المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
حول مصارحة المريض بحقيقة مرضه
حول مصارحة المريض بحقيقة مرضه
02-12-2012 08:32 AM


حول مصارحة المريض بحقيقة مرضه

بدور عبدالمنعم عبداللطيف
[email protected]

عدد غير قليل من المارة وأصحاب المحال التجارية في ذلك الشارع الهادئ من المدينة الأوروبية استوقفهم منظر تلك الفتاة الشقراء ذات الخمسة والعشرين ربيعاً، وهي تمرق كالسهم من إحدى العيادات ثم تعدو بأقصى سرعتها وقد تجمع رعب الدنيا كله في عينيها ، وأخيراً .. وبعد أن بلغ منها التعب والجهد مبلغه وتصببت عرقاً اقتحمت قسم الشرطة لتستغيث قائلة: «هناك شخص يريد قتلي».

وبسؤال الضابط: ولماذا يريد قتلك؟ تجيب الفتاة بآخر شيء توقعه الضابط أو صادفه خلال سنوات مهنته الطويلة: «لأنني طلبت منه ذلك».

وتبخر حماس الضابط وخبت حاسته الاستخبارية بعد أن تأكد لديه أنه أمام حالة جنون ينبغي إيداعها مستشفى للأمراض العقلية.
وكأنها قد قرأت أفكاره، فرجته ألا يفعل قبل أن يسمع قصتها.

قبل عدة أشهر كانت تحس ببعض الآلام في معدتها مما دفعها إلى استشارة أحد الأطباء، وبعد الفحص وإجراء التحاليل أخبرها أن ما تعاني منه داء خبيث استشرى في باطنها وأنه لن يمهلها سوى أشهر قليلة.

كان وقع الخبر عنيفاً في البداية ارتجّ له كيانها كله وتزلزل، ثم ما لبثت وبعد أن استوعب عقلها الأمر وامتص وجدانها الصدمة ، أن باعت شقة تملكها وأخذت تصرف النقود بلا حساب فى الحانات والبارات، ولكن ذلك النوع من الهروب لم يلبث أن استنفد أغراضه ووجدت نفسها لا تستطيع أن تتجاهل المصير المؤلم الذي أخذ موعده يقترب شيئاً فشيئاً، فانهارت أعصابها وقررت أن تضع نهاية لكل عذاباتها. ولما كانت لا تقوى على فعل ذلك بنفسها فقد اتصلت بأحد القتلة المأجورين وطلبت منه أن يقوم بذلك مقابل مبلغ معين على أن يتحين الوقت المناسب.

وذات صباح مشرق جميل وجدت نفسها تتجول في الأسواق بحيوية ونشاط فتملكها احساس بالتفاؤل دفعها لان تعرض نفسها على طبيب اخر
وبعد سلسلة من الفحوصات والتحليلات وصور الأشعة اتضح أن ما كانت تعاني منه لا يعدو أن يكون قرحة في المعدة.

ولن أُرهِق ذهن القارئ في تصوير إحساس الفتاة بعد ذلك، أو الإجراءات القانونية التي اتُخِذَت حيال الطبيب الأول والقاتل المأجور، فذلك الحدث قد تناولته الصحف الغربية قبل عدة سنوات.


في الآونة الأخيرة ومع تقدم الطب في علاج الكثير من الأمراض المستعصية وفشله في بعضها، ظهرت نظرية في الغرب تنادي بضرورة مصارحة المريض بنوعية مرضه خصوصاً إذا كان المرض في مراحله الأخيرة، ليأخذ للأمر عدته من حيث ترتيب وضع أسرته المادي أو الاجتماعي إذا كان رب أسرة أو غيره، ورغم ما تحمله هذه النظرية من قسوة إلا أن أنصارها ومؤيديها في الغرب يدافعون عنها بحرارة بحسبان أن الموت حقيقة ثابتة وواقعة وإن ظل ميعادها مجهولاً. بينما يرى البعض أن إخفاء طبيعة المرض عن المريض قد يكون له جانب إيجابي لأن ارتفاع الروح المعنوية له أثر كبير في مقاومة المرض.


ومما دفعني لطرق هذا الموضوع الانتشار المفزع للسرطان الذي لم يسلم منه المرضى من مختلف الفئات العمرية في كافة بقاع العالم. والآن مع تقدم الطب استجابت حالات كثيرة للعلاج وشُفي المريض شفاءً تاماً وذلك بالطبع فى حال اكتشاف المرض مبكراً.وإذا كانت لم تتهيأ لي فرصة معرفة شعور شخص أو ردة فعله وهو يعلم أن أيامه قد أصبحت في حكم المعدودة، ولكني أتخيل أن سلوك الناس تجاه أمر كهذا قد يتباين تبايناً ملحوظاً ليأخذ هذا التباين شكل التطرف في كل الحالات. فهنالك من يسلم نفسه للمهدئات أو للكحول كفتاة القصة، ومنهم من يعتزل الناس وينقطع بكامله للعبادة مهملاً شؤون أسرته. كما قد يكون هناك النوع الذي يتعاظم إحساسه بواجبه ومسؤوليته تجاه أسرته – لا سيما إذا كان معيلاً لأسرة - فتجده يبذل جهده حتى يحقق لهم أكبر قدر من المكسب المادي قبل رحيله \"المعلوم\"، إلى جانب الشخص الذي يورثه هذا الوضع حالة من السلبية تجعله قابعاً في سريره لا يفعل شيئاً سوى انتظار الموت.. وأنماط أخرى كثيرة وكلها تلتقي في نقطة واحدة، وهي التعامل مع الحياة من زاوية واحدة فقط.

وهنا تكمن حكمة الخالق عز وجل أن جعل أجل الإنسان في حكم الغيب مثله مثل مولده ورزقه إلى آخر الأشياء التي تتصل بحياته وذلك حتى يستقيم دولاب الحياة.

وأخيراً كانت هنالك حالات ميئوس منها تماثل أصحابها للشفاء في ظروف أشبه بالمعجزة ولم يجد الطب لها تفسيراً سوى أن قدرة الله تتضاءل دونها كل القدرات.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1248

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدور عبدالمنعم عبداللطيف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة