المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رشا عوض
وردي...رحل قبل أن يصبح الصبح..!ا
وردي...رحل قبل أن يصبح الصبح..!ا
02-22-2012 04:14 PM

وردي...رحل قبل أن يصبح الصبح!

رشا عوض
[email protected]

الزمان: مساء الثامن من يوليو 2011 عشية استقلال جنوب السودان،
المكان: فندق \"جوبا بردج\" المطل على النيل الأبيض، بمدينة جوبا، حيث كان يقيم هرم الفن السوداني؛ الفنان العظيم محمد وردي الذي جاء مشاركا للجنوبيين احتفالات استقلالهم،
في تلك الأمسية الاستثنائية بحق، كنت والزملاء في قناة أبوني الفضائية منهمكين في إعداد برمجة خاصة عن ذلك الحدث التاريخي، في سياق هذه البرمجة ذهبنا إلى فنان الأجيال وردي كي يسجل للأجيال مشاعره وانطباعاته ورؤيته لمغزى ذلك اليوم، يوم انفصال جنوب السودان عن شماله وهو الذي غنى لوحدة السودان، بل غنى لوحدة أفريقيا كما قال لنا في ذلك اللقاء!
قبالة ذلك النهر الذي يتدفق شمالا؛ شريانا للحياة؛ ورافدا للوصال؛ قبالة النهر جلسنا في حضرة وردي! و(في حضرة جلاله طاب الجلوس)! فهو في شموخه وعبقريته وأسره للقلوب حبا؛ مثل الوطن الذي تغنى له:(منك كل حتة في الخاطر صبابة وجنبك نبتة نبتة بنكبر نحن يابا)
لم يكن ذلك اللقاء بالنسبة لي مجرد أداء واجب مهني، ففي ذلك اليوم كانت في النفس حسرة، وفي القلب طعنة إذ ان انفصال الجنوب يعني انتصار مشروع العنصرية والإنغلاق والأحادية الثقافية، وهزيمة مشروعنا الكبير، تحقيق وحدة السودان في إطار مشروع وطني أركانه الديمقراطية والعدالة والاحتفاء بالتنوع، وروحه الوجدان الوطني العامر بالمحبة والتسامح، والمؤمن بأن التنوع قوة وثراء، كنت في تلك اللحظات التاريخية بحاجة إلى من يداوي جرح الروح، ويشيد في خرائب النفس الكسيرة الخاطر بروجا من الأمل والرجاء، ويقوي فيها الإيمان بأن(هزيمتنا) ظرفية مؤقتة، مجرد خسارة معركة! وانتصارهم زائف ومؤقت! لأن هذا الإيمان بحتمية انتصار الحرية والحق والعدل هو زاد حياتنا، في تلك اللحظات قصدنا العملاق وردي بحثا عن الأمل في المستقبل! والتماسا للعزاء والمواساة في فجيعة الحاضر! وقد وجدنا لديه ما نريد وزيادة!
لقد أطربني وردي طوال عمري بصوته العذب وألحانه الفريدة مغنيا وفي ذلك اللقاء أطربني متحدثا! كان الحديث قصيرا بحكم طبيعة البرنامج، فاتفقنا معه على لقاء أطول في اليوم التالي حول ذات الموضوع (الانفصال)، فأطربنا بحديثه حيث لم يكن الانفصال يعني شيئا عنده، وردي مثل النيل ينساب ساقيا معمرا الحياة بالبهجة والفرح والخصب والنماء شمالا وجنوبا، هو الذي هز وجدان السودانيين هزا من أقصى الشمال حيث أهدته للسودان تلك الديار النوبية العريقة التي أهدت العالم بأسره قبل آلاف السنين حضارة عظيمة تتجلى ملامحها وظلالها إلى يومنا هذا في عبقرية أبنائها، تماما مثلما تتجلى في الأهرام والنقوش الأثرية!من أقصى الشمال عبر وردي إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وزرع في نفوس كل السودانيين الأمل وحب الوطن، وعبر إلى أفريقيا فاحتضنته مسامع أهلها الطيبين بحميمية فأصبح فنان أفريقيا الأول وهي دلالة على عمق انتمائنا الأفريقي الذي يتنكر له كثيرون منا جهلا وجحودا،
في يوم استقلال الجنوب صدح فنان الأجيال وردي فأطرب وأشجى، وأفرح وأبكى، تفاعل معه الجنوبيون بحب كبير فهو فنان الشعب، فنان السلام والحرية، هو لسان حال أحلامنا الكبيرة والصغيرة،
استمعنا إليه في ذلك اليوم فتساءلنا غنى وردي للجنوبيين في يوم خلاصهم وشاركهم بذاته النبيلة فرحتهم..فهل سيمد الله في أيامه حتى يغني لنا في يوم خلاصنا الموعود؟ هل سيشاركنا بذاته النبيلة الاحتفال ب(تسليم مفاتيح البلد) وتحية الصبح الجديد ؟
جاءت الإجابة في ذلك المساء الحزين، مساء السبت التاسع عشر من فبراير 2012م! ترجل العملاق.. أمير الطرب.. آسر القلوب .. مرآة الأماني.. صانع البهجة والسرور!
ترجل قبل أن ينشدنا في يوم خلاصنا (أصبح الصبح) وقبل أن ينشد(عهد فسادو واستبدادو الله لا عادو) و(شعبك أقوى وأكبر مما كان العدو اتصور)
ليس لدي ما أقوله في رثاء الحبيب وردي، فكم هو صعب رثاءك لجزء من وجدانك، فقط ألتمس العزاء في أن وردي سيبقى حيا عبر إبداعه العبقري،
نعم سوف تبقى كامنا في أعماقنا ياوردي،
عندما نسمع أكتوبرياتك المجيدة(نشوف الماضي فيك باكر) و(أريتو باكر يكون هسا)!
سيظل تشييعك المهيب كامنا في الذاكرة، طيور الظلام التي حاولت عبثا اختطاف المشهد، لم ولن تنجح في أن تسرقك من الفضاء الطبيعي الذي قضيت كل عمرك محلقا مغردا فيه.. فضاء الحرية .. الوطن الواحد.. أحلام الأحرار والبسطاء.. فضاء الحب والسلام والتسامح.. فضاء الصفاء والنقاء والخير والجمال في أبهى وأقدس صوره.. هذا هو فضاءك يا (نور العين) ويا (أمير الحسن) ويا (أعز الناس)!
اليوم هاهو الوطن الذي قطرته في وجداننا أنغاما وألحانا يرد لك التحية (قدرك عالي قدرك يا سامي المقام)!
هذا الوطن الذي رحلت عنه وشماله في ضيق وجنوبه في حريق، غربه في عسر، وشرقه في خسر!
وها نحن نجدد العهد معك بأن يبقى اسم أكتوبر الأخضر (ينمو في ضمير الشعب إيمانا وبشرى، وعلى الغابة والصحراء يلتف وشاحا) ولكن أين هي الغابة؟ إنها تطل من أغنياتك! والصحراء اخضرت وأزهرت حين رويتها بعذوبة ألحانك!
نحن على العهد (سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعا وخضرا، ونرود المجد حتى يحفظ الدهر لنا اسما وذكرا)
رحمك الله رحمة واسعة يا حبيب الشعب وألهمنا الصبر على فقدك الذي أحزننا وزلزلنا من الدواخل، كل من أحبوك حزانى مثل جوليا وعبد الوهاب وحسن وحافظ وصباح! فلهم جميعا ولنا حسن العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


تعليقات 8 | إهداء 1 | زيارات 4045

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#301228 [ود العمدة عبد النعيم فرح]
4.17/5 (8 صوت)

02-24-2012 11:13 PM
شكرا للايقونة الاغلى الاستاذة المبدعة والصحفية اللامعة رشا عوض دوما تبهرنا مقالاتك واسلوبك السلس فى سرد الحقائق ولكننا افتقدنا يراعك المبدع فى الراكوبة وايضا الصحف السودانية ارجو مشكورة التواصل قرائك ومريدى قلمك الجرىء لتكتمل لوحة الابداع وحقيقة تنثرين الدرر بكتاباتك واسلوبك الرائع وبالفعل من يعزف لنا لحن الخلاص يعد غيابك يا وردى عندما يصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق


#300737 [ابويارا]
4.15/5 (8 صوت)

02-23-2012 01:41 PM
الموت هو سبيل الاولين والآخرين لكن ماذا عملنا فى دنيانا هل وعينا لما خلقنا لاجله خلقنا لعبادة الله وتحكيم شرعه فينا عدلا وحبا وتسامى عن الصغائر تطبيق اوامر الله فيها الحب والخير والجمال فيها السعادة بعد الشقاء والحب بعد البغضاء والدعة بعد الوعثاء كفى بالموت واعظا هو درب وسبيل نهايته اما نار مخلد فيها واما جنة عرضها كعرض السموات والارض


#300712 [زول نصيحة]
4.15/5 (10 صوت)

02-23-2012 12:48 PM

الاستاذة رشا

ادليت بدلوك لوردي ولكن جوبا يا استاذة ليست علي النيل الابيض




#300534 [edresshamid]
4.13/5 (6 صوت)

02-23-2012 01:47 AM
شكرا للموهبة الرائعة الاستاذة المبدعة رشا عوض افتقدنا مقالاتك الهادفة والرصينة والنبيلة فى منبر الراكوبة وفى الصحف السودانية ليتنى اعلم فى اى الصحف تكتبين وفى اى المنتديات تبدعين ارجو مشكورة افادتى وكذلك القراء الاعزاء كيفية التواصل مع قلمك المبدع حقا


#300424 [soliman]
4.14/5 (8 صوت)

02-22-2012 09:53 PM
الصبح اصبح لوردى منذ اليوم الذى صدح بها الكلام متى يصبح الصبح للنيام شكرا لمقالك العميق ولكن هو عاش صاحيا ومات عننا وهو كذلك ايضا فمتى يصحو النيام عشان يعرفوا هل حل الصبح ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ولا لسة فى عتمة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ظ


#300416 [الحسن فاروق]
4.15/5 (9 صوت)

02-22-2012 09:38 PM
من اجمل العناوين التى قرأتها فى نعى الراحل العظيم \"رحل قبل أن يصبح الصبح\" الا إن الصبح قريب و\"عهد فسادو وإستبدادو الله لاعادو \" على وشك أن تغيب شمسه.
أين أنت يا رشا واصلى ايها الحبيبة الكتابة ولو فى الصحف الإلكترونية نريد أن نرى حروفك المضيئة كل ما يصبح علينا صباح,


#300412 [نصر]
4.15/5 (10 صوت)

02-22-2012 09:32 PM
احييك يا اخت رشا ,, كلامك جميل ومعبر عن معاناة الوطن وما فعلته طيور الظلام بالوطن من دمار وخراب , افتقدنا كتاباتك فى اجراس الحرية , نرجو منك ان لا تحرمينا من اسلوبك الشيق المعبر فى منبر الراكوبة الحر , اعزى نفسى و الشعب السودانى قاطبة فى فقيد الشعب المبدع الفنان محمد وردى والهمنا جميعا الصبر و حسن العزاء


#300367 [ابو النصر]
4.14/5 (10 صوت)

02-22-2012 08:09 PM
شكرا رشا عوض افتقدنا مقالاتك في الراكوبة


#300303 [Janubiya]
4.11/5 (12 صوت)

02-22-2012 05:59 PM
شكرا يا رشا..

بالتاكيد انت من اشجعهم لانك قادرة علي التعبير امام هامة مثل محمد وردي. مازلت اذكر وردي في زيارته للجنوب. حيث كنت انا هناك في مدينة الاباء جوبا لاول مرة في حياتي ازور الجنوب(ولدت و ترعرعت بين شمال السودان و مصر حتي تزوجت و رحلت الولايات المتحدة) عندما رايت في الفندق الزعيم ياسر عرمان و الفنان العملاق وردي عاودني الحنين الي الوطن الاوحد الذي دفناه قبل ساعات. يصعب التحدث عنه فهو يفرض التعريف عن شخصه بكلمات صادقة.

جنوبية و افتخر;)


رشا عوض
رشا عوض

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة