أفشوا السلام بينكم
02-19-2012 12:41 PM

أفشوا السلام بينكم

المتوكل محمد موسى

كلما أمعنت النظر والفكر فى الأزمات التى تضرب بأطنابها فى واقع وراهن الحياة فى السودان، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، قادنى تفكيرى إلى خللٍ كبيرٍ فى النسيج الاجتماعي وأن الحلول لكل تلك الأزمات تكمن فى إصلاح هذا النسيج المتهتك ورتقه بما يصلحه من تدابير بعيداً عن الترف الفكري الذي يُمارس من قبل البعض تفسيراً لما ظل يعتور الحياة فى السودان.
واهم من يظن أن النسيج الاجتماعي فى السودان على خير ما يُرام.. وواهمٌ أيضاً من يتصور أن الشعب السودانى قادرٌ على تخطي الصعوبات التى تواجهه اليوم ونسيجه الاجتماعى يتزيا بالرثاثة والتمزق.. الشعوب دوماً لا تنتصر في القضايا الكبرى التى تعترض مسيرة حياتها إلا هى تأتزر بوشاح النسيج المتين الذى يقف على أرضية صلبة من الاحترام المتبادل.. ليُغَني الشعب بأعلى صوته أُهزوجة النصر وأنشودة الحرية، وتُعقد له رايات النصر المؤزر، فتتقزم أمامه الأهوال والمصائب الجسام، ولكن الشعوب التي تتبادل مشاعر الازدراء والتحقير ستظل أبداً تنهزم فى كل المعارك التى تفرضها عليها سنن الحياة وما أكثرها لتقبع فى قيعان الحياة تتقلب من محنةٍ إلى أخرى تتلقفها الأزمات وتعترض طريقها نحو التقدم الصعوبات، لتتذيل ركب الأمم والشعوب الأخرى، وتظل تعيش أبداً عالةً على جهود وابتكارات الآخرين الذين سدوا أبواب حياتهم أمام المشكلات التافهة والمعارك الصغيرة، وتفرغوا لإثراء حياتهم بالإنجازات المهمة والمبتكرة.
أُدهش، عندما أجد مجموعة من الناس وفى هذه الألفية وبعد كل هذا التطور الذى أصبح ينتظم الحياة الحديثة، يصرون على الاستمرار فى الحديث عن تفوق جنسٍ على آخر وتمييز قبيلةٍ على أخرى فى الوقت الذى أثبتت فيه التجربة أن ليس هناك جنس وضيع وغبي وآخر متفوق وذكي، فالاكتشافات العلمية المذهلة التي تعيش البشرية اليوم على هداها وترقص على أنغامها شارك فيها علماء أفذاذ ينحدرون من كل قارات الدنيا ويُنسبون إلى كل ألوان بشراتها وأعراقها.
نجزم أن هناك شياطين من الإنس لن تستقيم أحوالهم ولن تجري مصالحهم بسلاسةٍ إلا على أشلاء النسيج الاجتماعى السوداني، فمن مصلحتهم الشخصية أن يظل السودانيون فى حالةٍ من الفرقة وتبادل البغضاء والشحناء وخوض معارك هوائية فى غير معترك وبما يتنافى مع كل القيم والمبادئ والرسالات السماوية، هؤلاء تسوَد وجوههم عندما يقترب السودانيون بمختلف مشاربهم وشعيهم على كلمةٍ سواء، تراهم كارهين لأى تقارب يُزمع أن يجمع الناس على صعيدٍ واحد، لأن هذا التقارب يحشد السودانيين للالتفاف حول قضايا تتعلق بوضع حدٍ لهيمنتهم على كثيرٍ من مُقدرات البلاد واستئثارهم بصنع القرار فيه، وأخطر القضايا التي تهدد مصالحهم الوضيعة هذه هي تلك التى تستهدف مسألة وقف مسلسل الصراع حول السلطة واستدامة حكم السودان بواسطة حكومات دكتاتورية لا تستطيع أن تبقى فى سدة السلطة إلا عن طريق إشاعة الفرقة والشتات بين طوائف ونحل وأعراق المجتمع السوداني، فكلما زاد تشرذم الصف الوطني كلما سنحت بيئة ملائمة يتعاظم فيها نفوذها ونفوذ الشلل الطفيلية والدوائر الصغيرة المستفيدة منها ومن بقائها.
ولكن لو عاد السودانيون إلى سريرتهم السوية وإلى تعاليم دينهم وإلى الفطرة السليمة التى فطر الله عليها الناس، لوجدوا أن السعادة الوطنية الحقيقية تكمن فى الاحترام المتبادل بين إخوتهم فى الوطن، وأن تجاوز المشكلات والأزمات يكمن في تجاوز العصبية الضيقة والمضرة فى آن واحد، وأن قوة عضلهم في توحدهم، وأنهم يستطيعون الصمود أمام أكبر قوة عالمية بايمانهم بوحدتهم ووحدة بلادهم، ولن يتسنى لهم ذلك إلا باحترام إثنياتهم المتباينة والمختلفة، ولن يتم ذلك إلا بأن يضع كل منهم نفسه في مكان مكان الآخر، وأن يشعر بما يشعر، فمثلاً لا يمكن لنا أن نتوحد ونتحد ونصمد أمام الأزمات وبعضنا لا يستشعر ولا يتفاعل مع أهلنا فى منطقة المناصير الذين يعانون هضم حقوقهم، ولا يمكن أن نتوحد وأهلنا فى حلايب يعانون آلام الاحتلال دون مشاركةٍ من إخوتهم فى الوطن الأم، ولا يمكن أن نتوحد وبعضٌ منا لا يتذكر أن هناك من لا يزالون يرسفون فى معسكرات النزوح واللجوء يقاسون لما يقرب من العقد من الزمان الويلات والأهوال مثلما يحدث فى دارفور ولاحقاً فى جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، ولا يمكن أن نتوحد ولا نتألم لانفصال جزءٍ عزيزٍ من وطننا ودماؤنا المشتركة تستصرخ الدمعة على ما حدث، وكاذب من يدعي غير ذلك «الدماء المشتركة»، ليتنا تدبرنا قول الله عزَّ وجلَّ: فكما تألمون يألمون، فالمشاركة الوجدانية بين أبناء الوطن الواحد هي الناسج الأكبر لثوبه الاجتماعي، والنسيج الاجتماعي هو الجسر الأهم الذي عن طريقه تستطيع الأمم عبور نهر المشكلات.
نصحيتى إلى أهلي السودانيين أنه يجب عليهم نبذ الجهوية والقبائلية، وأن يقفوا صفاً واحداً ضد كل من يستهدف وحدتهم ويحاول جاهداً أن يشق صفوفهم، فكل الناس من آدم وآدم من تراب، فما الذى يجعل أحدهم أفضل من الآخر؟ أقول قولى هذا بعد أن استيقنت أن السودانيين لن يهنأوا قط بالأمن والسلام والحياة الكريمة ومن ثم التفرغ لتفجير ثرواتهم والتمتع بها إلا بإشاعة فروض الاحترام بينهم، ونبذ العنصرية والجهوية والسعي الجاد لإعلاء قيم الإخاء والوقوف بصلابة ضد كل المحاولات التي تستهدف النيل من نسيجهم الاجتماعى وسلامة العلاقات بينهم، وأتمنى أن يكون درس انفصال الجنوب عظةً وعبرةً فلا نكرر الوقوع فى الأخطاء تباعاً، علماً بأن مشكلة الجنوب قد تم حلها بطريقة تُعد مأسوية رغم أن هناك عوامل قد ساعدت فى نجاح الانفصال، من تلك أن الجنوبيين كفوا عن محاولة الذوبان فى المجتمع السودانى بيد الإنجليز «قانون المناطق المقفولة» أولاً ثم ثانياً بأيديهم عندما استشعروا أن أزمتهم فى السودان لن تُحل إلا بالانفصال، ولذا آثروا الاحتفاظ بكثيرٍ من خصائصهم التى تميزهم بوصفهم سكاناً لجنوب السودان حتى لا تهزمهم العواطف عندما تحين ساعات الانفصال، أو مثل ذلك المسافر الذي عندما تحين لحظات وداعه يتجنب النظر إلى عيون مودعيه من أحبائه وأهله، ولكن مسوغات الانفصال في ما تبقى من السودان لا تُوجد ولا يستطيع من تبقى منهم أن يزعم أنه الأحق بما تبقى من السودان ويُجبر الآخرين على مُغادرته منفصلين، وبمعنى آخر ما تبقى من السودان سيظل موحداً باعتباره واقعاً محتوماً وليس هناك مناص من العيش فيه، كرهاً أو طوعاً، ولذا على الجميع إبداء حسن النوايا وتجفيف منابع التوتر وعدم إهدار الوقت في ما لا طائل من ورائه، والبدء فى بناء السودان الموحد والمتطور.
وبعد أن نصل في مجتمعنا إلى مرحلة الاحترام المتبادل ونُمتن من أواصر نسيجنا الاجتماعى ينبغي علينا أن نسهر على قوانين رادعة تصون وتحفظ سلامة هذا النسيج من عبث العابثين وطموح وجموح المغامرين، فالثروة الحقيقية وكنز كنوز الشعب السودانى هى وحدته الوطنية ومجتمعه الخالى من العقد، وهما يمثلان مورداً أثرى من المليارات من براميل البترول ومن الملايين من أطنان الذهب، بل إن هذه الثروات التى حبا الله السودان بها، فى ظل النسيج الاجتماعى المتهتك، ستصبح مجرد لعنات تلاحق استقرار وأمن الوطن وسلامة الحياة فيه، ولنا فى بترول السودان الذى تم استخراجة دروسٌ وعبرٌ لمن يرغب فى التعلم والاعتبار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه».
المتوكل محمد موسى
[email protected]
الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1124

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




المتوكل محمد
المتوكل محمد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة