التضامن النيلي.. الكلام دخل الحوش
02-20-2012 01:36 PM

رأي

التضامن النيلي.. الكلام دخل الحوش

محمد عيسي عليو


٭ لقد كتب د. عبد اللطيف سعيد في مقاله الأسبوعي بجريدة الصحافة العدد 0666 بتاريخ 31/2/2102 مقالاً مهماً عنونه (الترابي والصادق إصطدما بصخرة التضامن النيلي فتحطما) لقد لخص كل الحقب التاريخية للسودان الحديث في حوالي اربعمائة كلمة تقريباً، تاريخ لاكثر من مائة عام للسودان حصره عبد اللطيف فيما يعرف بحكم التضامن النيلي، واستدل بالوثائق التاريخية الدامغة، واكد ان هذا التضامن النيلي هو الذي اسقط الدولة السنارية وبعدها الدولة المهدية، وهو الذي اسقط الصادق ومن بعد اسقط الترابي.
حقيقة هذا الكلام كبير جداً خاصة اذا صدر من شخصية في علم ومعرفة د. عبد اللطيف سعيد، وفي وسطية د. عبد اللطيف سعيد في سلوكه وفكره وجغرافيته قلت ان هذا الكلام كبير، ولكنه ليس بجديد، فقد ظلت الالسن تلوكه والاقلام تكتبه والصحف تسطره سنين عددا، ولكن السؤال من من جاء هذا الكلام هذه المرة؟ من عالم، عليم ببواطن كثير من الامور، لجغرافيته التي ينتمي اليها، وهى منطقة الجزيرة، ومن عرقيته، والتي اقرب الى هذا التضامن النيلي، إلا أنه قال في مجمل حديثه عن هذا التضامن.. أن التضامن يتشدد في الابقاء في جوهره دون مساس حتى انه لا يعترف بمن ها جرمنه الى مكان آخر، فالترابي والصادق من هناك، ولكن الهجرة المتقادمة افقدتهما عضوية هذا التضامن اليقظ، انتهى.
ومن هنا يحس الانسان الذي يقرأ ما بين السطور ان عقبة عبد اللطيف تكمن في انه جزء من هذا التضامن، ولكن هجرته الى الجزيرة افقدته العضوية كما افقدت الجزيرة ابا وام درمان، الصادق والترابي شرف نيل هذه العضوية كما ذكر ذلك عبد اللطيف في سياق مقاله.
ومن تحليلات الدكتور في هذا المقال ذكر ان التضامن النيلي لا يعتمد على الكفاءة الشخصية ولكنه يعتمد على التعاضد والتكاتف وواصل الدكتور حديثه قائلاً، فاذا راجعت كل قائمة أعضاء هذا التضامن لا تجد شخصاً واحداً له ما للترابي أو الصادق من مميزات شخصية.
إذن الدكتور شرح القضية السودانية والتي إمتدت لاكثر من قرن من قول موجز لا تتعدى كلماته اربعمائة كلمة كما قلت، لا فض الله لك فاهاً ولا اسكت الله لك حساً ولا كسر لك الله قلماً يا دكتور عبد اللطيف.
لقد ظللنا (ننبح) لسنين ان مشكلة السودان تكمن في هذه الفئة التي نخرت في عظم الوطن حتى بترت جنوبه، اكلت لحم الوطن والشحم حتى وصلت العظم فكسرت ثلثه، ولا زالت تتشبث وتلتهم في بقية البلاد ولكن للاسف كلامنا غير مسموع لأنه جاء من الهامش البعيد كمن يؤذن الذي في اسفل الجبل راجياً ان يسمعه الذي في قمته، اللهم إلا ان يجيبه رجع الصدى، أما اليوم فقد قال ذلك من هو اقرب لقمة الجبل، فلابد من ان تسمع كلماته، والسؤال هل سيستمر الدكتور على هذا المنوال الفريد ويواصل الطرق في هذا الموضوع القديم المتجدد، ام سيسكت؟ لا سيما ان اتصالات كثيرة قطعاً ستكون قد جرت معه بعد كتابة هذا المقال والامر قد جاء من احد علماء منطقة الجزيرة، التي فقدت ردحاً من الزمن الشخصية المحورية التي يمكن ان يلتف مواطنوها حولها، وهل سيصبح دكتور عبد اللطيف بهذا الفكر مانديلا الجزيرة؟ إذن النار ستكون قد دخلت الحوش الاول اذا إعتبرنا الحيشان ثلاثة تيمناً بأغنية صلاح بن البادية وهو ليس ببعيد عن المنطقة التي همشها هذا التضامن أيما تهميش، حتى الموظفون يستوردون لها من خارجها، وهم ومشروع الجزيرة كالعير تحمل الماء وقاتلها الظمأ.
هذا التضامن النيلي، أو كما سماه وزير الاعلام الحالي في مقابلة سابقة في جريدة الوان بالنيليين، وآخرون سموه مجموعة الجلابة، او غير ذلك من المسميات، اوقد ناراً في قلوب الجميع حتى وصل الامر بأحد من أبناء الجزيرة العقلاء والتي تمتد اصوله اليهم يقول مثل هذا الكلام. ماذا بقى اذن؟ إن ما اراحني في هذا المقال أنه اكد ما ظللت اقوله، و رغم انه برأ الصادق والترابي من الإنتماء الى هذا التضامن، إلا ان معظم الاحزاب التاريخية ظل معظم اعضائها يعانون من هذه الجرثومة العرقية، والتي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالنتنة، هذا النتانة يشتمها البعض وكأنها عطر عود الصندل، للغشاوة التي غطت الجوانب المشرقة في أجهزة الشم.
أما واني لا اختلف مع الدكتور عبد اللطيف في مبدأ التجمعات الجهوية التي حكمت السودان، إلا اني اميز تماماً ما بين أهلنا النيليين من ملتقى النيلين وحتى الحدود مع مصر، والمجموعة الانتهازية التي تدعو بإسمهم وتدعي انها تسعى لحماية بيضة قوميتهم وديانتهم، هذه نقطة هامة جداً لابد ونحن نتناول مثل هذه المواضيع فصلها من قضية الإنتهازيين، فالمواطن السوداني في كل مكان في هذا البلد، مواطن طيب اجتماعي يحب الآخر ولا توجد فيه مثل هذه الارواح الشريرة، وبالطبع أهلنا الذين يقطنون جوار النيل بضفتيه لا علاقة لهم بمثل هذه التجمعات الخبيثة، وحتى هم فيهم المهمشون الذين يشتكون لطوب الارض ظلماً وتجويعاً وفقراً مدقعاً، وما إنكفاء الحلفاويين على أنفسهم إلا تعبيراً ورفضاً لهذا الظلم، وان إعتكاف المناصير في رئاسة ولاية نهر النيل إلا تعبيراً عن لفت الانظار على الظلم الذي وقع عليهم، وان شندي عاصمة الجعليين تعاني تخلفا كاي مدينة سودانية اخري ،اذا الي من يقدم التضامن النيلي خدماتة ؟ كنت قد ناقشت احد مواطني هاتين الولايتين اللتين تقعان على النيل وقلت له ما معنى هذه المشاريع التي نهضت بها المنطقة؟ رد علىَّ هذا الرجل بقول اذهلني ان هذه المشاريع ليست لهم وإنما الارض بيعت لأجانب وحتى يقتنع الاجانب بالحضور، لابد من إنشاء بعض البنيات التحتية، اذن مواطن هذه الولايات هو ايضاً واقع في حرور هذا التضامن النيلي، إذن السؤال ما هى هذه المجموعة؟ هى مجموعة من المثقفين والمتعلمين الذين بادر آباؤهم بتعليمهم ليكونوا ذخراً للدين والوطن واذا هم يقلبوا الطاولة على وجوه الجميع، هؤلاء ليس وحدهم لهم ادوات يستغلونها في كل انحاء الوطن، جعلوا منهم سلالم يتسلقون بها الى القمم. فهؤلاء مشاركون في جريمة تخلف الوطن، تقتيل المواطن، تقسيم البلاد، في جعل الوطن في دونية دول العالم اجمع، ليس التضامن النيلي وحده مسؤول عن كل هذه الفظاعات، وإنما بنونا الآخرون مشاركون في هذا الجرم العظيم منذ ما قبل الاستقلال والذي اصبح استغلالاً، وحتى يومنا هذا.
هل من توبة؟ اقول لهم، اولاً النتائج التي وصلنا اليها بفعل هذه السياسات اكدت ان النقاء الدموي لن يعمر الارض وإنما يدمرها، وان العرقية لا تحمي الدين وإنما تطمسه، وهذا بالدلائل التاريخية الدامغة، إذن لابد من الجلوس مع النفس، ومحاسبتها، قبل محاسبة الآخرين، وأن الدكتور عبد اللطيف لاشك انه حاسب نفسه بعد ان توصل لهذه النتائج واحس انه مساءل دينياً ودنيوياً اذا لم يرح ضميره بالذي قاله، قطعاً انه ليس بعيداً عن هذا التنظيم بدليل انه قال فاذا راجعت كل قائمة أعضاء هذا التضامن.. إذن هو يعرف قائمة اعضاء التضامن، وشخصي الضعيف رغم جهدي وهو جهد سابق لعبد اللطيف إلا اني لم اعثر على هذه القائمة ولكن بقرائن الاحوال أفهم واعرف الكثير، فمحاسبة النفس أهم من كل محاسبة، مع علمنا التام أننا عجزنا في خلع هذا التضامن من سدة الحكم، ولكن الله لا يعجزه شئ في السماء والارض، ولكن قبل الوصول لتلك النهايات، يجب على هذا التضامن مراجعة مشروعه، فالنار دخلت الحوش الاول وهو واحد من الترياقات المضادة التي ظلت تحمي هذا التضامن في لحظة غباء او عاطفة جياشة، وقبل ان يكون عبد اللطيف مانديلا الجزيرة ارجو ان يكون واحداً من اعضاء هذا التضامن مانديلا السودان، او جورباتشوف السودان كما ذكر حسن محمد صالح في مقاله القيم، (وحلاً باليد ولا حلاً بالسنون).

الصحافة


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 3356

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#299192 [ttg]
1.00/5 (1 صوت)

02-21-2012 07:42 AM
حتى الان أستاذنا عليو كلامك دبلوماسى جدا فى هذه النقد ولكن من يفهم أهلك الجنجويد إنهم مستخدمون كوقود لهذه العنصرية الشمالية ولولا أهلك ما إستمرو فى حكمهم منذ تمرد 1955 وتمرد بولاد والتمرد الأخيرة ..... تانى مرة الآخيرة والمستمرة منذ 2003 ، وفى النهاية لا يحق إلا الحق يا كلنا سودانين يا هم العرب ، النقاوة ، الطهارة والآخرين حطب يستحدمونهم لإنارة خبثهم وخبزهم ، والعفو للجنجويذ رغم مرارة الفعل ، بس على الأقل الجنجة يوم من الأيام دماغهم حتفتح ويتوبو إلى الله ، عكس بنى النيل الذين تطاولوا ختى على الدين نفسه:D


#299053 [ابو مصعب الرزيقي]
1.00/5 (1 صوت)

02-20-2012 09:49 PM
شكراً يا اللآخ محمد عيسى عهدنا منك في الآونة الأخيرة المقالات الشجاعةوالجريئة ونأمل ان يكون ذلك الديدن لكل الكتاب وهو السبيل السلمي ولأمثل لإخراج الشعب والوطن من هذا المأزق والحفاظ على ماتبقي منه إن كانت هناك أذن صاغية ومسئولية وطنية تستشعر الخطر الداخلي والخارجي.( )


#299037 [إبراهيم]
1.00/5 (1 صوت)

02-20-2012 09:12 PM
أحسنت يا عليوه ، هذا هو الطعن في الفيل بعينه ، لا ما يقول المثل ، الطعن في الظل . لو قلنا الحقيقة ، لوجدناك الأقرب والأحق بالملك منهم ، لكنكنم بعدتم ، وعندما سنحت الفرصة لتور شين جدكم ، أعانوا عليه إخوانكم من الشمال الابعد حيث الشمال شمال ، فتخلصوا منه. الحقيقة أيضا أن الرؤية أصبحت واضحة وهو أبقوا تبعا لنا أو لا تكونوا. والمشكل إنهم يستغلوننا نحن ابناء الهامش لثبيت أنفسهم ونحن لهم منساقون.


#298944 [ali]
1.00/5 (1 صوت)

02-20-2012 06:00 PM
الخروج يوميا فى الشوارع الرئيسية صامتين لمدة نصف ساعة


#298915 [رياض]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2012 04:37 PM
شكرا للاستاذين
ناس الشمالية هم الاكبر عددا في السلطة لكن خدماتهم لكل السودانيين ولم تر أعيننا سودانيين قوميين غير هؤلاء الشماليين
قم بزيارة الى دنقلا حلفا بربر شندي وكل المدن التي ظلت بعد الاستقلال أشباه مدن خوفا من اتهامهم بخدة الشمالية
المرحوم نميري قال لأهلنا انتو في الآخر يعني الشمالية بعد كل الأقاليم

أتحداك عدو عدد الوزراء والرؤساء وأنسبوهم لمناطقم وشوفوا مناطقم فيها شنو

نحن مدارسنا بنوها جمعياتنا في الرياض وجدة والدمام وأبها
رواتب مدرسينا من المغتربين
الكهرباء بي بوابير مشترينها المغتربين وحتى الجزلين

ما تقعدوا تكتبوا من تحت المكيفات ياوهم انت وهو

بس سؤال مهم محيرني : ليه الناس بيقولوا دنقلاوي لي أي واحد من الشمالية يعني الحكومة دي مافيها الا بكري حسن صالح لكن ال تلاقيهو يقول ليك الدناقلة ورمونا

العمصرية بغيضة لكن جمعياتنا أكبردليل على التعاون ويكفينا فخرا ان الناس الكونوها هم طباخين وبوابن ما متعلمين
هل عندك ناس زي ديل يا البتاكلوا في بعض

اللهم أغفر لهم فانهم لا يعلمون


ردود على رياض
Sudan [Emesary] 02-20-2012 10:37 PM
اقرأ المقال مرة أخرى بل وثالثة وبتروّ وبصفتك ابن آدم سوداني فقط ( يعني أنسى أنك تنتمي لأيّ قبيلة - وهذا بالمناسبة في غاية الاهمية لاستيعاب مضمون المقال ) ثمّ من بعد عاود قراءة تعليقك هذا وبكل أمانة - أكرر بكل أمانة هذه - أفدنا ألا تزال مع تعليقك هذا أم ........... مع احترامي لرأيك اللاحق بالطبع


#298838 [ابو محمد الرزيقي]
0.00/5 (0 صوت)

02-20-2012 02:38 PM
شكر للاستاذ محمد عيسى عليو على هذا المقال الجرئي ونتمنى من كل الكتاب الوطنين الطرق بقوة على هذا الموضوع وتعرية هذا الكيان العنصري حتى نحافظ على ما تبقى من تراب للوطن، وإلا يستبينوا الكل النصح ضحى الغد


محمد عيسي عليو
محمد عيسي عليو

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة