المقالات
السياسة
بيانات وإعلانات واجتماعيات
الموضوع/ إستقالة من عضوية منبر السلام العادل .
الموضوع/ إستقالة من عضوية منبر السلام العادل .
02-16-2012 08:41 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

التاريخ : 13/2/2012م
السيد/ رئيس منبر السلام العادل .

السلام عليكم ورحمة الله تعالى

الموضوع/ إستقالة من عضوية منبر السلام العادل .

انعدام المؤسسية في الكثير من الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية ، أضحى امراً لا يدعو للعجب والاستغراب ، وذلك لعدم إمتلاكها لآليات التصحيح وإنعدام الموضوعية في تطوير نهجها ، بسبب تركيبتها وطريقة نشأتها .. فلا تقبل النقد ، على الرغم من أن النقد فعل ايجابي بغرض التصحيح والتقويم السليم لاى تجربة . إلا أن كل القوى السياسية السودانية لا تتحمل النقد الهادف للتقويم ! وتخلط بقصد أو من دونه بينه وبين النقض ، الذي هو فعل سلبي يعمل على تقويض الجهود وهدم التجارب .. إننا نحتاج اليوم وليس غداً إلى تشجيع كل المجموعات السياسية ، لكي تتبنى النهج المؤسسي القائم على الحوار ، وممارسة قدر من الشورى والديمقراطية حتى تستطيع أن تنمو بطريقة سليمة معافاة من الأمراض التي أصيبت بها تنظيماتنا السياسية التاريخية طوال السنوات الماضية ، وليست تلك العمليات التجميلية التي لا تقترب من جوهر الشورى والديمقراطية ، فمازالت الشلليات وأصحاب الغرض والمصالح هم الذين يخططون ويسيطرون ويستخدمون الآخرين لإكمال المظهر الشكلي ، بدعوى ممارسة الشورى .. لذا فإن كل أحزابنا في كثير من الأحيان تلهث خلف الأحداث فلا تدركها .. لانعدام المؤسسية والقنوات التنظيمية الحقيقية التي كانت ستمكنها من القيام بواجباتها إن أتاحت الفرصة لذوي الكفاءة والمقدرة ! وليس الإنتهازيين ومحدودي القدرات .. كما أن نهجها القائم على إصدار الأوامر والفورمانات الأبوية ، وإدارة الأحزاب بطريقة ( التجار ) هي التي قادت البلاد إلى هذا الدرك السحيق .. مما ساعد على تفشي القبلية والعنصرية في مجتمعنا السوداني .. ويأمرنا ديننا الحنيف التحلي بروح التسامح والعفو ومكارم الأخلاق ، ومحاربة كل ما يفسد المجتمع مثل العنصرية والتي قال سيد البشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها : \" دعوها فإنها منتنة \" .
لكي نضع أقدامنا على أول عتبات الإصلاح والتصحيح ، لابد من الاعتراف بالوضع الراهن الذي أصبح أمراً واقعاً لا يمكن إنكاره .. وترك عقلية الوصاية وادعاء إمتلاك الحقيقة المطلقة .. إن تلك النظرة الانتقائية التي تحاول أن ترى جانباً واحد من المشهد الموجود بالساحة السياسية السودانية ، هي إحدى أوجه القصور الذي يصيب تفكير الكثير من النخب المثقفة والسياسية ، مما أفقدها بوصلة الاتجاه الصحيح . ويجعل كثير من استنتاجاتها وأفكارها تحمل قدراً كبيراً من التهويم ومغرقة في الأحلام ، التي لن يبرحوها إن لم يغيروا منهجهم التحليلي العقيم .. الذي أدى إلى تأجيج الكراهية والتباغض بين ابناء الوطن بدلاً عن الإصلاح بينهم .
عندما نال السودان إستقلاله عام 1955م ، كان عدد سكانه 10.292 مليون نسمة ، وفي تعداد 1973م ، وصل إلى 14.113 مليون ، وأخيراً في تعداد عام 2008م ، كان عدد سكان السودان هو 39.154 مليون ، منهم 8.260 مليون جنوبي ذهبوا إلى دولتهم .
أن عدد السكان الذين تقل أعمارهم عن 58 عاماً في سنة 2012م ، يمثلون نسبة 73.7% من عدد السكان الكلي ، أي هنالك 28.862 مليون ( ولدوا بعد 1955م ) . وعلى حسب التعداد السكاني لعام 1973م و2008م ، نجد أن 54.3% من السكان تقل أعمارهم عن 40 عاماً ويقدر عددهم بـ 25.041 مليون . عندما نحذف كل سكان دولة جنوب السودان ، نجد أن عدد سكان دولة شمال السودان يقدر عددهم بـ 30.894 مليون يمثل الذين تقل أعمارهم عن الـ 40 عاماً 16.781 مليون بنسبة 54.3% من عدد السكان الكلي . بإفتراض أن نسبة الوعي والتفاعل مع الشأن العام تكون عن سن 18 سنة . يمكننا أن ندرك بجلاء شديد أن أكثر من 73.7% من السكان ، تفتح وعيهم أثناء الفترة المايوية وماصاحبها من تقلب فكري وإيدلوجي ، من أقصى اليسار إلى أقصي اليمين ، ثم جاءت الفترة الديمقراطية الثالثة ، وما صاحبها من عبث وإستهتار وبحث عن مصالح حزبية وشخصية بلغ بها الوطن الحضيض الذي أفضى إلى الإنقاذ .. خلال كل هذه الفترات ، والتي تمثل كل منها تجسيداً لحالة الفشل المستمر ، في تقديم وبناء نموذج وطني صادق يمكن أن يستقطب هذا المجموع الكبير من أبناء الوطن .؟ ليعمل على بناء دولة مسلمة حديثة ينعم فيها الجميع بحياة كريمة ، يفخرون بالإنتماء إليها .. ولكن كانت جميع هذه الأنظمة الأبوية أو الإنقلابية تهدر كرامة الإنسان .. فقد حق قول الله تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ صدق الله العظيم الأحزاب : 72 . بل خلال كل هذه الفترات كانت مراحل فراغ وجدب فكري كامل ، خاصة بعد سقوط وتكشف الكثير من الدعاوى الفكرية ، المتبناة بواسطة اليمين أو اليسار وظهر فيها مقدار المفارقة بين الشعارات والأفكار ، ومخالفتها للواقع ، فلم تكن سوى وسائل وليست غايات ، وإستغلال المواطن ، سلم للوصول والتربع على قمة السلطة .. يتم بعدها تجاهل المبادئ والقيم التي شنفوا أذاننا بها ، ولكن يتم العودة إليها عندما تحدث الخطوب والملمات فينفض عنها الغبار لإعادة إستغلال العقل الجمعي .
خلاصة القول أن هناك أكثر من 54.3% من أبناء دولة السودان الشمالي تقل أعمارهم عن الـ 40 عاماً تكشف لهم زيف التنظيمات السياسية وضحالة رؤيتها وسذاجة أفكارها ، لا فرق بينها سواء أن كانت يسارية أو يمينية أو تدعي الوسطية ، كل هذه الكيانات عاجزة عن تقديم أي شئ ، بل هي أعجز من أن تساعد نفسها وتجمع صفوفها أو أن تقنع أعضاءها بخطاب ، ناهيك عن إقناع هذا العدد الكبير من أبناء السودان ، الذين إكتشفوا أن هذه الأحزاب ليست أكثر من متردية ونطيحة وما أكل السبع ..
هذه هي الأغلبية الصامتة التي تنتظر من يقودها ويجمع صوتها ، ويعبر عن ما بداخلها حقاً لا كذباً فيه أو نفاق .. ولكن يحاول الجميع التحدث باسمها وإستغلالها ..!؟
يقول الله تعالى في محكم تنزيله ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) صدق الله العظيم ، آل عمران103 . إننا مأمورون بالإعتصام تحقيقاً لشرعه ونشراً لدينه وإتباعاً لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإقامة العدل بين الناس ، نتبع في ذلك صراطاً مستقيماً لا عوج فيه ، نقدم المثال الحق للمسلم الصادق النقي التقي الذي يجسد عظمة هذا الدين ، الذي جاء كافة للعالمين ولم يستثن احدا . ومن هنا فإن تعاطي العمل السياسي هو وسيلة لتحقيق شرع الله في الأرض ، وليس هدفاً من أجل تحقيق مطامع دنيوية رخيصة ، من سلطة أو مال .. ولكن لسوء الطالع أن السياسة والساسة لدينا في هذه البلاد المنكبوبة بأحزابها ، تعتبر السياسة وسيلة للثراء السريع ، وتحقيق مطامع ذاتية لبعض الأفراد أو الجماعات .. فهذا هو الخسران المبين ( يوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) صدق الله العظيم ، الشعراء 88-89 .
خلال السنة الماضية كنا نراقب حال المنبر ، نأمل أن ينصلح الحال ويعود الأمر لنصابه ، عندما رأينا البعض يؤسر المصالح الذاتية على المصلحة العامة ، تكشف لنا أن معظم من جاؤوا كانت قد تقطعت بهم السبل ، وضاقت بهم الظروف المعيشية ، وأغلقت في وجوههم أبواب السلطة وحزب المؤتمر الوطني ، تكالبوا على المنبر عسى ولعل أن يصيبوا شيئاً من متاع الدنيا الزائل ، ويحوزوا بعض الرضى ويتبدل عسرهم يسرا .. ولم يخب مسعاهم فتكالبوا على المال والمناصب ، كما الذئاب المسعورة .. لا نعيب عليهم ذلك !؟ إن كان ما يعملون عبره هو شركة خاصة ، أو مؤسسة لا تعمل للصالح العام ، ولا تريد أن تسوس أمر الناس في هذا الوطن .. لأبتعدنا وقلنا هذا شأن خاص .. ولكن أن نكون جزءاً من هذا البلقع الفكري .. فهذا لن يكون .. فقد إكتفى إنسان هذه البلاد من كل متسور للسلطة ، خاوي الوفاض إلا من بضاعة كاسدة يحاول أن يروجها ، عسى أن تحقق له أمنياته الخاصة من كسبٍ سريع وعاجل .. حتى يكمل منزلاً لم يستطع إكماله طوال سنين خدمته في الدولة ! أو يجمع أكبر قدر من الأموال ، وهناك أخرون تزينوا بالبدل وبالجلابيب ناصعة البياض حتى يكونوا معتمدين لمحلياتهم ، كأن المؤهل للحكم هو الملبس والشكل الخارجي .. لن نرفض احد أن كانت له برامج صالحة ، والقائمون عليها معافون من الأنانية المستحكمة ولؤم النفس والطباع .. ولكن عندما تتكرر نفس تلك النماذج القبيحة .. لن نقول هذا شأنهم .. فقد إكتفينا من الدهماء والغوغاء الذين يسعون لإدارة أمور الناس .. إبتعدنا عندما رأينا هذه النماذج تكافأ !! بدلاً عن محاسبتها عندما تكشفت الحقائق بالدليل القاطع .. ولكن خاب ظننا عندما رأينا قيادات الحزب تمارس الخداع والتضليل على المجموعات القبلية ، وتبذل وعوداً كاذبة بأن الحزب سوف يستجيب لطلباتهم بالتنمية والخدمات .. فلم ندر هل الحزب هو الدولة أم حزب الدولة ؟ فلم تتصدي لهذا العمل القبيح المضلل بل دعمته .. وهذه الأعمال لم تكن حادثةً عرضية ..!!؟ فقد كان مساعد الأمين العام ( الهارب ) يبذل الجهود ويضع الخطط لتشغيل الخريجين ، الذين جاءوا زرافات ووحدانا بسبب العطالة والامنيات التي وعدوا بها .. ولكن لم يحصدوا سوى السراب .. لماذا كل لحظة وحين يحاول كل منبت أن يتسلق جدار السلطة ليمارس الغطرسة والتسلط على المواطن المغلوب على أمره ..؟
إن إدراك صعوبة التوحد بين الشمال والجنوب كان إستقراءً موضوعياً ، لإنعدام الروابط التي تجمع بين الشمال والجنوب من معظم النواحي : دينياً ، إثنياً ، ثقافياً ، لغوياً ، وإن كان إجتماعياً قد اخذ في النمو والإزدياد تدريجياً .. كما أن إنعدام وجود تاريخ مشترك جعل إمكانية الوحدة والتعايش السلمي بين مكونات شمال وجنوب السودان ليست ممكنه .. وهي العناصر التي يقوم عليها بناء الأمة الواحدة .. ولكن لم تكن في يوماً دوافعاً إنتقامية كما أرادها البعض أو صورها الآخرون .. بل كان سعياً لإيجاد قاعدة إنطلاق جديدة .. فقد إنهكت الحرب الجميع ، وأهدرت الكثير من الموارد البشرية والإقتصادية . فلذا كان السعى لفصل الجنوب عن الشمال هدف سعى له الكثيرون ، وعندما دعمنا المنبر لتحقيق ذلك لم يكن لدوافع ذاتية أو أغراض شخصية إنما حفاظاً على الهوية .. لأن أخطاء الساسة المستمرة منذ الإستقلال وإلى يومنا هذا ، هي التي أوصلت البلاد إلى مرحلة حرجة من التفكك الإجتماعي والأخلاقي ، وإستشراء النعرات القبلية والجهوية والظلم والفساد وغيرها من الأمراض التي تؤدي في مجملها إلى إنهيار الدول والأنظمة .. إن هذا المستنقع الزلق الذي تغرق فيه البلاد الآن ، لن تخرج منه بأقل الخسائر والأضرار ، إن لم يكن هناك من يتحلون بقيم الدين وروح المسؤولية ، والتجرد في إدارة الشأن العام الوطني ، ويسمون فوق الانا والمصالح الضيقة ..
ظننا أن المنبر قد وعى الدروس المستفادة من التجارب السابقة .. وأنه يسعى حقاً لإحداث نقلة حقيقية ونوعية في ممارسة العمل السياسي ، ينهض بالبلاد ويقيها شر التفكك والإقتتال الأهلي الذي يحاصر المركز من معظم الإتجاهات .
يقول ( جوڤاني ) في تعريفه لفعالية الاحزاب : يكون الحزب مؤثراً ( عندما يستطيع مهما صغر حجمه أن يشكل عامل ضغط على الأحزاب الأخرى لتغيير مواقفها ) .. فعندما نشأ المنبر كحركة إحتجاجية على التنازلات الكبيرة التي قدمتها الحكومة في نيفاشا .. وتبنى المنبر الدعوة والتبشير بالإنفصال لم يأت بجديد .. فقد كان ذلك نبض المواطن العادي الذي ساءه أن تهدر إمكاناته البشرية والإقتصادية في حروب عبثية لا طائل من وراءها .. فمنذ أحداث توريت 1955م ، كانت هناك الكثير من الأصوات معبرة عن هذا الإتجاه ، ويكفي مثالأً على ذلك الأمر الشاعر الهادي آدم والبروفسور عبد الله الطيب عليهما رحمة الله .. وحتى في الفترة الديمقراطية قبل مجئ إنقلاب ( الجبهة القومية الإسلامية ) تنادت أكثر من مائة شخصية إجتماعية وسياسية بفصل الشمال عن الجنوب .. كما أن هناك قطاع كبير من أبناء السودان الذين عايشوا الحركة الشعبية ، إبان فترة ( التجمع الوطني الديمقراطي ) فقد تكشف لهم بصورة جلية وأدركوا إستحالة التعايش والوحدة بين الشمال والجنوب ، وذلك لأن الظروف الموضوعية الداخلية والخارجية كانت قد إنضجت الإنفصال على نار هادئة ، بسبب ضيق آفاق الساسة ورؤاهم القاصرة .. كما كان هناك دور حاسم لتغليب خيار الإنفصال ، هو يأس مقاتلي الحركة الشعبية من الحرب وتفضيلهم لخيار الأنفصال ، وعبروا عنه في 26/10/1996م ، عندما زار قرنق المعسكرات بأريتريا . لذا فيما يخص الإنفصال لم يأت المنبر بجديد .. سوى إتباعه القول بالعمل لتحقيق قناعة إتفق الناس حولها أو رفضوها . وسعى لتوضيح أفضلية حدوث الإنفصال بدلاً عن الوحدة ، وإن شابها كثير من عدم الموضوعية وإعطاؤها الصبغة الشخصية .. ولكن على الرغم من ذلك كان منهجاً جديداً في السياسة السودانية .. أن يظهر من يتبع القول بالفعل .. ومن هذا المنطلق جذب المنبر إنتباه الكثير من الناس ، وإن لم يتأطروا فيه .. وذلك بسبب أسلوبه الجديد هذا .. ولكن بعد مضي الكثير من الوقت ، إكتشفنا ! أنه ليس هناك من جديد ، نفس العقليات الخربة ، التي تسعى لبلوغ غاياتها الذاتية ، وجدت في المنبر ضالتها ، فكان هناك متسع لكل الرذائل التي يجيدونها ، من مؤامرات وفتن وما يعف عن ذكرها اللسان من صفات لا تليق بمن يحترم نفسه ، ناهيك عن من ينصب نفسه منافحاً وتياراً لجمع صفوف المسلمين ، يدعى الحفاظ على الهوية الإسلامية ، وتغيير المجتمع لجعله مجتمعاً نقياً يتمثل بأخلاق الإسلام ! كأن السودانيون لم يكونوا مسلمين من قبل ! إن الأشخاص هم الذين يجسدون القيم والمبادئ السامية عندما يجعلونها هي مرشدهم وهاديهم - لذا عندما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم قالت : \" إن خلقه القرآن \" - ومن عجب الامر أنهم لا يتمثلون بها ولا يمتلكونها \" إنما الأمم الأخلاق ... \" ، ورغماً عن ذلك ينصبون أنفسهم ( فراعنة ) عندما يفترضون بأنهم يمتلكون الحقيقة والمعرفة المطلقة ، أوصياء على الآخرين ، يقومون بتوزيع ( صكوك الغفران ) لمن يشاؤوا وتكفير من يشاؤون .. هنا يحدث خلل كبير في بناء المجتمع تستحيل معالجته .. أما إن كان النموذج الذي يسعى المنبر لتطبيقه هو نموذج الحركة الإسلامية الذي عايشناه خلال الإثنين وعشرين سنةً الماضية .. فقد إكتفينا منه تماماً .. فما أبعد النموذج المقدم عن كل ما يمتُ للإسلام بصلة ، بل لا يمتُ للقيم والأخلاق بأي علاقة .. فإعادة إنتاج هذا النموذج هو أمر مرفوض يجعل الفرد منا يتوقف ويسأل نفسه ، هل هذا الركام يستحق الوقوف إلى جانبه ؟ هل يستحق أن ينتمي الإنسان إليه ؟ هل يوجد ما يستحق أن يتلوث الإنسان من أجله ؟ والأجابة قطعاً لا .
إننا اليوم مواجهون بالعديد من الأزمات والمشاكل التي يكفي أياً منها بجعل السودان ينزلق نحو الصوملة .. وهذا ليس بغريب على السياسة المتبعة لإدارة الوطن منذ الإستقلال ومن مختلف ( النخب ) .. ثم جاءت الإنقاذ وزادت الأمور تعقيداً على تعقيد .. حتى بلغ اليوم مرحلة ( الكتلة الحرجة ) ، فقد إستنت الإنقاذ معاييراً قبلية لتولي الشأن العام وتولية أعضاء الشلليات ، بعيداً عن الكفاءة والمعايير الموضوعية .. في ظل هذه الإرتدادة الكارثية ، تمزق النسيج الإجتماعي أكثر واكثر ، وكان الإستنصار بالقبيلة والجهويات له صوت مدوي وحاسم .. وفي وجود الخطاب المنادي بإزالة التهميش والظلم من المناطق الطرفية ، والسير ( بالثورة ) نحو المركز لأخذ الحقوق عنوةً وإقتداراً .. وجد رواجاً وسار به الركبان حتى من المتعلمين وذلك لشئ في نفس يعقوب .. وتجاهلوا عن عمدٍ وغرض بأن جميع السودان مهمش .. فما نحتاجه هو النظر بحجم السودان بغض النظر عن الإنتماء القبلي أو الجهوي .. وأن لا يغلب الجميع مصالحهم الخاصة ، بل الإنفتاح على جميع ابناء الوطن .. من أجل خير الجميع .. ولكن الحساسية العالية التي توليها الدولة نحو إستمرارها والبقاء على سدة الحكم ، جعلتها تستجيب لأي حركة إحتجاجية مسلحة ، تأخذ الحجة الجاهزة المنادية بإزالة الظلم والتهميش ، إلا وتنبري لها الحكومة لترسل الوفود التفاوضية . ونجاح عمليات الإبتزاز تلك شجع الكثيرين على إتباع ذلك السبيل ! فهو أقرب طريق يوصلهم إلى السلطة والثروة .. إن ضعف الحكومة ونظرتها القاصرة في معالجة المشاكل والأزمات عمقت النعرات القبلية والجهوية إلى درجة يستحيل رتقها .. إننا لا ننكر بأن جميع المناطق الطرفية ، تعاني الإهمال وتجاهل المركز طوال السنوات التي أعقبت الإستقلال ، وهذا لم يكن إستهدافاً موجهاً نحو فئة أو مجموعة بعينها ، بل كان سلوكاً عاماً عانت منه جميع مناطق السودان .. لكن سلوك الدولة عقب المفاصلة بين الإنقاذيين ، والعداء الشديد بينهم والصراع على المغانم والكراسي أفرز حملة قوية إستخدمت فيها الآدوات الأخلاقية وغير الأخلاقية !؟ مما جعل الخطاب الجهوي والقبلي هو الأمر السائد . وزاد من الضغائن والاحقاد ممارسات بعض قيادات الدولة وإستئثار القلة من الأشخاص المنتمين إلى مجموعات شمالية بالوظائف والدولة .. جعل جميع المنتمين إلى الشمال والوسط مستهدفين ، بإعتبارهم جميعاً قاموا بظلم الآخرين .. هذا الوضع الشاذ ! جعل وضع السودان الآن بالغ السوء والتعقيد ، لا يمكن أن تحله عمليات الترقيع و( الإستهبال ) ..
إن الصراع المسلح وصل إلى درجة ستؤدي إلى تمزيق السودان بصورة لا شك فيها .. فالحزام الممتد من الغرب مروراً بجنوب دولة شمال السودان وصولاً إلى الشرق .. يبين بوضوح بأن الجميع سئموا من الإستغلال الذي يمارس عليهم .. وأن الجميع أصبحوا لا يخشون الحروب .. فكل قبيلة أو مجموعة لديها مسلحوها الذين يمكن أن تستنفرهم نحو المركز ، إن لم يكونوا قد توجهوا نحوه بالفعل ..
وما يعقد الأمر أكثر هو الخطاب الضعيف والمعادي ، الذي قدمه المنبر نحو المجموعات الإثنية الأخرى ، التي تصارع النظام وسلوكياته .. وهذا لم يكن ليحدث أن كانت هناك مؤسسات حقيقية ، إستطاعت صياغة خطاب وبرنامج سياسي حقيقي وموضوعي .. لمعالجة هذا الواقع المؤلم والمزري .. ولكن ضعف الكادر الموجود وإنتهازيته ، وضحالته الفكرية وسذاجة دوافعهم ، ومحدودية رؤيته وقصورها ، أقعدت بالمنبر تماماً عن تجنيب السودان الأوسط الشمالي ، الوضع القاتم الذي تلوح إرهاصاته في المستقبل القريب .. إن هذه المجموعة المسيطرة بدلاً من جعل المنبر جزءاً أو رائداً للحل والذي يقي الوطن مزالق الإنهيار والحرب القبلية والأهلية .. إندفع بكل عنف ليكون مؤججاً للأزمة ومعمقاً لها .. إلى درجة جعلت الجميع يتعامل مع المنبر بأنه منبر عنصري .. يعبر عن إثنيات محددة !!؟
بسبب تصرفات الحكومة والمنبر .. تحول أبناء الشمال والوسط إلى أعداء للجميع ، يسعون لإستهدافهم ( لجرم جره قلة من بنيهم ) .. وللأسف إن أضعف المجموعات الآن في السودان هي المجموعات التي تعيش في الوسط والشمال ، لتفكك روابطها القبلية لدرجة كبيرة .. فالقبيلة أصبحت مثل مظلة بمحطة مواصلات عامة يستظل بها الجميع .. لا تعبر عن روابط ومركزية قبلية كما نراه عند المجموعات الأخرى ، والتي مازالت تتمتع بسيطرة وحس قبلي طاغي ، يجعل كل أبنائها يهبون هبة رجل واحد عند الملمات .. كما أن لديها نظمها المقاتلة التي توفر لها الحماية ضد المجموعات الأخرى .. فهل هذا موجود بالشمال والوسط ؟ لذا القول بأن هذه المجموعة هي أضعف المجموعات السودانية ليس قول من باب الإفتراء .. فما كان أحوج الجميع إلى نظرة جديدة تستلهم الجميع ، تعلي المصلحة العامة ، تستوعب الآخر دون وصاية أو إستعلاء عليه ، أن ننشئ دولة القانون الذي يساوي بين الجميع ، فنتجنب الإقتتال والحروب الأهلية .
قال الله تعالى : ( انَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) صدق الله العظيم ، النساء : 58 .
كان يمكن للمنبر أن يكون بديلاً للجميع والخروج بالبلاد من وهدتها إن تحلى بروح المسئولية وتجاوز الرؤى الضيقة والأفكار الفطيرة .. وأتى برجال على قدر المهمة وليس بعض الأقزام .. كنا نظن بأن المنبر قد تخلص من آثار السنوات العجاف التي صاحبت مسيرة السودان منذ الإستقلال ، وإستطاع أن يخرج من التفكير المأزوم ، وسياسة ( عمال اليومية ) ، يعمل على تحليل الأحداث ومآلاتها .. وماهو متوقع حدوثه وكيفية تلافيه ، من أجل الخروج بالوطن وإنسانه إلى بر الأمان .. ولكن أهدرنا الوقت الثمين في معارك ( دون كيشوتيه ) ، إنصرفنا إلى الشتائم الموجهة إلى باقان وعرمان وغيرهم .. وظللنا ندور في تلك الحلقات الضيقة دون ملل .. وماذا إستفاد الوطن ؟ لا شئ ، بل خسر خسراناً مبينا .. وعندما تحقق الإنفصال .. مازلنا نعيش في أزمات متصلة .. لم يتحسبوا مطلقاً لتداعيات الإنفصال إقتصادياً ، إجتماعياً ، وسياسياً .. وذلك لضيق الأفق والإنصرافية ، والكم الكبير من الإنتهازيين والمطبلاتية .. فكان العجز هو العنوان الاوضح والفقر والجدب السياسي والفكري هو الأبرز .. لذا كان الحلم يإيجاد حلول تقي الشمال آثار الإنفصال هو ضرب من ضروب الخيال .. ففاقد الشئ لا يعطيه !!
كيف بحزب لا يمتلك برنامج سياسي موحد أن يقدم شيئاً للوطن ولإنسانه البسيط ..؟! كنا نعاني في الجامعات وعلى مستوى الخطاب السياسي عبر الصحف والندوات ، من تناقض الأفكار والحديث ، فكل متحدث يعبر عن مكنونات نفسه ، وأفكاره الذاتية يقوم بقولبتها لتتناسب مع الشتائم والأحاديث المكررة والممجوجة ، لماذا حدث ذلك ؟ لعدم وجود برنامج تجتمع عضوية الحزب حوله سوى شتيمة عرمان ، وباقان والإثنين الأسود ..
كما هو ديدن الإنتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة ، فهم يجيدون إستغلال الفرص والظروف ، يدغدغون أحلام الكبار في الإكتساح والسيادة المطلقة ، وإعطائهم الكثير من الهالات والقدسية التي جُبِلوا على كيفية صناعتها ، يصنعون فرعوناً بكل حزب .. يمنون قيادة الحزب بأنهم يستطيعون إكتساح إنتخابات الجامعات ، وماذا حدث بعد ان صرفت الأموال دون حساب أو مراجعة ؟ على الرغم من ذلك عجز الحزب عن إكمال قائمته ليقدمها في إنتخابات جامعة الخرطوم !!؟ وبعد هذا يحدثونهم عن الفوز والإكتساح ..!؟ وياللعجب فهم يصدقون !!
لكل ما تقدم وما سيأتي :
1- عدم وجود برنامج سياسي واضح المعالم وخطة عمل يركن إليها .
2- علو صوت الجهويات والقبليات بين العضوية .
3- الشلليات والأجسام الغرضية .
4- الصراعات من أجل الحصول على العائد المادي بمختلف الوسائل .
5- إنعدام المؤسسية وإدارة الحزب من قبل قلة يمثلون مجلس إدارته .
6- الإنزلاق إلى درجة قبيحة في إدارة الخلافات والمشاكل .
7- الصراعات الشخصية وتصفيتها بصورة تخلو من القيم والاخلاق .
8- إستجابة قيادة الحزب للإبتزاز والترهيب من قبل الشلليات المختلفة .
9- الإستقطاب القبلي القائم على إدعاء إحداث تنمية بمناطق تلك المجموعات .
10- إستقطاب أسوأ العناصر وأضعفها ، لإدارة شئون الحزب .
11- سيطرة ( عقلية الموظف ) على عضوية الحزب في جميع المستويات .
12- الميل والجنوح المستمر نحو الترضيات والتسويات في قضايا مبدئية وسلوكية لا يجوز التساهل والسكوت عنها .
13- إستغلال المنبر بواسطة مجموعات لتحقيق أهدافها ومصالحها الشخصية .
14- الدفع بالإنتهازيين وتوليتهم أمر الحزب .
15- الإهتمام بقضايا إنصرافية ، والإسهام في تعقيد مشاكل الوطن وتأزيمها بدلاً عن السعي والمساعدة على حلها .
نتقدم نحن الموقعون أدناه بإستقالتنا من عضوية حزب منبر السلام العادل .
يقول الله تعالى في محكم تنزيله : ( يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) صدق الله العظيم ، سورة الأنفال آيه 27 .

مقدموا الإستقالة :

المهندس/ حسام الدين ذوالنون
- عضو مجلس الشورى .
- مقرر لجنة وضع تصور تأمين الحزب وأنشطته .
- الأمين المكلف (السابق) لأمانة الرصد والمعلومات .
المهندس تقني/ عمار بدر الدين
- مقرر أمانة الإتصال التنظيمي وشئون العضوية ( سابقاً ) .
- مقرر محلية الخرطوم ( سابقاً ) .
- مقرر أمانة الشباب والطلاب بجامعة السودان .


تعليقات 7 | إهداء 1 | زيارات 2098

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#297532 [جعفر فقط]
0.00/5 (0 صوت)

02-18-2012 10:31 AM
الا تعلمون ان منبر السلام العادل اصبح حزب كمان
وجدتها لافتة على حافلة ركاب
على ما اعتقد يدعون الى كورست مجانية للطلاب او حاجة من هذا القبيل بإسم حزب منبر السلام العادل
لا ادري من الذي سجل هذا الحذب ؟


#297176 [حيدر]
0.00/5 (0 صوت)

02-17-2012 04:02 PM
لا اعلم حقيقة كيف تعايشتم مع نتانة هذا المنبر طوال هذا الوقت. ام انكما كنتما في غيبوبة؟
علي كل من الجيد ان يبدا الاعضاء في الاستفاقة و ادراك سؤ مقاصد و عنصرية هذا المنبر و الطيب مصطفي و من لف لفه. نرجو منكم ان تتحولو للنوعية في اوساطكم فلا زالت العنصرية و الجهوية هي التي تدير شؤن البلاد


#296632 [الصابري]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2012 02:14 PM
يا حسومي ويا عموري ...... مستقيلين لشنو؟ ما خلاص مهمتكم انتهت، tissue paper ومسحوا به الوسخ، تاني فايدتو شنو؟ يرموه بس وفي أعماق سلة النفايات
الجنوب وانفصل، تاني اعتذاركم بينفعنا بشنو نحن أبناء السودان الواحد القابضين على جرحنا النازيف؟
مهما قدمتم من دفوعات عن قناعتكم باستحالة التعايش بين مكونات السودان، ماذا نستفيد نحن عاشقي السودان المتمدد من حلفا لنمولي؟
ما هذا الطرح الفطير الذي يورد أن أحد أسباب الاستقالة هو: (علو صوت الجهويات والقبليات بين العضوية) ثم في نفس الوقت كلام عن المجموعات الضعيفة في الشمال والقوية في مناطق أخرى؟
انتم تشيعتم حتى النخاع بمقولات عنصرية وتسممت عقولكم ونفوسكم لدرجة لا ينفع معها علاج، ومقالتكما هذه أوضح دليل على اضطراب العقل وعقد النفس وتشوه الضمير. أنا عندي قناعة راسخة أن الكوز لا يتعالج حتى يدخل قبره من واقع ما مرت علي من تجارب. وفهمنا لمثل هذه (الاستقالة) لا يخرج عن سياق ما نراه من محاولات لاستباق الثورة القادمة والتغيير بالاجتثاث من الجذور، وهي محاولات بائسة تفترض الغباء في الشعب وعدم تعلمه من تجاربه وتجارب الشعوب من حوله.


#296566 [Petro]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2012 12:37 PM
حاسة الشم بتاعتكم كويسة شديد شامين ربيع عربي (مفتحين واللة) لكن عيب تخلوا عمكم الصعيدي الطيب مصطفي


#296485 [مروان]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2012 11:04 AM
مساكين أهلنا في السودان...يصرفوا على حسام وعمار ديل عشان يخربوها بتنظيم
خسيس.... وعندما يلوح يوم القصاص والناس تفتح الخرطوم مرة ثانية ... لن تنفع توبتكم
الفاسدة ورفع المصاحف... ستفرون كما تفر الحمر المستنفرة... سوف تفتح الخرطوم ويعلم الظالمون اي منقلب سينقلبون:D :D


#296469 [مريود ]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2012 10:48 AM
حمدا لله بالسلامة.. وعقبال البقية ( ان وجدوا ) بعد انتها المهمة التكتيكية الخبيثة والتى اودت ببلادنا لدولتين متناحرتين .. ومبروك للخال العودة للنادى الكاثوليكى عقب انفضاض سامر ( بنبره) ...


#296371 [ابذهانه الفشفاشي]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2012 08:45 AM

(الكتّاحه) بدت ..


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة