حديثكم يقتلنا
02-21-2012 11:32 AM

حديثكم يقتلنا

عبد الله مكاوي
[email protected]

العنوان أعلاه تعديل للشعار الذي رفعه الثوار السوريون وهم يعبرون فيه عن خيبة أملهم ويأسهم وإحباطهم من وقوف إخوانهم في الإنسانية معهم في محنتهم وهم يواجهون آلة القتل الاسدية الهمجية والشعار كان موجه بالخصوص للجامعة العربية وهي تسير كالسلحفاة بقوة الدفع الخليجية والكوابح العراقية والسودانية واللبنانية و الجزائرية. وطلب الثوار والمحتجين ينبع من انعدام توازن القوة بين نظام يوجه كل قدراته الأمنية والعسكرية لصدور أبناء شعبه الأعزل الذي يرفع شعارات سلمية ويطالب بمطالب موضوعية وواقعية ومجرد من كل سلاح إلا سلاح الإيمان بقضيته العادلة، وعندما فشلت كل المحاولات السلمية للتعبير عن الرأي وجوبهت بالرصاص والاعتقالات والتعذيب بدأت الثورة تتخذ طابع التسليح كنهاية منطقية لتعنت النظام الاستبدادي الفاشستي المتعطش للدماء الذي ظن من خلال وجوده الطويل في السلطة بقوة الحديد والنار انه استعبد شعبه وان قوله هو القول الفصل، ونظام الاسد البعثي الطائفي مثله مثل كل الأنظمة الاستبدادية التي تؤمن بالمنطق الفرعوني لا اراكم الا ما اري وهذه الانهار التي تجري من تحتي هي من صنع ابداعي وقدرتي واوجهها حيث أشاء، والنسخة البعثية الاسدية تشابه النسخة البعثية الصدامية وكلاهما يرفض أي صوت مخالف او حر او أي بادرة لإقامة نظام سياسي يسمح بالتعدد وقبول الآخر الذي تم نفيه وإقصائه داخل الذهنية الاستبدادية التي لا تؤمن الا بالصوت الواحد واللون الواحد وهما صوت ولون الزعيم الأوحد الذي يعلم وحده مصلحة الوطن والمواطن وهو الوصي علي الجماعة، ولذلك أي محاولة لتعديل هذه الصورة المقلوبة تعني انتهاك للمقدس(سلطة الزعيم المطلقة) وبالتالي لا يتورع النظام في استخدام جميع أدوات القمع والقهر التي لا تخطر علي البال السوي وأصبحت مواجهة هذه الأنظمة او مجرد رفع الصوت تعني قطع تذكرة مغادرة من الدنيا وفي الحالات المخففة تعني مصادقة السجون والتسلي بآلة التعذيب المجاني (الذي لا تحده حدود إلا الموت) طوال العمر. وسط هذا الواقع البئيس ترتفع بعض أصوات المعلقين والكتاب والمحللين وتعلن عن دعمها وتأييدها المطلق للنظام السوري وهم يرددون نفس منطق النظام السوري عن المندسين ودولة الممانعة والمقاومة لإسرائيل والاستهداف الخارجي وغيرها من المبررات المكررة الواهية، لأن التجربة التاريخية أثبتت ان هذه الأنظمة اكبر داعم للخارج ومنفذ لأجندته ضد مصالح بلادهم من اجل البقاء في السلطة طوال الحياة لان التركيبة النفسية لقادة هذه الأنظمة لا تتقبل ان تكون ضمن الرعايا او هم مجرد مواطنين كغيرهم من أبناء البلاد(الجرذان حسب اعتقادهم). ويقودنا موقف هذه المجموعة للجدلية القائمة بين المثقف والسلطة بوصفهم منتمين لهذه الشريحة ودور المثقف كما يري الكثيرون يقوم علي توظيفه لمقدراته الفكرية لتبصير شعبه بحقوقه وواجباته، ايجابياته وسلبياته من غير محاباة لأي طرف والتصدي لتزييف الحقائق والتبشير بالمستقبل ومقاومة اليأس وانحيازه للحرية لأنها تمثل الفضاء الذي يعمل من خلاله ويعمل لمصلحة مجتمعه من غير منَّا او أذي، أما السلطة عبر التاريخ أعلنت عن انحيازها التام لمصلحتها الشخصية وأنانيتها المفرطة وتوظيفها لأدواتها (القوة ،المال،المكانة الاجتماعية) للمحافظة علي مصالحها وامتيازاتها وهو الشئ الذي جعل العلاقة بين المثقف والسلطة تشهد الكثير من التوتر والتناقض والاختلاف بحكم التعارض بين ادوارهما وهذا التناقض او الصراع يتم حسمه داخل الأنظمة الديمقراطية بصورة سلمية وراقية لان النظام الديمقراطي يهيئ الظروف الملائمة لإدإرة هذا الصراع ويحدد مسافات وحدود كل طرف بما يحافظ علي هذه العلاقة بصورة صحية. ولكن في ظل وجود الأنظمة الاستبدادية تنعدم الأرضية المشتركة والعلاقة السوية ولا يوجد سوي ملعب واحد ملك للسلطة وتحدد السلطة كل قوانين اللعبة وتمثل الحكم في نفس الوقت كما يري البعض. لذلك من حيث المبدأ من حق أي محلل او كاتب او إعلامي ان يختار موقفه او انتمائه او وجهة نظره من غير إدانة او تهجم او تهمة ولكن تكمن المشكلة في غياب الأسس العادلة لحرية الاختيار أي لابد في البداية من الاتفاق علي الأسس التي تتيح حرية الاختيار بمعني آخر رفض الاستبداد الذي يمثل اكبر عائق لحرية الاختيار بكبته للحريات ومصادرته للرأي الآخر بل ومصادرته لحق الحياة، أما الوقوف الي جانب الاستبداد ومحاولة استخدام مسميات أخري لإخفاء حقيقة الاستبداد ومن ثم تصديق هذه الأوهام والسير خلفها خوفا من مواجهة الحقائق عارية، يمثل هذا الموقف تخلي هذه المجموعة مجانيا عن دورها في توعية الشعب والدفاع عن مصالحه والوقوف ضد استغلاله وإهانته والأسوأ من ذلك أنها تتحول الي أبواق تهتف بحياة المستبدين وتبرر أفعالهم الصبيانية المخاصمة للحكمة، والبرئ منهم يعتقد انه بهذا الموقف يخدم القضية العربية او الفلسطنية او انه يقاوم المشروع الصهيوني الأمريكي ونسي هولاء ان الطريق الي جهنم مفروش بالنوايا الحسنة وان موقفهم هذا يمثل سقطة في تاريخهم لن يزيلها صدق المشاعر والتشدق بمناهضة الإمبريالية وان موقفهم هذا يقلل كثيرا من صدقية الدعوة للديمقراطية والحرية التي يطلقونها في مناسبات وقضايا مختلفة وفي مناطق اخري. وعندما تصف هذه المجموعة الثوار الأبطال بالمندسين والإرهابيين ويصفون الثورة السورية بأنها محاولة لتخريب سوريا الصمود والممانعة وهي نفسها دعاوى النظام الاسدي المستبد كما ذكرنا سابقا واذا صدقنا جدلا صدق هذه الدعاوى فنظام الاسد قائم ما يقارب الخمسة عقود لماذا هذه الثورة قامت الآن؟ اليست هي امتداد لأخواتها في الدول العربية الثائرة! وبمنطقهم هذا فالثورات التي قامت في تونس ومصر وليبيا والتي دعمها بعضهم ايضا كانت مؤامرة وتخريب!. أما بخصوص الممانعة والمقاومة التي يلبسونها كتمائم وتعاويذ تقيهم شر الإمبريالية والصهيونية ! أي مقاومة هذه التي لم نشهدها من دولة محتل جزء عزيز من أرضها منذ عام 1967 ولم تطلق رصاصة واحدة علي العدو طوال هذه الفترة بل وأجرت بعض المباحثات السرية معه وهي من أكثر الجبهات استقرارا مقارنة بلبنان وفلسطين ووقوفها كان عبر دعم احد الفصائل في الدولة اللبنانية الهشة التي تقوم علي توازن طائفي حساس وعملت السلطة السورية طوال تاريخها علي التدخل في الشأن اللبناني وفرض الوصاية عليه. ونجد النظام السوري قد دأب علي استخدام إسرائيل كفزاعة ودرع حديدي وأخلاقي يحمي به نظامه، والجميع متفق بأن إسرائيل دولة احتلال وأنها تنتهك القوانين الدولية تحت حماية ورعاية العم سام ولكن هل الاستبداد وإقامة أنظمة عائلية وطائفية هو الخلاص او الحل لحالة الصراع ضد اسرئيل؟ واذا كان هذا الحل صحيحا لماذا جثمت إسرائيل علي الأرض العربية الطاهرة طوال هذه الفترة وكتمت أنفاس قرارات الأمم المتحدة وكل المساعي الحميدة لحل الصراع معها؟. يجب ان نعترف بصراحة ان جزء من قوة اسرائيل يكمن في النظام الديمقراطي الذي تحكم به والذي يمكنها من اكتشاف أخطاءها ومن ثم المسارعة بمعالجتها ويوفر هذا النظام للشعب الاسرائيلي الكرامة والقوت والحرية وصدق الانتماء ولذلك لن يتوانى المواطن الاسرائيلي في المسارعة للدفاع عن وطنه، ولكن كيف نرجو المقاومة من شعوب امتهنت السلطات المستبدة كرامتها وجوعتها وحاربت مبدعيها ونهبت ثرواتها وحولت البلاد الي سجون كبيرة الداخل فيها مفقود والخارج منها مهاجر دون عودة، سجون يسكنها الخوف والجوع والحرص علي السلامة الشخصية ومات فيها منذ أمد بعيد الشعارات الرومانسية كحب الوطن والمصلحة العامة، خاصة وهم يشعرون ان هذه البلاد ليست ملكهم بل هم مجرد أتباع يستخدمون لإرضا السادة الحكام ويحضرني هنا قول منسوب لسعد باشا زغلول عندما شكل احد الوزارات (ولقد لبثت الأمة زمنا طويلا وهى تنظر إلى الحكومة نظر الطير للصائد لا الجيش للقائد، وترى فيه خصما قديرا يدير الكيد لها لا وكيلا أمينا يسعى لخيرها).
ما يجري في سوريا هي ثورة حقيقية تدافع فيها السوريون بشجاعة وجسارة منقطعة النظير وهم يواجهون الموت كالفرسان والنبلاء وكلما مات منهم ثائر أنبتت ارض سوريا وساحاتها وحواريها آلاف الثوار من اجل غدٍ مشرق لسوريا وأجيالها ومن اجل وضع حد للاسد الصغير والجوقة الفاسدة وأصحاب المصالح الذين امتصوا الرحيق واكتنزوا الأموال وامتلكوا الضياع وفعلوا فعل السوس في أعمدة بقاء الدولة ودعائم مستقبلها وأوصلوها الي هاوية الضياع وهم يحاولون محاولتهم الأخيرة للتماسك والنجاة ولكن هيهات فقد دارت عجلة التاريخ ولا يمكن إيقافها او إرجاعها الي الوراء وكل محاولات الإرجاع ستبوء بالفشل وسترتد الي نحر النظام الذي نسأل الله ان يذهب بسرعة وبأقل الخسائر الي مزبلة التاريخ مُشيَّع باللعنات وكحقبة سوداء تستدعي التفاكر والتدارس لبناء حائط صد يمنع تكرار هذه المأساة وأخيرا نُذَّكِر المجموعة المدافعة عن نظام الاسد بجملة فاكلاف هافل الشهيرة(إذا تعرفت إلى دكتاتور، تعرفت بهم جميعاً).
قبل الوداع
(اللهم أرحم الفنان المبدع محمد عثمان وردي وأغفر له بقدر ما قدم للوطن واسعد للمواطن وادي حق الوطن كأحسن ما يكون الأداء وألهم أهله ومحبيه الصبر وحسن العزاء وارزق وطننا الحرية والخلاص والإنعتاق من قيود الاستبداد والفساد وانعم علي مواطنيه الحياة الكريمة والعمل الطيب الصالح في الدنيا وحسن القبول في الآخرة وإنا لله وإنا إليه راجعون)


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 758

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة