المقالات
المنوعات
السلطة والتراث..أحمد إبراهيم أبو شوك
السلطة والتراث..أحمد إبراهيم أبو شوك
02-29-2016 02:03 AM




صدر عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي كتاب السلطة والتراث لـ أ. د. أحمد إبراهيم أبو شوك، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر. والكتاب الصادر عام 2015 من الحجم المتوسط، يحتوي على 418 صفحة، وهو الجزء الخامس من سلسلة "السودان: السُلطة والتُراث"، التي يصدرها الكاتب بانتظام.
والكاتب يتابع منهجه السابق، فينقسم الكتاب الى جزئين، فالأول الخاص بالسلطة يحتوي على احدى عشر مقالا، اما قسم التراث فيضم خمسة مقالات.
لا يهدف هذا المقال الى تقديم مراجعة نقدية كاملة للمادة القيمة للكتاب، فهذا متروك لذوي الاختصاص، وانما بهدف عرض لبعض المقالات والاشارة والتنبيه لمثل هذه الاصدارات الجديدة والهامة، من قارئ
مهتم ومتابع.
يأتي في جزء السلطة مقالين عن الثورة المهدية.
الأول بعنوان: منهجية التشريع المهدوي في السودان (1881 -1885 م)
يكتب أبو شوك: "راجت فكرة المهدية في سودان القرن التاسع عشر الميلادي، بفضل كتب التُراث الاِسلامي التي كانت متداولة آنذاك، وقوافل الحجيج المارة من غرب إفريقيا إلى الأراضي المقدسة، والتي كانت تبشر بظهور المهدي المنتظر في الشرق. استناداً إلى هذه البشائر والتطلعات اندلعت الثورة المهدية في السودان في يونيو 1881 م". ويشير الكاتب الى بواكير الدعوة الاِسلامية في الجزء الشمالي من سودان وادي النيل في أواسط القرن السابع الميلادي وظل إسلام أهل السودان حتى قيام مملكة الفونج (504 -821 م) إسلاماً صورياً، لم يعرف طريقه إلى كثير من شؤون الناس الحياتية. فالثقافة الدينية المستمدة من الفقه الشرعي الذي يقوم على الدرس والتحصيل قد استهوت القلة من الناس، اما الغالبية فانخرطت في طرق صوفية شتى. ويرى أن التوجه الصوفي قد أضعف الملكة النقدية للشخصية السودانية، وجعلها أسيرة الاِيمان بشخصية الداعي لا جوهر الدعوة، وأقعدها أيضا عن جهد البحث والتحصيل.
أما في ما يتعلق بمنهجية التشريع المهدوي، وهو كما يرى، تستند إلى اتجاهين فكريين: أحدهما سلفي، والآخر شيعي – صوفي. فالاتجاه السلفي يتبلور في إحياء الكتاب والسنة، وطرح العمل بالمذاهب الفقهية وحظر نشاط الطرق الصوفية. والاتجاه الشيعي الصوفي، فالإمام المهدي استمد مرجعيته وأهليته من فكرة المهدي المنتظر ذات الجذور الشيعية، والارتباط الوثيق بمفهوم الاِمامة. ويلحظ أبو شوك بأن كلا الاتجاهين صيغا في قالب ثوري أخرجهما عن نمط التقليد، وأظهر عليهما في نفس الوقت أعراض التناقض والارتباك أحياناً، حين آخى الاِمام المهدي بين تناقضات التوجه السلفي والشيعي الصوفي، وصهرهما معاً في بوتقة واحدة، من خلالها استطاع أن يوسع مقاصد الكتاب والسنة، على حسب ما يوافق تطلعاته الذاتية، ومسار دعوته المهدية. دون التزام بمنهج علماء الأصول.
الثاني بعنوان: الاستراتيجية العسكرية للإمام المهدي في السودان.
المقال يهدف الى دراسة وتحليل الاستخراجية العسكرية ضد الحكم التركي- المصري (1821 – 1881 م)، مستندا إلى بعض الاِشارات الاستراتيجية الواردة في كتاب "فن الحرب" الذي ألفه العسكري الصيني) في القرن السادس قبل الميلاد. ويشير الى العوامل الخمسة، كما جاءت في الكتاب Sun Tzu) صن تزو): النظام العام، والقيادة العسكرية، والقانون الأخلاقي للجُند، وتضاريس الأرض، وطبيعة المناخ. ويشير الى مفهوم الشخصية الكاريزمية عند ماكس فيبر وربطها افتراضا بشخصية الاِمام المهدي.
ويتساءل في مقدمة البحث: هل كانت استراتيجية المهدي العسكرية رصيداً لبناء الدولة المهدية (1885- 1898 م) وعلاقتها الخارجية، أم خصماً على مرحلة البناء والتأسيس التي أعقبت انتصار الثورة في الخرطوم عام 1885 م؟ ويرى أبو شوك بعد سرد مسهب ، بأن المهدي استطاع أن يصنع نظاماً عسكرياً وسلوكياً مُحكماً بينه وبين أنصاره؛ لتحقيق مستلزمات الحرب، المتمثلة، حسب رؤية صن تزو، في "النظام العام" "والقانون الأخلاقي للجُند"، "والقيادة العسكرية" المؤهلة. وفي نفس الوقت تقوم مرتكزات استراتيجية المهدي على حزمة من القواعد التنظيمية، المستقاة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأدبيات المتصوفة، مشيرا بذلك الى الهجرة، والبيعة، والجهاد، والقيادة والتنظيم، وطلائع الاستكشاف، والعمل الاستخباراتي، ثم الحصار وتحرير الخرطوم في صبيحة السادس والعشرين من يناير عام 1885م وقتل الجنرال غردون.
وتأتي خاتمة البحث، بان عقيدة المهدية العسكرية القائمة على فكرة المهدي المنتظر قد شكلت إطاراً ثورياُ للدعوة المهدية، أسهم في تعزيز بُعدها السياسي الرامي إلى قيام دولة إسلامية راشدة. ومجيبة على التساؤل الذي جاء في مقدمة البحث: " كل التوجهات العقدية المنطلقة من فكرة المهدي المنتظر ومثيلاتها، قد عقدت المشهد السياسي في السودان، وعرقلت بناء الدولة المهدية مؤسسياً وأخيراً شكلت طرفاً من الأسباب التي أسهمت في القضاء عليها عام 1898م" .
وفي مقال لحق بعنوان: الاِدارة الأهلية في السودان: النشأة والتطور والاِلغاء
بعد عرض مفصل للخلفية التاريخية، موضحاً معالم النظام القبلي في السودان، يناقش نشأة الاِدارة الأهلية، تطويرها من جانب الحكومة الاستعمارية لخلق نوعٍ من توازن القوى بين قطاعات المجتمع السوداني، والبنيات الهيكلية والوظيفية للجهاز الاِداري وفق حزمة من القوانين ومسارها بعد الاستقلال، بعد أن اصبحت عرضة للتنازع بين الفئات القبلية النازعة نحو الاستقلال من سلطان القبائل الكبرى من جهة، ومؤسسات الحكم المحلي من جهة ثانية، ونفوذ الأحزاب السياسية من جهة ثالثة. ومعارضة زعماء العشائر حول الدعوة إلى حل الاِدارة الأهلية، بناء على أجندة إدارية وسياسية دون طرح رؤية موضوعية لمعالجة النتائج المترتبة على قرار التصفية، ثم الاشارة الى مذكرة الشفيع أحمد الشيخ بعد ثورة أكتوبر 1964 ، مطالبة بضرورة "إلغاء الاِدارة الأهلية وحتى إلغاءها عام 1970 م.
يختتم أبو شوك مقاله، مشيراً، بأن قضية حل الاِدارة الأهلية والدعوة إلى إعادة تأهيلها ليست بدعا في السياسة السودانية، وانما تؤكد السياسات غير المدروسة. أن العقل الاستراتيجي في السودان يعاني من مشكلات مزمنة، لأنه يميل إلى تفكير النسق (القوة القطاعية) الذي يفتقر إلى الدراسات الموضوعية في اتخاذ أي قرار يهم مصلحة البلاد العامة، ولأنه يرجًّح المصالحة القطاعية على حساب المصلحة العامة.
أود ان أشير في هذا السياق، الى رأى د. الشفيع خضر حول قرار حل الاِدارة الأهلية، حسب ما جاء في كتابه الموسوم "القبيلة والسياسة في السودان"، الذي صدر منذ أيام قليلة بقوله "...لكن كل هذه السلبيات، وغيرها مما يمكن رصده ومناقشته، لن تجعلنا نوافق على قرار حل الاِدارة الأهلية وتصفيتها، بل سنتمسك بأنه كان قراراً تعسفياً، لم يراعِ تركيبة الواقع السوداني، في حين أن المدخل الصحيح لعلاج سلبيات نظام الاِدارة الأهلية هو بحث توفيق أوضاعه، لتتماشى ومقتضيات ومتغيرات العصر والتطور المجتمعي، في إطار بسط وإشاعة الممارسة الديمقراطية الحقة". ولقد أشار الشفيع الى مقال أبو شوك واستشهد به.
أما مقال: الوزير السوداني: تجربة البؤس وبؤس التجربة، يشير فيه أبو شوك إلى نمازج من الساسة السودانيين الذين اعتلوا وظائف تنفيذية أو دستورية في الدولة جريا وراء المصلحة الشخصية وينتقلون من المعارضة الى كراسي الحكم الوثيرة، ثم العودة الى حظيرة المعارضة بطريقة بهلوانية، عندما يلوح في الأفق عزلهم من مناصبهم، دون واعز أخلاقي أو طُهر سياسي. وعندما يصلون إلى فضاء كراسي المعاش الوثيرة، يدبجون كتابة سيرتهم الذاتية أو مذكراتهم ليبرروا بها مواقفهم المشينة، بغرور وتعصب.
ويشير الى كتاب د. حسن عابدين (حياة في السياسة والدبلوماسية السودانية)، الذي أشار فيه د. عابدين الى قضية الجواز الدبلوماسي السوداني الذي منحته حكومة السودان إلى الشيخ راشد الغنوشي واستلمه من سافرة السودان في الجزائر دون علمه، وهو رئيس البعثة الدبلوماسية. ثم القضية المرتبطة باستخراج جواز للسيدة فاطمة أحمد إبراهيم، معلنة عن رغبتها وقرارها بالعودة للسودان، والعتاب الذي وصله باستخراج الجواز قبل الرجوع الى مكتب الوزير. آنها معلومة جديدة لي، بأن استخراج جواز سفر هي من المهمات الجسيمة لسفرائنا. وهل يا ترى، كان سيثير د. عابدين إلى هذه القضية، لو كان الأمر لا يتعلق بشخصية سودانية سياسية كبيرة ورائدة في العمل النسوي، أو شخصية سياسية وفكرية كبيرة مثل الغنوشي. أنها البطولات الزائفة.
أما في الجزء الثاني: التراث، قرأت بكثير من المتعة والاعجاب مقال:" أطباء السودان الحُفاة: قصة نجاح بهرت العالم." وهو مراجعة لكتاب الأستاذ د. حسن بله الأمين، بنفس عنوان المقال، عالج فيها ثلاث قضايا رئيسية، استندت محصلتها على مؤسسة قابلات القرية، ودورها قبل وبعد تأسيس مدرسة القابلات بأم درمان عام 1920 م، وطبيعة الوظائف التي كانت تقوم بها في كلتا المرحلتين والحلول التي ابتكرتها رائدات مدرسة القابلات، وطوَّرنها لتلاءم احتياجات البيئة المحلية، وتحظى باستحسان المجتمع السوداني الذي كان محكوماً بدقائق بيئاته الدينية، والثقافية، والاجتماعية آنذاك. وأهدى البروفيسور بله كتابه:
"الى أرواح نساء عظيمات، صدقن النية، فعملن، فأبدعن، فأحيين الأنفس، المس مابل وولف وشقيقتها جيرترود، الرائدتين المؤسستين، الست جندية محمد صالح المعلمة الأولى، والست بتول محمد عيسى، الرائدة التي لم تكذب أهلها، وظلت تعطي حتى آخر أيامها، وإلى الأحياء من الرجال والنساء، أصحاب الرؤية الثاقبة، والحس الوطني العظيم، الذين يسعون لتعزيز صحة الاِنسان في السودان وإسعاده".
وكتاب أبو شوك يتعرض في بعض فصوله الى التاريخ القريب، ولذلك يجد بعض القراء أنفسهم داخل هذه المقالات، عندما يتعرض الكاتب الى بعض الشخصيات، التي ربما عايشها القارئ أو ارتبط بها أو تعيد له ذكريات معهم، مثل ما حدث لي، عندما قرأت مراجعة أبو شوك لكتاب " أستاذ الأجيال عبدالرحمن علي طه (1901 – 1969 م) بين التعليم والسياسة وأربجي"، للدكتورة فدوى عبدالرحمن علي طه. جاء في السرد بأن الصبي عبدالرحمن انتقل من خلوة الشيخ طه البطحاني إلى مدرسة المسلمية الأولية، وقد كنت أنا لاحقا تلميذا في مدرسة المسلمية الأولية، ولا ازال أذكر ونحن وقتها في سن الشباب المعركة الانتخابية الساخنة في دائرة المسلمية في انتخابات عام 1953، التي ترشح فيها القطب الاتحادي الكبير حماد توفيق مرشح الوطني الاتحادي ومنافسه المربي الكبير عبدالرحمن علي طه، وكيف كنا ننظر بأعجاب ودهشة للزعماء السياسيين الكبار الذين حضروا الى بلدنا الصغيرة للمشاركة ومساندة مرشحيها مثل الزعيم الاتحادي الكبير يحي الفضلي الملقب بـ الدينمو. لقد خسر عبدالرحمن دائرة المسلمية أمام منافسة حماد توفيق. لقد فرح أهلنا الكبار كختميين لهذه النتيجة، ولكنهم كانوا يرددون بصدق، بأن فوز أستاذ الأجيال والمربي الكبير عبد الرحمن علي طه، كان سيكون ايضا شرفا عظيما ومكسبا كبيرة لدائرتنا.
وعندما قرأت مقالة العرفان: "الأستاذ الدكتور يوسف فضل حسن وجائزة العز بن عبدالسلام". عادت بي الذاكرة الى سنوات خلت عندما حضر الأستاذ يوسف فضل الى برلين ممثلا لجامعة الخرطوم بدعوة من الحكومة الألمانية للمشاركة في مؤتمر لمدراء الجامعات الأفريقية، وكانت هذه المرة الأولى التي التقي بها مع هذه القامة العلمية في منزل الصديق سامي على حامد ( وقتها طالب دراسات عليا في جامعة برلين التقنية) ثم للمرة الثانية قبل سنوات قليلة عندما حضر ايضا الى برلين بدعوة من الحكومة الالمانية بصفته رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للمتاحف والآثار. وقدم لنا بدعوة من الجمعية الأدبية البرلينية في دار الجالية السودانية محاضرته الرائعة عن تاريخ العرب والاسلام في السودان.
وعندما كتب عن: الاِداري حامد علي شاش: سيرة عَلَم جديرة بالتوثيق ( السلطة والتراث – الجزء الرابع)، التقيت في جوبا عام 1966 مع حامد علي شاش وقتها كان مديرا للاستوائية وكنت وقتها منتدبا ومتطوعا في السلاح الطبي مع الزملاء عبدالسلام صالح عيسى، الصادق الأمين الحاج، قاسم محمد الحسن، زهير علي نور وعلي البدوي المبارك. استطاع حامد علي شاش بصوته الهادي وحزمه الاِداري أن يدير ويحكم المديرية بمقدرة ونجاح في ظروف حرجة وفي غاية الصعوبة، فالحرب الأهلية في جنوب السودان تجددت من جديد(1966 – 1972 ) بعد فشل مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر، وصارت الحرب أكثر عنفاً وضراوة.
ينتمي د. أبو شوك الى علمائنا الجدد، بأسلوبهم ومنهجهم الخاص في تقصي وتفسير وتحليل التراث والتاريخ، مستخدمين أدوات البحث العلمية الجديدة ويرتكزون الى تراث اكاديمي ناصع يقف على قمته، مكي شبيكة، و محمد إبراهيم أبو سليم، ويوسف فضل ، ومحمد سعيد القدال.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1792

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1421692 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

02-29-2016 10:31 AM
دكتور عابدين يذل على فاطمة احمد إبراهيم ...

أما يوسف فضل فهو القامة وهو ... وهو ...

وهو اخيرا امين الحوار الوطني الإنقاذي ( انظر المقال اليوم في الراكوبة )

النخب السودانية فكرها دائما متواتر وتأتي الإنقاذ لتكون هي باكورة هذا

الفكر بالرغم من إدعاء الكثيرين معارضتها ...

لهذا السبب ولهذا النوع من التفكير لا يمكن ان تخيل متى يحل عنا كابوس الإنقاذ

ما دام سدنتها هؤلاء يملؤن علينا دنيانا ضخبا وضجيحا وفسادا وتزلفا ...

[مجودي]

عرض د. حامد فضل الله برلين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة