن المرفوض أولا فيما يحدث في الشمال الآن هو أن يفرض ذلك التشريع على غير المسلمين، وثانيا أن يتخذ تلك الرؤى المنكفئة والتي تمثل رؤية الحكام الشائهة للإسلام فيغمطون النساء حقوقهن، ويفرخون العنف والإرهاب على أنه تقوى لله، ويجعلون الدين الإسلامي مناقضا للعقل والتسامح وللعدالة فكم اتخذت تحت رايات هذا التشريع الإسلامي سياسات التمكين للبعض والإفقار للآخرين، وغير ذلك من موبقات ارتكبت باسم التشريع الإسلامي في السودان. هذا هو المرفوض، والمرفوض جدا.
متعلق بذلك قضيتنا الثانية حول التعايش في دولة غالبيتها مسلمة وبها أقليات مسيحية ومن أديان أفريقية محلية. وهي من الأمور التي تعرض لها البيان في نقده المذكور للتشريع الإسلامي في الشمال باعتباره \"يؤثر سلبا على حقوق الجميع، وخصوصا غير المسلمين\". وفي حديثه حول الوحدة الوطنية وتأكيده أن السودان بلد متنوع الثقافات والإثنيات والأديان بينما ظل كيان واحد مهيمنا مهمشا البقية، مؤكدا أن الوحدة ينبغي أن تقوم على احترام حقوق الجميع وكرامتهم قال البيان \"إن الوحدة التي تــُلزم وتضطهد وتحظر كل معارضة، والوحدة التي تفرض التوحيد وتدين أصحاب العقائد والثقافات الأخرى، ينبغي رفضها\". وحينما تحدث البيان عن المطلوب إذا كانت الوحدة هي ناتج الاستفتاء قال: \"في حالة أن وحدة السودان هي النتيجة المشروعة للعملية، فإننا ندعو أصحاب السلطة لتغيير في وجدانهم من أجل تحقيق وحدة وطنية تضم الجميع في مجتمع عادل وحر ومفتوح، حيث تتم حماية واحترام كرامة كل المواطنين\". وبرأينا أن مراعاة هذه المطلوبات لا تكمن في الإجابة السهلة باتخاذ العلمانية كطرد للدين من الحياة، ولكن بتحديد الحدود بحيث لا يتعدى دين على حدود الآخر، وبحيث تضمن حرية التدين والتشريع للمسلمين في ذات الآن الذي يتاح فيه للكنيسة أن تكون هاديا لأتباعها حتى في الشئون العامة والسياسية على النحو الذي وصف به الراحل قرنق دور مجلس الكنائس، بدون أن يؤدي ذلك لاشتعال الفتن وغمط الآخرين حقوقهم أو انتهاك حقوق الإنسان في الكرامة والعدل والمساواة والسلام. مثل هذا التخطيط ممكن بل هو واجب: البروتوكول الديني الذي نادى به حزب الأمة وطالب بإلحاقه باتفاقية السلام مثال على ما يمكن فعله.
نواصل بإذن الله

وليبق ما بيننا

مؤتمر الأساقفة الكاثوليك (2-2)

رباح الصادق المهدي
[email protected]


الاستفتاء وتوبي مادوت

في المرة السابقة تعرضنا لقضيتين وردتا في البيان الصادر عن مؤتمر الأساقفة الكاثوليك بجوبا في 22 يوليو الماضي هما دور الدين ورجاله في السياسة وأسس العدالة في بلد متنوع الثقافات، ونواصل اليوم حول ما جاء بشأن الاستفتاء، والجدل الذي سببه البيان، تحديدا تعليق القيادي الجنوبي المخضرم توبي مادوت وما تلاه من تعليقات.
كان البيان قد وقف في البداية على الأسباب الجذرية للنزاع في السودان: هيمنة كيان واحد في مجتمع متعدد، والمركزية العالية التي تهمش الأطراف. وذكر أن هناك تقدم قليل منذ اتفاقية السلام بشأن بعض مشاريع إعادة الإعمار في الجنوب والمناطق الثلاث، ولكنه ذكر مشاهد بائسة في الشمال متمثلة في استمرار الحرب في دارفور، والتشريع الإسلامي في الشمال (وقد شرحنا أن البائس فعلا ليس مجرد التشريع الإسلامي ولكن ذلك التشريع الإعرج بيدي \"الإنقاذ\" الذي هزم مقاصد الشريعة وفتت البلاد وأذل العباد)، وتدهور مناخ حقوق الإنسان مشيرا بالذات لقانون قوات الأمن الوطني، وما تتعرض له منظمات الإغاثة من تقييد وخطف وطرد. كما أشار لمشاهد بائسة في الجنوب تتمثل في ضعف الحكم المؤدي للفساد والمحسوبية وعدم احترام حقوق الإنسان ومضايقة منظمات الإغاثة، وتدخل البعض بالفتنة استغلالا للانقسامات هناك، والعنف الضارب واستمرار غارات جيش الرب، واستمرار معاناة الناس من نقص الغذاء والخدمات الأساسية. وبعد أن تعرض لمعاني الوحدة والانفصال، تطرق البيان لعملية الاستفتاء المزمع في 9/1/2011م وقال إن الوقت المتبقى قصير بدرجة مؤلمة لا تناسب المهام المتبقية معبرا عن قلقه من أن الشريكين لم يضعا للاستفتاء الأولوية المطلوبة وأن العملية تفتقر للشفافية والشمول. تطرق البيان لجوانب التأخير في تكوين المفوضية التي بدأت عملها بالكاد، وفي ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب الذي لم يكتمل، وفي وضع القواعد والإجراءات اللازمة لتنفيذ الاستفتاء، وفي إنشاء اللجان العليا للاستفتاء بولايات الجنوب، وفي عدم توضيح أسس أهلية الناخبين بعد، وبالتالي عدم إعداد السجل الانتخابي وإعداد بقية المواد الخاصة بالاستفتاء، وتأخر عملية التثقيف والتوعية وهي مربوطة بتحديد كل ما ذكر.
وبالإشارة لأن الاستفتاء لن يكون قانونيا إلا بتصويت 60% من الناخبين المسجلين فإن البيان تخوف من \"أن يؤدي هذا الشرط المتعلق بإقبال المقترعين إلى الفوضى والتلاعب\". وأردف: \"إن تسجيل الناخبين المقيمين خارج جنوب السودان يمثل مشكلة حقيقية في تأسيس أهلية الناخبين وضبط شرعية هذه العملية\".
عبر البيان عن قلقه بشأن المناطق الثلاثة: بالنسبة لاستفتاء ابيي ذكر البيان عدم رضا بعض المجموعات حول ما اتفق عليه من حدود وتحديد لأهلية الناخبين، أدى لاندلاع عنف يخشى أن يتزايد. وبالنسبة لجبال النوبة والنيل الأزرق رأى البيان أنهما لم يعطيا حق تقرير المصير أسوة بأبيي بالرغم من ارتباط كثيرين فيهما بالجنوب، وتخوف من تجدد العنف أيضا إذا لم تلب المشورة الشعبية والتي لم توضح بشكل جلي بعد \"طموحات قسم كبير من سكان هاتين المنطقتين، الذين لن يكون لديهم خيار سوى البقاء تحت حكم الشمال\".
ورحب البيان بتكوين الشريكين لهياكل للتفاوض حول ترتيبات ما بعد الاستفتاء، ولكنه انتقد تأخر تكوينها وعبر عن قلقه من \" عدم إشراك الكنيسة والمجتمع المدني والجهات الفاعلة الأخرى، مما يمكن أن يؤدي إلى انعدام الشفافية والشمول.\"
جاءت في البيان دعوة للعمل وجهت للقيادة في الشمال والجنوب لتأكيد قيام استفتاء الجنوب وأبيي في وقتهما وبنزاهة، ولقادة عملية الاستفتاء لاتخاذ التدابير اللازمة، وللمجتمع الدولي للمساعدة اللوجستية والتقنية والتشغيلية للاستفتاء ومراقبته \"من البداية للنهاية\" وضمان تنفيذ النتائج والتوسط لدى حدوث أي خلاف، وللناخبين الجنوبيين للمشاركة في التصويت، وللمراقبين المحليين والدوليين ليهتموا بعملية التسجيل خاصة للمقيمين خارج الجنوب.
أشار البيان في حال الانفصال لضرورة علاقات حسن جوار، والحل الودي لمسائل المواطنة وقضايا الحدود. وفي حالة الوحدة أن يحدث \"تغيير في القلب\" لدى الحكام في الشمال لتكون الوحدة على أساس كرامة الجميع. كما دعا السلطة في الشمال لاحترام حرية وحقوق الإنسان بما فيها حرية الدين، ومخاطبة مخاوف الجنوبيين في الشمال بتحقيق الأمن البشري والرفاه. ودعا السلطة في الجنوب لاحترام حقوق الشماليين في الجنوب، وللحكم الرشيد، ومحاربة الفساد والمحسوبية، وزيادة تقديم الخدمات الأساسية، كما دعا الجميع لإنهاء العنف.
وفي النهاية ألزم القساوسة الكاثوليك أنفسهم وكنيستهم \"بالعمل من أجل بناء السلام والمصالحة على أساس يومي وعملي، وذلك بالتعاون مع الآخرين، وتمشيا مع التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية\". وتعهدوا بالسير في رحلة مع شعبهم لتحقيق سلام عادل ودائم.
لقد اعتبر بيان الأساقفة الكاثوليك –بحق- خطوة باتجاه الدعوة الكنسية المباشرة للتصويت للانفصال. لأن البيان وهو يدعو شعب جنوب السودان للحياة وللأمل أشار ضمنا لأن الوحدة في الوضع الحالي لن تعني حياة ولا أمل! ولهذا سارع القيادي الجنوبي رئيس حزب سانو دكتور توبي مادوت في استنكار ما رآه انحيازا للأساقفة لطرف في الاستفتاء. وكان مادوت قد أعلن في وقت سابق دعمه للوحدة. إنه طائر في غير سربه في الجنوب لأن النخب صارت تسير حثيثا باتجاه الانفصال وصاروا ينظرون بتشكك كبير في كل من يرفع راية الوحدة من الجنوبيين وكأنه أكل أموال النفط من جيب المؤتمر الوطني! هذا، بينما مادوت بعيد عن المؤتمر الوطني وقد انضم لجبهة القوى الديمقراطية (جاد) التي حملت مشعل معارضة النظام من قبل وإن كان أبرز قادتها –الأستاذ غازي سليمان- قد فاضل –بعد أن ناضل- ما بين ذاك النضال وبين ما بحوزة المؤتمر الوطني مما يلقم البقال والغسال! الشاهد، طالب مادوت الكنيسة أن \"تأخذ دورا قياديا في تعزيز الوحدة والسلام\". وهو لم ينكر أبدا تدخلهم في الأمور السياسية إذ قال إن عليهم المساعدة في الوعظ من أجل السلام وتقديم التوجيه الروحي للأمة.
مباشرة بعد تعليق مادوت الذي نشر في 25/7/2010م، كتب خمسة من أساقفة الكنيسة الأسقفية في أبرشيات مختلفة بولايتي غرب الاستوائية والبحيرات، خطابا انضموا فيه للأصوات الداعية لعقد الاستفتاء بدون تأجيل، كما انتقد الخطاب بعض الممارسات السياسية والتناحر بين الأحزاب ودعوا قادة الأحزاب للكف عن تجييش الشباب في الخلافات والكراهية القبلية، وأن تنخرط الأحزاب في العمل المشترك. وبحسب موقع سودان تربيون فإن \"الدعوة إلى تحسين العلاقات السياسية بين الأحزاب السياسية من قبل القادة الدينيين جاءت ردا على الدعوة التي وجهها سانو لزعماء الكنيسة بالكف عن ممارسة السياسة الحزبية لكن الوعظ برسائل من شأنها أن تعزز السلام والوحدة\".
لكن ذلك لم يكن الرد الوحيد الذي تلقاه مادوت، مدافعا عن الوحدة في هذا الزمان الجنوبي الذي لم يعد يحتمل! لقد امتلأت المنابر الجنوبية بالنقمة على توبي مادوت.. وتكسرت في نحره النصال بالنصال. من ذلك مقال كتبه طبيب مقيم بالمملكة المتحدة هو د. جاستين أمباقو رامبا، يشير لدكتور توبي \"بالعم\" ومع اعترافه بأن توبي مادوت مخضرم وأسبق منه في ممارسة الطب وفي السياسة، لكنه ملأ مقاله بالقدح في منطق الدكتور توبي الداعي للوحدة. نشر هذا المقال في موقع سودانيز أون لاين بعنوان (الدكتور توبي مادوت يفضل مواطنة من الدرجة الثانية مضمونة على استقلال مجهجه لجنوب السودان)، رأى رامبا ألا داعي للتشاؤم بشأن الجنوب إذا انفصل فالحكم في الجنوب ليس بالضرورة حكم الحركة الشعبية الذي جزم بفشله الحالي. وعدد المعارضين لانفصال الجنوب رافضا لمنطقهم قال: (لقد اعتبر علي عثمان طه انفصال الجنوب قفزة في الظلام، وتوقع غيره أن تحدث العواصف الرعدية والزلازل الأرضية، والأوبئة والمجاعات والفيضانات وجميع أنواع الكوارث في دولة جنوب السودان المستقلة. إن حزب سانو وقيادته تخرج علنا اليوم لتذكيرنا بهذه السيناريوهات المروعة من جديد. وكما لم نقبل ذلك من الدكتور لام اكول ، وعلي عثمان محمد طه، وخافيير سولانا ، وبان كي مون، وجان بينغ، وإدريس ديبي، واسياس افورقي والقائمة يمكن أن تستمر لما لا نهاية... نرى أيضا أن ما قاله العم توبي مضلل. وبالنسبة له يمثل انضماما لمعسكر العدو بإعلانه أن الجنوب لا يمكنه حكم نفسه بنفسه أو العيش إلا في ظل سودان موحد، مما يخالف رغبة الملايين في جنوب السودان الذين يرون الخلاص فقط في الانفصال).
نعم إن موقف \"العم توبي\" موقف ضد التيار العام في الجنوب. ولكنه موقف شجاع، وسيذكره الجنوبيون يوما ما والشماليون، لأنه قال كلمة الحق وسط كل الهرج الذي ساد ويسود الآن في الشمال والجنوب، بدون أن تدفعه الدنانير، أو يكممه الخوف من سطوة الرأي العام الجنوبي العارم. روي عن السيد سلفا كير إنه قال لقادة قوى الإجماع الوطني (ببعض شمارات شمالية على حد تعبير السيد ثروت قاسم): إننا بالأصل وحدويون، وقد قاتلنا الانفصاليين في صفوفنا حتى قتلناهم، ولكننا الآن لا نستطيع أن ننبس ببنت شفة عن الوحدة لأن زمانها في الجنوب قد فات وغنايها قد مات بعد كل ما جرى لنا من بين يدي المؤتمر الوطني وما يجري، كلنا الآن ننتظر الانفصال!
هذه الوحدوية في الحركة الشعبية صارت الآن محط نقمة نراها في مقال الطبيب المذكور إذ رأى كل الساسة والأحزاب الجنوبية تلحن قولها حول الانفصال أحيانا وتنادي بالوحدة!
ما رآه ذلك الشاب المتمسك بالانفصال لجلجة تنتظم الساسة الجنوبيين والأحزاب الجنوبية، هو في الحقيقة عاكس لأن الوضع الطبيعي في الجنوب لم يكن الدعوة للانفصال بل للوحدة، وأن الساسة الجنوبيين في أصلهم وكذا المواطنين وحدويون، ولكن حدث عارض غيّر ذلك الاتجاه وجبه رأسا على عقب اليوم بحيث صار حادي الوحدة في الجنوب منبوذا كصالح في قومه! هذا العارض مهما طالت سنونه وقتي، ولكن في أوانه وليس أي وقت آخر سيكتب على تاريخ أمتنا كتابة نهائية بالقلم الحبر: وحدة أو انفصال، هذا مع أنه ليس أوان قرارات مصيرية، إنه أوان يشبه في أحسن حالاته آلام المخاض حيث تقول المتوجعة من فرط الألم: ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا! وفي أسوأ حالاته يشبه حالة الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت وصار باطن الأرض خير من ظاهرها. أما المتوجعة فتنتظر جنينا قادما، وأما الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فبفعل أيديهم، وبدون رحمة الله تستمر عليهم الآلام! لا يمكن أن تتخذ المتوجعة أو يتخذ النادم الآيس قرارا مصيريا في حالتهم تلك، وقديما قالت العرب: لا رأي لحاقد ولا حاقن ولا حابق.
إننا نزمع أن نفرد حديثا قادما حول مفوضية الاستفتاء وما غرقت فيه حتى الآن أو بعض أعضائها من خطل التلويح بالتأجيل والدخول في مهاترات جانبية لا تسمح بها مهمتهم.. حديثهم وحديث آخرين حول تأجيل الاستفتاء لملاقاة مطلوبات لوجستية معينة يتعامى عن أن الحاقن لا يمكن أن يؤجل له زمان الذهاب للمرحاض! لا مناص من عمل كل اللازم ليكون الاستفتاء في زمانه، لكن لو كان في هذه البلاد عقل في شمالها أو جنوبها، فإن علينا البحث عن صيغة يمكن أن يتكرر فيها الاستفتاء بعد سنين قادمة (كما يحدث في إقليم كيوبك بكندا مثلا) بحيث تتاح للجنوبيين فرصة تحديد موقفهم من الوحدة والانفصال في زمان آخر، لا يكون فيه هذا العارض الآني الغشوم موجودا في حكم الشمال. وحينها سنعلم هل فعلا الجنوبيون انفصاليون أم لا؟ أما الاستفتاء القادم فإنه لا يجيب على التساؤل حول الموقف من الوحدة أو الانفصال، إنه يجيب على السؤال: هل ترغب أن تكون إنسانا كامل الكرامة فلا يفرض عليك دين ليس دينك وثقافة ليست ثقافتك، ولا يقال لك عبد وقد ولدتك أمك حرا؟ من سيجيب على هذا التساؤل بلا؟ قال الأستاذ كمال عمر: لو خيرت داخل بيتي في استفتاء هل أتبع لحكومة المؤتمر الوطني أم انفصل في بلاد مستقلة لاختار أهل بيتي بلدا مستقلا!
وليبق ما بيننا.

الأحداث


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1886

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#18299 [ماجوك]
0.00/5 (0 صوت)

08-25-2010 01:23 PM
أشكرك على جهدك المتواضع حول الخلاصة التى توصلتما له أنت و الدكتور توبى مدوت بأن بيان الكنيسة الكاثلوكية هى دعوة مباشرة لسكان الجنوب للتصويت للأنفصال ... ذلك حق لأن صوت الكنيسة هى الحق وعلى الجنوب التوجه نحو الحق وهى الأستقلال عن الباطل ..الأخت العزيزة لا مفر لنا ونحن مجبرون على اختيار مصيرنا لنحفظ حقوقنا ونتطلع لجنوب أمن ومستقر يؤمن بالتعددية الدينية و العرقية.............. الخ.


رباح الصادق المهدي
رباح الصادق المهدي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة