المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
طلحة جبريل
في تذكر الطيب صالح ..حديث الأحزان والسياسة
في تذكر الطيب صالح ..حديث الأحزان والسياسة
02-18-2012 09:27 AM


في تذكر الطيب صالح ..حديث الأحزان والسياسة

طلحة جبريل
[email protected]

في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات، رحل رجل استثنائي عن دنيا الناس هذه. في الثامنة ليلاً وخمسون دقيقة من مساء الثلاثاء 17 فبراير 2009، توقف قلب الطيب صالح عن الخفقان وأغمض الموت عينيه.


سبقت تلك الليلة أيام صعبة في مستشفى "سانت هيلر" في لندن، راحت خلالها صحته تتدهور. إذ ظل في تلك الفترة يعيش حالة غيبوبة شبه دائمة. كان في الحالات القليلة التي يخرج فيها من غيبوبته، يتأمل زواره على قلتهم، بسبب التشدد في الزيارة ، حيث كان يوجد في غرفة العناية المركزة. كان ينظر إليهم تلك النظرة المتأملة، التي تقول أشياء كثيرة.

لم يترك الطيب صالح وصية أو يهمس بكلمة، قبل رحيله. بقى صامتاً كعادته في أغلب الأحيان، وفي تلك الليلة لفه ذلك الصمت الأبدي.

لعل لسان حاله في أوج لحظة فاصلة بين دنيا الناس والرحيل يقول جملته الدالة "كلنا يا بني نسافر وحدنا في نهاية الأمر".

كانت رحلة الطيب صالح مع الألم مضنية. واجهها بثبات وطمأنينة، وليس قليلاً من البسالة.

بدأت تلك الرحلة في مدينة بيرقن النرويجية، وكان الطيب صالح قد زارها في مايو 2007، بدعوة من جامعتها، حيث رافقته الى هناك زوجته جولي وكذلك محمود عثمان صالح، الذي توثقت علاقته مع الطيب في سنواته الأخيرة. دامت زيارته إلى بيرقن عشرة أيام. أتذكر أنه حدثني كثيراً عبر الهاتف عن تلك الزيارة ، وإعجابه بثلة من السودانيين الذين درسوا في هذه الجامعة النرويجية. على الرغم من أن الطيب لم يكن يحب الحديث على الهاتف، ونادراً ما يكتب رسائل. قبل أن يغادر الطيب بيرقن شعر بإعياء وإرهاق شديد وفتور، وتبين بعد دخوله أحد مستشفيات المدينة أن لديه أعراض فشل كلوي.

عقب عودته إلى لندن ، وبعد أن عرض نفسه على طبيبه الخاص، تبين بالفعل أنه يعاني فشلاً كلوياً ، حيث سيتقرر في يوليو من تلك السنة ان تجرى له عمليات غسيل كلى ثلاث مرات في الاسبوع. بعد فترة قصيرة من عمليات الغسيل، وهي عمليات مضنية ومتعبة ومرهقة، جاء رأي الأطباء واضحاً: يحتاج الطيب صالح الى زرع كلية. كان الإشكال هو البحث عن متبرع تتوفر فيه المواصفات الطبية المطلوبة، من حيث تطابق الأنسجة، وعلى الرغم من أن زوجته وشقيقه بشير عبرا عن استعدادهما بالتبرع ، لكن مسألة تطابق الأنسجة كانت هي العقبة.

هنا ستبادر عفاف على عبدالكريم الامين العام للمنظمة السودانية لرعاية متبرعي وزراعة الكلى في السودان ، بالبحث عن متبرع بعد أن اقترح عليها ذلك، الدكتور كمال أبو سن المقيم في لندن والاختصاصي في أمراض الكلى والمسالك البولية، وبعد مضي أشهر وجدت المتبرع، الذي طلب أن يبقى أسمه طي الكتمان، كان ذلك في يناير 2008 . ثم ظهرت عقبة جديدة تكمن في أن القوانين البريطانية تمنع زراعة الكلى إلإ إذا كان المتبرع تربطه مع المريض علاقة قرابة من الدرجة الاولى، عندها سيقترح الدكتور كمال أبو سن أن تجري العملية في مستشفى ابوظبي العسكري، وبالفعل تحدد موعد العملية في مارس 2008 ، لكن الفحوصات أبانت أن الطيب صالح يحتاج الى توسيع أحد الشرايين قبل إجراء العملية، وكانت تلك من تداعيات التدخين، حيث ظل الطيب يدخن بشراهة الى أن داهمه المرض. كانت عملية توسيع الشرايين تعنى، أن عملية زرع الكلى ستتأجل بضعة أسابيع ، وحدد الأطباء الفترة في ثلاثة أشهر على أقل تقدير. ثم ازدادت رحلة المرض والآلام تعقيداً. إذ تبين بعد فحوصات على القلب أجريت "بمستشفى برمبتون" في لندن في أغسطس من تلك السنة، وجود شريان آخر يحتاج الى عملية توسيع. وفعلاً أجريت العملية بنجاح، لكن وبعد خروج الطيب صالح من غرفة من العملية ونجاح العملية ، أصيب بنوبة قلبية أدت الى توقف قلبه لدقيقتين، طبقاً لإفادة الأطباء، لكنه أسعف، وظل مدة اسبوعين في العناية المركزة فاقداً الوعي. وبعد أن استعاد وعيه، كان يدرك جيداً كل ما حوله، ومن حسن الحظ أن ذاكرته بقيت سليمة، على الرغم من أن الأطباء يرون دائماً أن توقف القلب أياً كانت فترة التوقف، يؤدي الى تلف جزئي في الذاكرة، لكن الطيب صالح خرج من تلك النكسة الصحية سليماً.

أنتقل الطيب صالح بعد ذلك الى "مستشفى سانت هيلر" قرب منزله في لندن لمواصلة غسيل الكلى، لكن خلال شهر سبتمبر سيتعرض الى نزيف في المعدة ، قال الأطباء إن سببه تعاطي الكثير من الأدوية، ونقل الى مستشفى آخر حيث أجريت له عملية لوقف نزيف المعدة. ثم عاد من جديد الى مستشفى" سانت هيلر" من أجل غسيل الكلى. في الفترة من اكتوبر حتى يناير 2009 كان الطيب في أفضل حالاته، وأصبح يستقبل مكالمات هاتفية ، خاصة عبر هاتف محمود عثمان صالح، إذ لم يستعمل الطيب قط هاتفاً محمولاً، بل كان لا يطيقه أصلاً. ولعل من مفارقات هذا الزمان ،أن تستغل شركة للهاتف المحمول أسم الطيب صالح لتطلق "جائزة" حول الرواية كما يزعمون، وهي جائزة مدعومة من السلطة الحاكمة في السودان. بقى الطيب صالح مدة أربعة أشهر في المستشفى من أجل مواصلة عملية غسيل الكلى، في انتظار ان تتحسن حالته لينتقل الى ابو ظبي من أجل زراعة كلية جديدة. خلال هذه الفترة شعر بشيء من "الوحدة" خاصة ان فترة المستشفى طالت. وفي مكالمة هاتفية معه بدا واضحاً انه بات يشعر بحنين جارف الى السودان، ولعل من التفاصيل التي مازلت أتذكرها، حديثه المتكرر عن "امدرمان" التي عاش في أطرافها خلال سنواته في مدرسة "وادي سيدنا" الثانوية نهاية أربعينيات القرن الماضي وبداية الخمسينيات. أتذكر انه قال بالحرف" عليك ان تكتب عن أمدرمان، هذه مدينة مدهشة" كان جوابي بانني لا أعرفها. وعقب قائلاً" أكتب عن ناسها، هؤلاء ستجدهم أين ما ذهبت".لا أدري لماذا بقيت تلك الكلمات في تلافيف الذاكرة. أتذكرها ، كل ما أتذكر ان الطيب عاد في نهاية المطاف ليرقد رقدته الأبدية تحت ثرى مدرمان".

خلال تلك الفترة، كان الطيب صالح يحرص على الاستماع الى أغاني الحقيبة، وهي أغاني تكاد تتحدث جميعها عن "امدرمان وناسها"، كما دأب الاستماع الى مداح نبوية بصوت "اولاد حاج الماحي". وفي وجباته كان يتناول الفول وشوربة العدس ويأكل الكثير من التمر.

ظل الطيب صالح في مستشفى "سانت هيلر" الى حدود منتصف يناير، لكنه سيصاب في تلك الفترة بعدوتين يقال إنها تسببها معدات المستشفى. تسببت له العدوى الثانية في إسهال حاد ولم تعد له رغبة في الأكل، والأكثر من ذلك أن عملية غسيل الكلى أصبحت لا جدوى منها، إذ لم تعد هناك استجابة. ترافق ذلك مع حالة وهن شديد وعدم قدرة احياناً حتى على الحديث. استمرت هذه الحالة من منتصف يناير 2009 حتى العاشر من فبراير. ثم دخل بعد ذلك في شبه غيبوبة، ثم كان أن رحل في ليل الثلاثاء 17 فبراير في هدوء. لم يقل شيئاً، فقط أغمض عينيه، ثم غادر. كان عمره وقتها بحساب الزمن 81 سنة. إذ أنه ولد في قريته "كرمكول" في 12 يوليو 1928.

كل من عرف الطيب صالح عن قرب، يعرف بانه كان راغباً في العودة الى السودان والاستقرار هناك، وليس عودة مثل تلك التي حدثت يوم الجمعة 20 فبراير عام 2009، حيث تمت مواراته ثرى مدينة أحبها كثيراً حتى وأن تباعد الزمن والمسافات.

لكن الطيب كان كلما عاد الى السودان، يجد أن الأمور تزداد سوءاً. على حد قوله " كنت أحاول دائماً ألا أنقطع عن جذوري،بل إنني حاولت أكثر من مرة العودة بكيفية نهائية للاستقرار في السودان، وما جعلني أعدل عن هذه الفكرة ، هو أنني كلما عدت وجدت أن البلد تسير نحو الأسوأ".

***

زرت الخرطوم، قبل فترة وجيزة، ولاحظت أن هناك من يريد الآن، أن يستغل أسم هذا الرجل الرمز. وفي ظنهم أنه تحت لافتة خادعة تتحدث عن "تكريم الراحل المقيم" كما تقول أدبيات الصحف المحلية، يمكن تلوين وتظليل بل وحتى إخفاء حقائق الأشياء. سبق أن كتبت عن "الطيب صالح والسياسة"، وكنت أظن أن ما كتب في قتها أكثر من كاف، لكن المؤكد أن عملية "التظليل والتلوين" فاقت حتى حدود المقبول دع عنك المعقول، الى حد أن توجيهات صدرت لتنظيم "احتفالات" في ذكرى رحيل الرجل. لذلك طرحت على نفسي السؤالين: إذا لم أتحدث انا فمن؟ وإذا لم أتحدث الآن فمتى؟

هناك ثلاث محطات سأتوقف عندها.

المحطة الأولى هي موقف الطيب صالح من نظام "الإنقاذ". وهنا لا أجد سوى ما قاله الطيب صالح نفسه، إذ الرجل في رحاب الله، وتبقى كلماته كما قاله هي الحجة والدليل. كان موقف الطيب من هذا النظام واضحاً، تجلى في مرتين. الأولى عندما كتب مقاله الذائع الصيت "من أين جاء هؤلاء الناس". في ذلك المقال يقول الطيب صالح " هل السماء ما تزال صافية فوق ارض السودان أم أنهم حجبوها بالأكاذيب.

هل مطار الخرطوم ما يزال يمتلئ بالنازحين. يريدون الهرب الى أي مكان، فذلك البلد الواسع لم يعد يتسع لهم. كأني بهم ينتظرون منذ تركتهم في ذلك اليوم عام ثمانية وثمانين. يعلن عن قيام الطائرات ولا تقوم. لا احد يكلمهم، لا احد يهمه أمرهم. هل مازالوا يتحدثون عن الرخاء والناس جوعى. وعن الأمن والناس في ذعر. وعن صلاح الأحوال والبلد الخراب.

جامعة الخرطوم مغلقة، وكل الجامعات والمدارس في كافة أنحاء السودان. الخرطوم الجميلة مثل طفلة ينيمونها عنوة ويغلقون عليها الباب، تنام باكية في ثيابها البالية، لا حركة في الطرقات. لا أضواء من نوافذ البيوت. لا فرح في القلوب، لا ضحك في الحناجر. لا ماء ، لا خبز، لا سكر، لا بنزين، لا دواء، الأمن مستتب كما يهدأ الموتى. نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم. (السادة) الجدد لا يسمعون ولا يفهمون. يظنون أنهم وجدوا مفاتيح المستقبل، يعرفون الحلول. موقنون من كل شيء. يزحمون شاشات التلفزيون وميكروفونات الإذاعة. يقولون كلاما ميتا في بلد حي في حقيقته ولكنهم يريدون قتله حتى يستتب لهم الأمن.

من أين جاء هؤلاء الناس؟ أما أرضعتهم الأمهات والعمات والخالات؟ أما أصغوا للرياح تهب من الشمال والجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟ أما شافوا القمح ينمو في الحقول وسبائط التمر مثقلة فوق هامات النخيل؟ أما سمعوا مدائح حاج الماحي وود سعد، وأغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلي واحمد المصطفى؟ أما قرأوا شعر العباس والمجذوب؟ أما سمعوا الأصوات القديمة وأحسوا الأشواق القديمة، ألا يحبون الوطن كما نحبه؟ إذا لماذا يحبونه وكأنهم يكرهونه ويعملون على إعماره وكأنهم مسخرون لخرابه؟

هل حرائر النساء من "سودري" و"حمرة الوز" و "حمرة الشيخ" مازلن يتسولن في شوارع الخرطوم. هل أسعار الدولار ماتزال في صعود وأقدار الناس في هبوط. أما زالوا يحلمون أن يقيموا على جثة السودان المسكين خلافة إسلامية سودانية يبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب. من اين جاء هؤلاء الناس. بل من هؤلاء الناس.

هل كتب الطيب صالح ذلك؟ نعم.

هل تراجع عنه ؟ أبداً .

ثم في موقع آخر كتب أيضاً "الذي لاشك فيه أن تنكيل هذا العهد بجموع غفيرة من موظفي الدولة، هو من آلام ما يمكن أن يوقعه أي حكم بمواطنيه. إن هذا النظام قد ابتدع من وسائل المخابرات والتجسس والتلصص على الناس، ما يدعو إلى العجب، إنهم وضعوا أنفسهم ووضعوا الوطن في مأزق فادح، و ياليتهم يذهبون بسلام".

هل كتب الطيب صالح ذلك؟ نعم.

هل تراجع عنه؟ أبداً.

عندما كنت في الخرطوم تحدثت لصحيفتين هما "الأخبار" و" الاهرام اليوم" بطلب منهما. وقلت كلاماً كنت أتمنى أن ينشر وانا هناك. لكنه في الحالتين لم ينشر. قلت، وهناك شهود، والكلام مسجل، والشريط ربما وصل الى من يعنيهم الأمر:

*لا يبدو أن هناك حلاً لمشاكل السودان المتفاقمة سوى حل واحد : أن يتنحى رئيس الجمهورية.

* قلت أيضاً، إن الحل يكمن في تفكيك هذا النظام، والحل الحقيقي هو ذهاب النظام الشمولي وقيام دولة المؤسسات. هؤلاء الناس استولوا على السلطة في ليل وعليهم ان يتنازلوا عنها في نهار، والا عليهم مواجهة جميع الاحتمالات.

* وقلت كذلك إن اتفاقية نيفاشا هي أسوأ اتفاقية وقعت في تاريخ السودان الحديث على الاطلاق، لانه جرى التفاوض عليها في غياب القوى السياسية في الشمال، وهي اتفاقية سئية جداً لأنها جلبت لنا بعد تطبيقها ثلاثة حروب في جنوب النيل الأزرق، وجنوب كردفان وأبيي.

ثم أن المفاوض السوداني الذي كان أسلوبه سيئاً للغاية، وفي منتهى البلادة ،اعتقد أنه استطاع أن يأتي بالسلام مقابل منح حق تقرير المصير للجنوبيين، وهذا تضليل، لأن حق تقرير المصير كان موجوداً قبل استقلال السودان لكن الساسة السودانيين هم الذين التفوا حوله.

وقلت إنني مندهش لما يردده بعض الناس الذين يقولون ان الاتفاقية حققت بعض الإنجازات وأن المفاوض الشمالي أدرك شيئاً. وقلت ان المفاوض السوداني في نيفاشا، كان يعرف والمفاوض الجنوبي كان يعرف، وكل العالم كان يعرف،ان "إتفاقية السلام الشامل" ستؤدي إلى الانفصال، والحديث عن الوحدة الجاذبة كان فقط لحفظ ماء الوجه في الشمال، وبالتالي كان يمكن ايجاد تسوية لنقاط التوتر والمسائل العالقة من النفط الى الديون بدلاً من أن تصبح الحكومة في الشمال مثل قطاع الطرق تنهب ما يصل اليه من نفط. لكن المفاوض كان غبياً متغطرساً.

ثم الأهم أنني تحدثت أيضاَ عن الطيب صالح، وما قيل عن مصالحته للنظام، وهو افتراء، على الرغم من أن الذين رتبوا لزيارته في ابريل عام 2005 من لندن الى الخرطوم كان هذا هو هدفهم.

وفي المحطة الثانية لا أجد كذلك سوى كلمات الطيب صالح التي قالها بعد تلك الزيارة ونشرتها والرجل بيننا.

كان الطيب يريد فعلاً زيارة السودان، لأسباب شخصية لعله الحنين، ولأنه رجل حيي استجاب لاولئك الذين الحوا عليه في لندن، واشترط من ضمن ما اشترط ألا يمنح وساماً، وكانت تلك واحدة من أفكارهم، وألا يكون هناك "حفل تكريم رسمي"، ثم أقترح الطيب صالح ان يصطحب معه بعض أصدقائه، وكان كعادته كريماً وأقترح علي أن أرافقه. وكان جوابي ، الذي يعرفه بعض القريبين، تلخصه كلمة واحدة : الاعتذار، لأسباب شرحتها له باستفاضة. وبعد عودته التقينا في "أصيلة" صيف ذلك العام. وحدثني طويلاً عن تفاصيل تلك الزيارة، وما جرى فيها ، وكان ذلك بحضور الصديق محمود عثمان صالح، وكان رأيي أن خلطاً قد حدث، وانه لا بد أن يتحدث بوضوح حول الزيارة، وأجريت معه حواراً في مارس 2008 نشرت معظم تفاصيله، داخل وخارج السودان ، والأهم أن الرجل كان بيننا.

قال الطيب صالح في ذلك الحوار "التقيت شباناً وشابات رائعين يحتاجون إلى من يتولى تعبئة طاقاتهم. شباب واثقون من أنفسهم، يناقشون بجرأة شديدة، لكن لاحظت أنهم يعانون فوضى عقلية وفكرية. وجدتهم تائهين يبحثون عن دليل، وأظن أن ذلك بسبب البلبلة الفكرية التي حدثت في السودان، وفي اعتقادي أن أكبر ذنوب حكام السودان أنهم لم يعرفوا كيف يعبئون طاقات الشباب. هؤلاء الشباب ظلوا يبحثون عن رمز أو مثل أعلى لكن آمالهم خابت في كثيرين لذلك حدث لهم خلط مؤسف. وأكثر ما أثار دهشتي أنهم وجهوا نحوي طاقة من الحب لا يمكن أن توصف ربما لأنني لم اتورّط في الخلافات السياسية، والشباب دائماً يبحثون عن الثبات في المبادئ". ويمضي قائلاً "على الرغم من الأزمات الخطيرة التي مرّت بها بلادنا وكان يمكن أن تدمره وتقعده إلى الأبد، لكن وجدت أشياء متماسكة ووجدت إبداعاً، شباب يكتبون كتابات ممتازة ويبدعون في جميع المجالات، في الشعر والنثر والموسيقى والغناء والتلحين والرسم. ثمة طاقة عجيبة في هذا البلد لا تزال موجودة، ربما إذا أراد الله فينا خيراً أن نهدأ ونتوجّه إلى هذه الطاقات التي نتوفر عليها ونعمل شيئاً. وفي اعتقادي أيضاً أن طاقات الشباب إذا لم يجدوا لها مجالات تستوعبها يمكن أن تتحوّل إلى ظاهرة سلبية وتدمّر البلد".وقال كذلك "هذا بلد، وكما كنت أقول منذ زمن طويل، ليس عادياً. حساسية الناس وذكاؤهم واستعدادهم للتضحية واضحة. أعتقد أن كل هذا تداخل تداخلاً شديداً، وبدأت هذه البلبلة منذ عهد جعفر نميري لأنه حكم فترة طويلة تحوّل فيها من اليسار إلى اليمين إلى التدين، ثم جاء هؤلاء الجماعة وخلطوا الأمور خلطاً شديداً. السودان بلد استثنائي، وبعض الناس لم يفهموا أن هذا البلد ليس عادياً، لذلك جنح بهم تفكيرهم إلى حد أنهم أرادوا إقامة (خلافة اسلامية) وهو أمر لم يقو عليه حتى الأمويون والعباسيون، لذلك لا أفهم لماذا تورطنا في هذا الموضوع". ويمضي في السياق نفسه قائلاً " ثقافة السودان وحضارته موجودة قبل خمسة آلاف سنة كيف تأتي وتقول أريد صياغة هؤلاء الناس من جديد".

وقال عن توقيت الزيارة "هذه بلدي ولدي الحق كل الحق أن أدخل وأخرج منه كما أشاء. حرمت نفسي من البلد لأسباب معروفة، وأنا لا أريد أن أزعم لنفسي دوراً بطولياً لكن كان هناك نوع من الإصرار على المبدأ. أنا لست سياسياً، أنا كما يقولون أديب ومفكر، إذا لم يعجبني شيئاً أقول إنه لا يعجبني.. والحقيقة أنني إشتقت إلى وطني وشعرت برغبة جامحة لزيارته، ولم أندم على تلك الزيارة على الرغم من أنها كانت قصيرة وبرنامجها مزدحماً". ثم يقول الطيب صالح بوضوح "قابلت معظم المسؤولين بما في ذلك الرئيس ونائب الرئيس وعدد كبير من الوزراء، وجدتهم طيبون ومهذبون، لذلك تساءلت: طيب من الذي فعل كل هذه المصائب التي حدثت".

هل قال الطيب صالح ذلك ؟ نعم قاله.

ثم المحطة الثالثة.

والرجل في أيامه الأخيرة يعاني تدهوراً في صحته، أجري معه حوار ليبث في التلفزيون السوداني. وقال فيه كلاماً في بعض فقراته لا يتسق ومواقفه الواضحة والصريحة والمكتوبة، وعظمة الكلمة المكتوبة انها مكتوبة.

كنت وقتها في واشنطن، واتصالاتنا الهاتفية تقتصر على الاستفسار عن الصحة. لكن للحقيقة والتاريخ، اتذكر انه أبلغني بحواره التلفزيوني، وأعتقد أنه الأخير، وقلت له ما كان عليه أن يتحدث في تلك الظروف، خاصة ان الحوار أستغل استغلالاً سيئاً. وكان جوابه الذي أنقله والرجل في رحاب الله " حاول ان تصحح ما يمكن تصحيحه ...هؤلاء الناس الله يهديهم".

***

رحم الله الطيب صالح . "كان في حياته أكبر من الحياة وسيبقى في موته أكبر من الموت".

الطيب صالح هو الرجل الذي كتب " هل السماء ما تزال صافية فوق ارض السودان أم أنهم حجبوها بالأكاذيب".

الطيب صالح الذي حول "مرارة البعد عن الوطن الى فن".

الطيب صالح الذي جعلنا في جميع اصقاع الدنيا نقول " نحن من بلد الطيب صالح".
image
image


تعليقات 1 | إهداء 2 | زيارات 4209

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#297566 [هجو نصر]
4.08/5 (18 صوت)

02-18-2012 10:36 AM
اجبار الطيب صالح علي التعليق في مرته الاخيرة كان امرا بعيدا عن حساسية الانسان العادي ! هل الحالة الصحية التي ظهر عليها تشجع من له ادني احساس وانسانية ان يجري لقاء معه ؟ فعلوا ذلك من قبل مع خضر يشير في مستشفي ما ! كان مشلولا رحمه الله ولم يرحموه فغني لهم وهو في مثل تلك الحالة ! من اين جاء هؤلاء الناس ؟ حقا نسأل ولانكرر قولك يارحمك الله


ردود على هجو نصر
Morocco [كونتي التيل] 02-19-2012 04:32 AM
الله يرحمه ..جمع بين صفتين الطيبة والصلاح لذلك كان محبوبا لدى العجم والعرب..طيّب الله ثراه


طلحة جبريل
طلحة جبريل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة