المقالات
المنوعات
حديث عن المثقف والسلطة فى رحاب ذكرى أديبنا الطيب صالح
حديث عن المثقف والسلطة فى رحاب ذكرى أديبنا الطيب صالح
02-27-2016 06:03 PM


لقد إستمعت إلى الجلسة الإفتتاحية للدورة السادسة لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابى ـ منعلى البعد عبر فضائية النيل الأزرق ـ وتابعت الندوة العلمية التى كان موضوعها ”العلاقة بين المثقفوالسلطة” ، وحديث الأساتذة الأجلاء د. عبدالله على إبراهيم، د. محمد محجوب هارون والروائى المصرىمحمد المنسى قنديل .
ثمة علاقة ملتبسة بين المثقف والسلطة، وهي علاقة يحكمها الشك وعدم الثقة وأحياناً التعارضوالتناقض. نلاحظها في الصراع التاريخي بين المثقف والسلطة، وقد إنعكست في كتابات المفكرينوالأدباء والمثقفين إبتداءً بابن المقفع، مروراً بابن خلدون، كارل منهايم، انطونيو غرامشى، ادوارد سعيد،إلى أن يقول إبراهيم الحيدرى ".. حين تهيمن الدولة على الثقافة وتتسلط على المثقف يتحول المثقف بدورهالى متسلط من جهة والى مقموع مهزوم من جهة أخرى.."
جاء الجمهورإلى الندوة بخلفية أن هناك حواراً وطنياً يجرى ويرجى منه أن ينتج تحولاً ديقراطياً و حلاً عادلاً وتسوية شاملة للأزمة الوطنية المستفحلة التى لازمت النظام السياسي . و على الرغم من أن هذا الحوار لم يكن الوحيد من نوعه وأن السلطة قد تحاورت حول قضايا وقتلتها بحثاً حتى لا يتصور عاقل أن تأتى بجديد وأصبح الحل واضحاً بلا مواربة ولا مناورة إلا أن التمادى فى نقض العهود والمواثيق اصبح من ديدنها.
جاؤا وهم فى حيرة من أمرهم؛ لأن الحوار الذى يجب أن تتوفر له الإرادة السياسية وأن يكون بيننقيضين مختلفين وهما فى هذه الحال السلطة الحاكمة القابضة والمعارضة الفاعلة لم يكن وإنما الذى تم فى الساحة الآن هو لقاء فقط للأحباب والمؤلفة قلوبهم ، وبشرط تعجيزى وهو أن لا يكون الإتفاق ملزماً إلا إذا حصل على نسبة 90%. ومما زاد فى حيرتهم وأرق مضاجعهم أن مجموعة مقدرة من المثقفين باركته و تغنت به ومشت فى ركبه بل وتقدمته وتفاءلت بالخلاص على يديه. وبالتالى أصبحت حيرتهم فى المثقف أكبر و صدمتهم أعمق؛ لذا جاؤا ليقفوا على حقيقة هذا المثقف وكنهه وكيفية تعامله مع السلطة.
تحدث الأساتذة الأجلاء حديثاً أكاديمياً راقياً سبحوا به فى بحور عميقة وهاموا فى فضاءات واسعة تاه فيها الحاضرون. وتحدث إليهم د. عبدالله -و أبحر كثيراً كعادته فى دروب المعرفة وأفكار الآخرين - وقدم لهم بحثاً قيماً ثراً بذل فيه جهداً مقدراً. عرضه عليهم بإسلوب شيق جذاب شد إنتباه الحضور. قال لهم إن السلطة هى القوة الفاعلة والمؤثرة وهى ما اصطلح عليه بمفهوم الشوكة وهى فى الحقيقة سلطات وليست سلطة واحدة، هذا ماتقول به مصادره وكتبه وقراءاته، فهناك سلطة الأب والقبيلة والمجتمع والحزبوالسلطة السياسية وهكذا ... وأضاف إليها د. محمد محجوب هارون القدرة ويعنى بالقدرة الإستطاعة الكاملة على الفعل والتأثير. وبالتالى فإن السلطة التى لا تتوفر لديها القدرة لا نفوذ لها ولا تأثير. وبهذا المفهموم فإن السلطة التى تمتلك القدرة معنوياً ومادياً ويمكنها أن تبطش وتقمع وتأذى وتزهق الأرواح والتى تهابها الشعوب هى السلطة السياسية. فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المستمع وهو يستمع إلى هذاالحديث ، خاصة إذا كان هذا المستمع جالساً فى قاعة الصداقة ذات المكان الذى بشرت فيه السلطة الحاكمة بالحوار الوطنى،هى السلطة السياسية القابضة القامعة و التى لا مجال فيها للآخر المسالم.وبمثلما تتبادر إلى الأذهان السلطة السياسية، يتبادرإليها أيضاً المثقف العضوى ، ذلك المثقف الإنسانالمتواضع، اللصيق بهموم الناس، الذى يتفاعل مع محيطه و قضايا وطنه تأثراً وتأثيراً والذى يتطلع إلى وطن حر ديقراطى يعم السلام ربوعه والرخاء أهله. و قد يتساءلون أليس للمثقف سلطة ؟ أليس له تأثير ؟ولكن هل للمثقف قدرة تمكنه من أن يرسل رسالته ويسمع صوته و هناك من يقف له بالمرصاد، سلباًللحريات وتكميماً للأفواه ؟؟؟ ولكن أليست قدرته تكمن فى ثباته على المبدأ وصبره على الأذى وبتعاونهوتلاحمه مع الوطنين الشرفاء. وهذا ما حدث، ساد القاعة هدوء شامل واشرأب الحضور بأعناقهم نحو المتحدثين وكلهم أذان صاغيات لوصفة سحرية ـ رنت إليها أفئدتهم وتطلعت أشواقهم ـ تعالج لهم قضية المثقف السودانى والحكومة التى تدير البلاد والتى تلف وتدور لأكثر من ربع قرن من عمر الزمان ولم تبارح مكانها. و لكن يبدو عليهم أنهم أصيبوا بخيبة أمل؛ ويظهرذلك جلياً من مداخلات بعضهم التى إتسمت بالخيبة واليأس. فى واحدة من المداخلات إختلف أحد الحاضرين مع د. عبدالله فى أن الضحكبسبب المفارقات التى يحدثها السحرة يكون بفعل الخوف والإرهاب وليس بفعل الإرادة الحرة . وقد أصيبد. عبدالله بالدهشة للمعلومة التى أتى بها المتداخل بكل بساطة وجرأة وثقة من يملك لها دليلاً ومصدراًفإذا به يرد علية مباشرة بأن هذا الحديث الذى ألقى به عن المثقف و السلطة هو نتيجة جهد وسهر وتنقيبواستغرب لمن يدحضه بلا جهد أو إجتهاد يذكر. ومن ضمن ما ذكر من ظواهر تتوفر فيها الحرية والإرادةللأفراد بالرغم من أن ا لمحيط الذى يتواجدون فيه لايسمح بها ، أن أحد الملوك كان يختبئ فى يوم الرعيةحتى يتسنى لرعيته أن تعيش يومها بحرية كاملة كما أن هناك بعض المجتمعات تسمح للنساء بيوم فىالسنة لإدارة شؤون الحياة والعباد بينما يقبع الرجال فى البيوت٠ أما فى السودان فبالإضافة إلىالسحرة ومفارقاتهم فهنالك ظاهرة مظاهرة مارس الشهيرة وأبطالها طلاب جامعة الخرطوم والتى تبدأ بعدمنتصف آخر ليلة فى فبرايرعند الثانية الأولى فى أول مارس وتنتهى عند الفجر. فى تلك المظاهرة تتمالبيعة لأكثر الطلاب إعادة وسسنين دراسة، عمدة ”للبركس” بعد أن يلقى العمدة المنتهية ولايته والذىسوف يتخرج، خطاب دورته وولايته أمام قاعة الإمتحانات الشهيرة فى حشد من الطلاب وقد تدثروا بملابس ممزقة بالية ومتسخة تعبيراً عن رفضهم لكل القيم والمفاهيم واللوائح التى تسنها الجامعة والتىمن بينها الإمتحانات و خاصة إمتحانات نهاية العام التى تنشر جداولها وتعلق على لوحات إعلاناتالكليات فى الأول من مارس من كل عام ولكأن لسان حالهم يقول اليوم يومنا ولامكان للنوابغ والأذكياءبيننا فنحن نرفض هذه الإمتحانات ونرفض كل ما يفرق بيننا ويكشف حالنا ويعرينا؛ لذا سميت هذهالظاهرة أو التظاهرة بمظاهرة مارس شهر الكوارث، وكارثتهم الوحيدة فى ذلك الزمان كانت الإمتحاناتوقد تتداعى أحياناً وتشمل السلطة إن كانت شمولية.
بعد بيعة عمدة ”البركس” الجديد تتوجه جموع الطلاب بملابسهم الرثة المتسخة ـ وهم الذين إعتادوا على الأناقة وتخير أجمل و أفضل ما عندهم عند لقائهن ـ إلى داخلية الطالبات وهم يهتفون ويتغنون بأهازيجومفردات لايتجرأون على ذكرها أمامهن فى الأيام العادية مثل” بنات الجامعة بايرات ...” أو” يالمحجوزاتللخريجين ...” وهن بدورهن يرقصن ويغنين من خلال نوافذ الداخلية” أمشوا ياطراحات ...” حيث كانقمة ما يطمح إليه الواحد من زميلته هو أن تسمح له بمرافقتها وتوصيلها إلى الداخلية. هذه الظاهرةإندثرت الآن لذا تبرع د. عبدالله على إبراهيم بدعم أية بادرة تتناولها بالبحث و الدراسة. وهنالك ظاهرةأخرى- لايسمح المجال بذكر تفاصيلها - تحدث فى رمضان عند السحور من كل عام. مسرحها مدرسة خورطقت الثانوية وأبطالها طلاب السنة النهائية. كتبت عنها فى مجلة الشباب والرياضة بمناسبة اليوبيلالفضى للمدرسة فى منتصف سبعينات القرن الماضى. أرجو أن توليها جامعة كردفان بعض الإهتمام.
وأخيراً، وفق محمد المنسى قنديل الأديب الروائى القادم من شمال الوادى فى وصف السلطة السياسيةفى الوطن العربى وشبه القائمين عليها بالظواهر الطبيعية ـ فى خلودهم وحبهم للخلود ـ كالشمسوالجبال. و تحدث حديثا شفيفاً لامس شغاف القلوب وبأسلوب سهل لفت إنتباه الجمهور عن وطنه مصروهو القائل ـ بكل تواضع ـ مبتدراً حديثه بأنه ليس سياسياً وإنما روائياً ليس إلا.
[email protected]
الياس الغائب ... كوبنهاجن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2589

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الياس الغائب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة