المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
متى تنتهي تبعية المواطن للدولة؟ا
متى تنتهي تبعية المواطن للدولة؟ا
08-29-2010 01:56 PM



متى تنتهي تبعية المواطن للدولة؟

ابراهيم الامين

في نهايات القرن العشرين شهد العالم تحولات لافتة نحو الديمقراطية.. والمنطقة الوحيدة في العالم التي تخلفت عما عرف بالمد الديمقراطي أو الموجة الثالثة، هي المنطقة العربية، فيها استطاعت الأنظمة التسلطية أن تحافظ على استمراريتها ولو من خلال بعض الأساليب والإجراءات الشكلية، ومن هنا برز سؤال على درجة عالية من الأهمية وهو ما هي الأسباب؟ البعض أرجعها إلى تسلطية الثقافة السياسية العربية وافتقارها إلى القيم والمبادئ الديمقراطية وهي بلا شك إفراز لتجربة تاريخية عرفت بالتسلط والاستبداد والتنشئة والاجتماعية الخاطئة، وزاد من معاناة الناس أن الدولة في عالمنا العربي وفي دول العالم الثالث عموماً فاقدة للشرعية والمؤسسية... في الدول العربية غلبة الولاء للعصبيات وهي بهذا الفهم غير مؤهلة لاحتمال التعددية السياسية أو الإلتزام بقيم المواطنة وسيادة حكم القانون، إضافة إلى عامل آخر هو سوء الإدارة وفسادها وما ترتب عليه من تعثر في مشاريع التنمية وفي زيادة في معدلات الفقر والبطالة... وإعطاء الغلبة للطابع الريعي للدولة أدى إلى تعميق تبعية المواطن للدولة من ناحية، وحرر الدولة من أي ضغوط مجتمعة بشأن المشاركة السياسية من الناحية الأخرى...
أزمة بناء الدولة الوطنية:-
الدولة القومية في أوربا جاءت نتيجة لتجارب وحروب طاحنة منحتها القدرة على التطور والاستمرارية في مجتمعات مفتوحة وعقلانية في دول العالم الثالث نقلت الدولة الأم (الدول الأوربية) نموذج الدولة القومية من مجتمعات صناعية متطورة إلى مجتمعات بدائية متخلفة... لهذا السبب ولغيره نشأت ازدواجية وعدم تجانس بين الدولة الجديدة وحاجات المجتمع... وهي حسب مقولة غسان سلامة... ما فاقمت من نشوة الاستقلال... لتبدأ مرارة الاستمرار بكل ما تحمل هذه الكلمة من واجبات تجاه مواطنيها في ظل ضعف الدولة وهشاشتها، في دول العالم الثالث تداخلت القضايا بعد أن ازدادت تعقيداً واختلطت الأوراق والمفاهيم بين مصطلح الدولة- والحكومة، والمجتمع... والأمة وزاد من حدة الأزمات وتعقيدها... التفسير المشوه لمفهوم الدولة القومية وللديمقراطية... ولنظم الحكم اللامركزي... علماً بأن الدولة القومية وهي كظاهرة حديثة نسبياً تزود الفرد بالإحساس بالانتماء للهوية الجامعة لكل المواطنين... والالتزام بالقومية فكراً وممارسة يؤدي في النهاية إلى وحدة التراب وتماسك المجتمع، ويمكن القوى الحية فيه من تجاوز الانقسامات بكل أشكالها وأنواعها... ويمكنها أيضاً من تعبئة الجماهير خصوصاً في أوقات الأزمات، هذا ما نحن في أمسّ الحاجة إليه في السودان... وهو أن تكون النزعة القومية هي السائدة في مختلف مستويات الحكم... وأن تكون المواطنة هي المعيار الوحيد لتولي الوظيفة العامة... فالحكومة أي السلطة التنفيذية... تعني الأشخاص الذين يقومون بالقيادة عند نقطة معينة من الزمن، بتكليف من الشعب لتنفيذ برنامج معلن نالوا بموجبه شرف تكوين سلطة شرعية معترف بها كسلطة مشروعة عادلة وصحيحة... لها الحق في إصدار القرارات وممارسة النفوذ- ينطبق هذا على الأنظمة التي تطبق الديمقراطية المبنية على فكرة المشاركة الشاملة في عملية صنع السياسة... فيها الوظيفة العامة مفتوحة أمام الجميع ويتم توليها بشكل متناوب وهي في حالة تطور مستمر ففي بريطانيا... كتب جون استيوارد ميل عن الديمقراطية التمثيلية كوسيلة للسيطرة على كل من الأغلبية العادية من متوسطي الجودة أو المصالح الأنانية الفاسدة للطبقة الأرستقراطية... واقترب ميل من الديمقراطية الحقة بدفاعه عن التمثيل النسبي الذي بني على مشروع توماس هير... من أجل تحقيق توازن المصلحة التناسبية، ومنع أية جماعة خاصة أن تسود.
في بلادنا المنكوبة غياب تام لمفاهيم الديمقراطية... وهي نتيجة مباشرة لضعف أساليب التنشئة السياسية فالديمقراطية ليست مجرد مؤسسات وإجراءات فحسب للديمقراطية مضمون قيمي/ ثقافي مثل التسامح السياسي والفكري والقبول بالتعددية السياسية والفكرية... وإرادة الأغلبية، المساواة، المشاركة السياسية، الشفافية... واحترام حقوق الإنسان... بدون تكريس هذه القيم في الوعي الجمعي للمواطنين وترجمتها إلى إجراءات وممارسات على صعيد العملية السياسية يصعب الحديث عن ما نردده كل يوم عن التحول الديمقراطي... وهناك مؤشرات فيها ما يؤكد ضعف وهشاشة الديمقراطية في بنية الثقافة السياسية في بلادنا... منها أن عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية في جوهرها عملية تسلطية... تكرس لدى الفرد عبر مراحل حياته المختلفة قيم الطاعة غير المبصرة والخضوع والسلبية وعدم المناقشة وإبداء الرأي، يتم هذا في البيت داخل الأسرة وفي المدرسة والجامعة وفي وسائل الإعلام التي تحتكرها الدولة أو التي تملك القدرة على تسييرها بوسائل أخرى... لذلك عندما يصل الفرد في بلادنا مرحلة النضج يصبح غير مؤهل للمشاركة بفعالية في الحياة العامة لغياب العقل الناقد... وهو غالباً ما يقف على الهامش أو أن يشارك بصورة شكلية «مجرد تكملة عدد»...
ومن هنا شكك الناس بعد الانتخابات الأخيرة في عملية الانتقال إلى تعددية سياسية تفضي إلى حدوث تغيير جوهري في حياة الناس... وفي طبيعة النظام الحاكم والدليل... وجود الكثير من القيود والضوابط السياسية والقانونية الإدارية والممارسات العملية التي أعادتنا إلى مرحلة ما قبل الانتخابات وفي المقابل... فإن فشل الحكومة لا يعني نجاح الأحزاب الأخرى... معظم هذه الأحزاب مجرد لافتات معلقة في الهواء وبعيدة عن نبض الجماهير... وهي أيضاً تفتقر للفاعلية وللقدرة على تحريك الجماهير والتفاعل مع قضاياها الحياتية مما يجعل دورها في العملية السياسية هامشياً...
غياب الأطر الفكرية الواضحة والديمقراطية الداخلية في أحزابنا السياسية مكن الحزب الحاكم من اختراقها ومن استقطاب بعض قياداتها... لذلك يجب أن نعترف أن ما نعانيه للمعارضة المنظمة وللمثقفين عامة دور فيه... الحديث عن سلبيات النظام وهي كثيرة ومشاهدة بالعين المجردة ولأبسط الناس... مثل تخلي الدولة عن واجباتها... الحالة المعيشية البائسة لغالبية المواطنين... نتيجة للفقر والبطالة وارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، غياب الحريات وفرض القيود على منظمات المجتمع المدني بما يحد من استقلاليتها وفعالية دورها المجتمعي فيها، ما يؤكد أن قناعة الحزب الحاكم بالديمقراطية لا تعني البحث عن صيغة سياسية جديدة تضمن تمثيل المصالح المتنافسة في المجتمع بأساليب سليمة ومنظمة... تؤسس لعقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع... فالتحول الذي حدث في مسيرة النظام جاء نتيجة حسابات تتعلق بحرص النظام الحاكم على ضمان استمراريته... في ظل ظروف داخلية وخارجية ضاغطة... الاستفتاء وما قد يترتب عليه من أحداث خطيرة إن رفض أهل الجنوب تجديد الثقة في الوحدة... الأزمة في دارفور بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية... الوجود العسكري الأممي الكثيف من أصحاب القبعات الزرقاء وتعارضه مع ممارسة الدولة لسيادتها على أرضها ومواطنيها... المحكمة الجنائية الدولية والحملة الإعلامية المصاحبة لها عند الإعلان عن أية زيارة لرئيس الجمهورية خارج البلاد. هيمنة الدولة علي الحياة السياسية والسوق وتدخلها في الثقافة والرياضة عبر سلسلة من القرارات السياسية والقانونية والإدارية أضفت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدى وعامة المواطنين، السياسات الاقتصادية «التحرير الاقتصادي» كان لها ثمن تحمله الفقراء ومحدودي الدخل... تخفيض الانفاق العام على الصحة والتعليم وتخلي الدولة عن تطبيق مبدأ العدالة في سياسة التوظيف ألحق الضرر بالفقراء والمهمشين وزاد من معدلات البطالة... الخصخصة وبيع مؤسسات منتجة للقطاع الخاص مع الإهمال المتعمد للقطاع العام في قطاعات حيوية – السكة حديد-مشروع الجزيرة... والنتيجة ما نشاهده من تناقضات داخل المجتمع ومن فقدان للثقة، شريحة ضيقة من المواطنين تملك كل شيء وعلى حساب عامة الناس... أدى هذا إلى غياب الاستقرار والى العنف والحروب وحمل السلاح ضد الدولة. ومع الحديث المكرر عن التنمية والإصلاح السياسي والاقتصادي، وعن تبني الدولة لسياسات من شأنها تحقيق العدالة الاجتماعية... نجد أن المطبق منها على أرض الواقع مناقض لما يقال ولما ينشر في وسائل الإعلام لغياب الشفافية والمساءلة ولتخلي الدولة عن دورها... في إدارة الاقتصاد بما يحقق مصالح عامة الناس... تبني الدولة لاقتصاد السوق لا يعني إلغاء دورها الرقابي والتنظيمي والتنسيقي والمحفز لمشاريع التنمية، ولكن هناك مشكلة تحتاج لوقفة لمعالجتها دون حساسية.. وهي أن القطاع الخاص ضعيف لعوامل متعلقة بظروف نشأته من جانب، ومن جوانب أخرى تبني الدولة لعناصر مختارة منه تقدم لها التسهيلات والإعفاءات الضريبية والجمركية فضلاً عن المشاريع التي تخصص لهؤلاء دون الإعلان عنها... هنا يجب أن نعترف أن القطاع الخاص السوداني قطاع رائد رغم محدودية الأعمال التي يقوم بها، والآن مع التوسع الذي حدث في الاقتصاد وفي علاقات السودان الخارجية في ظل العولمة للقطاع الخاص دور محوري في تنمية البلاد وتطويرها... بشرط أن نفرق بين نوعين من القطاع الخاص... القطاع الخاص المنتج... والقطاع الخاص الطفيلي... الأخير تنخرط عناصره في أنشطة غير منتجة عديمة المردود من الناحية الاقتصادية الاجتماعية... وتنطوي كثير منها على ممارسات غير مشروعة تندرج تحت باب الجريمة الاقتصادية وهو ما أدى إلى اتساع ما يعرف بالسوق الأسود... لوجود شبكة من العلاقات بين مؤسسات في القطاع العام وأجهزة الدولة يحصل بموجبها على منافع خاصة مقابل تقديم تسهيلات دون وجه حق لعناصر من القطاع الخاص أو غض الطرف عن الممارسات غير المشروعة وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى فساد أجهزة الدولة وتخريبها هذا ما عبر عنه بصدق وزير التجارة والصناعة المصري في لقاء له في قناة المحور أمس الأول إذ قال... الخطورة ليست في مافيا القطاع الخاص وحدها... بل في البيروقراطية المصرية التي سمحت لها بأن تخرب الاقتصاد المصري!! تنامي هذه الظاهرة في مراحل الانتقال والتحول شيء طبيعي لغياب الشفافية والديمقراطية... فالديمقراطية تعني ببساطة تكريس قيم وآليات ومؤسسات المساءلة والمحاسبة... ففي المجتمعات المفتوحة... قطاع خاص قوي ومؤثر وللدولة أيضاً دورها الرقابي إضافة لرقابة الرأي العام (حرية الصحافة) واستقلال القضاء، أما في الدول غير الديمقراطية للمال دور سالب في حياة الناس لقدرته على التأثير على مختلف مؤسسات الدولة... ففي الانتخابات العامة تسعى بعض العناصر من أصحاب الأموال المشبوهة للحصول على الحصانة البرلمانية... وتوظيفها كمشروع استثماري... ومن هنا جاء التداخل غير المشروع بين السلطة والمال وما يقترن بها من علاقات وممارسات فساد وإفساد... وهي واحدة من المعوقات الأساسية لعملية التحول الديمقراطي... ربما لهذا السبب يتحدث العقلاء عن أهمية الفصل بين المجالين الخاص والعام... وعن سيادة حكم القانون... فالقانون بالنسبة لأنصار الحكم الدستوري ينبغي أن يكون إطاراً لقواعد معروفة ومستقرة لا تميز بين فرد أو جماعة على أساس المولد أو المكانة أو أي امتياز آخر يُحدّد استثناءً خاصاً... هذه القواعد يجب أن تكون عامة ومطبقة على قدم المساواة على الجميع دون رهبة أو تحيز... لضمان أقصى درجة من والعدالة المساواة.
ما العمل؟
... أن نبدأ بالمواطن... وبالمناطق البعيدة في الأطراف، وأنا هنا لا أريد تكرار ما هو معروف للجميع... أي الحديث عن الحريات والحقوق وتطبيق الديمقراطية خاصة وبلادنا الحبيبة تمر اليوم بمرحلة حساسة ومعقدة... الاهتمام بقضايا المواطن الحياتية تعني مزيد من اللامركزية واهتمام أكثر بمؤسسات الحكم القاعدية (المحليات)... والوسطية الولايات... بتنمية القدرات البشرية والإدارية والمالية... لرفع كفاءتها والتأكد من أنها تمثل المواطنين وتعمل لخدمتهم بدلاً من خدمة الأجهزة البيروقراطية التنفيذية... وحلفائها من أصحاب النفوذ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي... عن تجارب السودان في هذا المجال كتب السيد/ إبراهيم عيسى هدل في جريدة الصحافة في 17 أغسطس 2010م... مقالاً جاء فيه أن تجربة الحكم المحلي في السودان لم تحقق هدف المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار المحلي... فمنذ قانون د. مارشال... وقانون إدارة المديريات 1961م وقانون الحكم المحلي 1971م وإلغاء الإدارة الأهلية... وقيام الحكم الإقليمي 1980م والحكم الفدرالي 1991م في عهد الإنقاذ الذي بدأ بتسع مديريات (ولايات)... تم تقسيمها في عام 1993م إلى 26 ولاية... 118 محافظة، 531 محلية وفي عام 2003م اتخذت الإنقاذ قراراً بإلغاء المحافظات وتقليص المحليات إلى 134 محلية وبموجب إتفاقية السلام تم إلغاء ولاية غرب كردفان وضم أجزاء منها إلى ولاية جنوب كردفان... كل هذه التجارب في نظر الكاتب استخدمت قانون الحكم المحلي لإضعاف سيطرة المواطنين والإدارة الأهلية على الموارد دون توفير البديل المناسب لتحقيق العدالة والتوازن في إدارة الثروة والسلطة في ظل غياب كامل للنساء من التمثيل في إدارة الحكم المحلي، وأوضح الكاتب أن الخلل في تجربة الحكم الفدرالي في السودان يعود إلى سير التجربة وفق سياسات فوقية تمليها الحكومة المركزية... صياغة دستور الولايات كمثال تمت وفق نموذج قدمته وزارة الحكم الاتحادي وعلى ذلك تسير كافة شؤون الحكم الفدرالي بدفع من المركز مع ضعف في مستوى الأداء بالمحليات التي تمثل الوحدات الإدارية والخدمية والتنموية المرتبطة بحياة الناس واحتياجاتهم اليومية....

الاحداث


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1517

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#19621 [الضـــــــــــــــــكر]
0.00/5 (0 صوت)

08-30-2010 01:03 AM
تنتهي تبعية المواطن للدولة بعد الحرب الأهلية السودانية القادمة...
اسي نصف سكان السودان سيذهبون للجنوب...وبالتالي يكون اكثر من نصف السكان تقريبا تخلت الحكومة عن مسؤوليتها تجاههم واضف الي ذلك المغتربين حيث ايضا الحكومة لا تتحمل المسؤولية الحياتية تجاههم....


ابراهيم الامين
ابراهيم الامين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة