المقالات
السياسة
ماهو الافضل لنا ان نكون اسكندنافيين أم نظل كما نحن ؟
ماهو الافضل لنا ان نكون اسكندنافيين أم نظل كما نحن ؟
02-29-2016 12:48 AM


منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأنا نسمع بأرقام وإحصائيات في الاقتصاد العالمي لم نكن نسمع بها من قبل، إلا أن هذا التنافس الهائل والتقدم العلمي الكبير الذي أدى إلى ظهور عمالقة في عالم المال رافق ذلك مشاكل اقتصادية كبيرة بدأت تشكل هاجساً يقض مضاجع حكومات العديد من الدول الكبرى.
وفي حين أصبح من المعتاد بالنسبة إليك أن تسمع خبراً عن صفقة شراء إحدى تطبيقات الموبايل أو الشركات المطورة بأرقام تتجاوز الناتج المحلي لدول بأكملها (تطبيق واتساب) خير دليل وهناك الكثير غيره ، بينما عشرات الملايين من البشر يعيشون تحت خط الفقر، هل فكر أحد أن يبحث عن حل لهذه المشكلة الانسانية.
السويد، النرويج، فنلندا والدانمارك (تعرف معاً بالدول الإسكندنافية) لطالما شكلت معاً مزيجاً مميزاً بين مستوى الحياة العالي ورفاهية الشعب وتباين منخفض في الدخل مما جذب نظر العالم إلى هذا النموذج الاقتصادي، خاصةً في زمن تتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء باطراد في الدول المتقدمة وحتي الفقيرة .
الكثير من الباحثين يعتبر الدول الاسكندنافية نموذجاً يحتذى به في توافر الفرص الاقتصادية والمساواة.

النموذج الإسكندنافي.. ما هو؟


ابتكر مصطلح النموذج الإسكندنافي ليعبر عن المزيج الفريد بين اقتصاد السوق الحرة والمصلحة الاجتماعية والذي أفسح المجال ليتمتع المجتمع بخدمات من الدرجة الأولى، إضافة إلى التعليم المجاني والعناية الصحية المجانية وتعويضات تقاعد سخية.
هذه الخدمات الاجتماعية تمولها أموال دافعي الضرائب وتديرها الحكومة لمصلحة السكان جميعاً، السكان في هذه الدول واثقون جداً من حكوماتهم ولديهم تاريخ طويل من التعاون والعمل المشترك لتسوية وعلاج التحديات الاجتماعية من خلال عملية ديموقراطية.
صناع القرار هناك اعتمدوا نظاماً اقتصادياً هجيناً بحيث يخفض الفجوة بين الأغنياء والفقراء عبر نظام ضريبي يعيد توزيع الثروة إضافة إلى قطاع عام ضخم، كل هذا مع الحفاظ على حقوق وفوائد الرأسمالية.
يدعم هذا النظام اقتصاد رأسمالي يشجع علي ( التدمير البناء (وهو مصطلح يعبر عن التغيرات الصناعية التي تطيح باستمرار بالبنية الاقتصادية القائمة من الداخل، مزيحةً الهيكل والنظامالقديم، خالقة هيكلاً ونظاماً جديداً. فتسمح القوانين للشركات أن تطرد عمالها وتتحول للنموذج التجاري الذي ترغب به، إلا أن العمال يتمتعون بتأمينات اجتماعية سخية ويدفع لهم مرتبات تقارب ال 80% من الدخل الذي كانوا يتقاضوه سابقاً قبل الفصل الي حين الحصول علي عمل جديد.
البنية الضريبية في الدولة تعتمد بشكل أساسي على الفرد بدلاً عن دخل الأسرة، مترافقاً مع ضريبة ثابتة وهي عالية نسبياً وقد تصل الي 40% من الدخل أو المرتب . ولكن النتيجة، نظام ضريبي يعامل المواطنين بشكل عادل ومتساوٍ ويحفز القوى العاملة.
المساواة بين الجنسين هي صفة مميزة في الثقافة الإسكندنافية والتي لا تؤدي فحسب إلى مشاركة عالية للنساء في سوق العمل، إنما تنتج أيضاً اندماجاً أكبر للرجال في الأسرة.
ما الذي يجعل هذا النموذج فاعلاً؟ مزيج من التاريخ والتطور الاجتماعي المشترك هو العامل الأقوى في هذا النجاح. فعلى عكس المناطق التي تطورت عبر المزارع المشتركة الضخمة كالدول التي تنتهج المبدأ الماركسي أو تلك التي تنتهج الرأسمالية الحره وهو النموذج السائد حالياً في جميع العالم ، التاريخ الإسكندنافي بشكل كبير قائم على المشاركة التي تبدأ من الأسرة فالزوجين يتقاسمان المسئولية بشكل كامل. والنتيجة أمة وشعب متساوي بفرز قادة و مواطنون يواجهون نفس التحديات.
وبالتالي الحلول التي تفيد أحد أعضاء المجتمع ستقدم الفائدة للجميع حتماً. هذه العقلية الجماعية أسست فيما بعد لأن يثق المواطنون بحكومتهم لأنها ببساطة تدار من قبل مواطنين يسعون خلف حلول لمصلحة الجميع.
لذلك، يختار المواطنون بشكل طوعي دفع ضرائب أعلى كمقابل للخدمات التي سيتمتعون بها هم وعائلاتهم، أدى هذا بطبيعة الحال إلى خدمات ممولة من عامة الشعب ، كالعناية الصحية والتعليم والتي هي بمستوى عالٍ لدرجة أن فكرة المشاريع الخاصة كمستشفيات أو مدارس لن تستطيع منافسة جودة الخدمات المقدمة من الدولة التي هي مموله من الشعب
هذا التوجه أو الطريقة في التفكير بقي سليماً رغم تطور المشاريع الرأسمالية في البلاد الخري التي تنتهج المبدأ الراسمالي الحر أو ما يعرف باقتصاد السوق الحر .


النموذج الإسكندنافي يواجه تحديات حقيقية للبقاء، أهم اثنين من هذه التحديات هي شيخوخة السكان، وتدفق المهاجرين.
بخصوص شيخوخة السكان، وجود قاعدة عريضة من دافعي الضرائب هم من كبار السن وعدد أقل من السكان هو سيناريو يؤثر علي هذه النظام في المستقبل
أما بخصوص الهجرة، فقد اجتذبت الدول الإسكندنافية الكثير من المهاجرين الباحثين عن التمتع بالخدمات العامة المميزة هناك. وهم في الغالب قادمون من دول لا تملك تاريخاً طويلاً من اتخاذ القرارات الهادفة للمصلحة الجماعية.
بينما المواطنون المحليون الإسكندنافيون يميلون للمشاركة الكبيرة في القوة العاملة كجزء من القرار الجماعي لدعم جودة الخدمات الاجتماعية، فالمهاجرون لا يمتلكون غالباً نفس هذه الرؤية.
فيشكل هؤلاء القادمون الجدد حملاً ثقيلاً على النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد ويمكن في النهاية أن يسببوا احتضاره.
أما التحديات الأخرى فتشمل انتهاز البعض للفوائد العامة لمصالحهم الخاصة والتأثر بالظروف السيئة التي يمر بها الاقتصاد العالمي. إلا أنه مجدداً مكنت ثقافة المشاركة والأهداف الاجتماعية المشتركة هذه الدول من التأقلم وتعديل البرامج المتبعة وبالتالي الاستمرار في تقديم طيف واسع من الخدمات حتى عقب الكساد العظيم.
هل يصلح هذا النموذج لبقية الدول؟


اجتذب بالطبع هذا النموذج العديد من الدول، والعديد يتساءل هل يصلح هذا النموذج في الدول الأصغر حيث يكون السكان متجانسون من ناحية المعتقدات والمعاناة الاجتماعية والذين يعانون حلى حد سواء من الفقر أو الظلم كنتيجة للانظمة والحكومات الديكتاتورية؟ أم أن هذا النموذج يصلح لإعادة هيكلة الرأسمالية المطلقة والتي خلقت عدم مساواة اجتماعية واضحة وفروق هائلة في مستوى المعيشة بين الأغنياء والفقراء في الدول الرأسمالية المزدهرة؟
وفي منتصف المسافة بين الأنظمة الاقتصادية في الدول التي تعاني من الفقر والفجوة بين الفقراء و الاغنياء والأنظمة الرأسمالية المطلقة، غالباً ما يشار للنموذج الإسكندنافي بـالطريق الثالث.


بالفعل أحدث النموذج الإسكندنافي جدلاً كبيراً خارج حدود إسكندنافيا، فالعديد من الناس في الدول تطبق رأس مال السوق الحر أو بما يعرف بـ“النموذج الأميركي” من المشاريع الرأسمالية يرون أن النموذج الإسكندنافي يشكل بديلاً موضوعياً لشعار (الفائز يأخذ كل شيء) الذي يسمي الرأسمالية هناك والذي أنتج الفقر.والذي عجز في خلق نظام تعليمي وصحي ميسور التكلفة، تقهقر التأمينات الاجتماعية، عجز في تأمينات التقاعد، فضائح كبيرة في أسواق المال وتباين عظيم في الدخل.
الخلاصة عدم رغبة الحكومات الشمولية بإحداث تغييرات جعلت تلك النقاشات الفلسفية حول تطبيق النموذج الإسكندنافي ستبقى للأبد نقاشات فقط. أما عدم قدرة الأمم المتقدمة أن تتجاوز الطروحات السياسية المترافقة مع العجز في خلق ثقافة مشتركة بسبب الخليط السكاني من الأعراق والإثنيات المختلفة سوف يسبب كذلك عائقاً أمام تطبيق هذا النموذج الناجح في السودان.
في الختام، ليس من الغريب إطلاقاً أن نجد المواطنين في الدول الإسكندنافية الأسعد في العالم.ولكن يمكنني أن اطرح سؤال عليكم.. هل يمكن من وجهة نظركم أن نطبق النموذج الإسكندنافي في السودان؟ أم هل يمكن أساساً تأمين القاعدة الأساسية له وهي رؤية مشتركة تجمع بين المواطنين في خضم الخصامات القائمة والنعرات ونكون بذلك حققنا هدف المصلحة الجماعية؟

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 3036

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1421556 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

02-29-2016 05:40 AM
【 ﻭﻟﻜﻦ ﻳﻤﻜﻨﻨﻲ ﺃﻥ ﺍﻃﺮﺡ ﺳﺆﺍﻝ ﻋﻠﻴﻜﻢ .. ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﻭﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮﻛﻢ ﺃﻥ ﻧﻄﺒﻖ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻹﺳﻜﻨﺪﻧﺎﻓﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ؟ ﺃﻡ ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﺳﺎﺳﺎً ﺗﺄﻣﻴﻦ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻪ ﻭﻫﻲ ﺭﺅﻳﺔ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺧﻀﻢ ﺍﻟﺨﺼﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻭﺍﻟﻨﻌﺮﺍﺕ ﻭﻧﻜﻮﻥ ﺑﺬﻟﻚ ﺣﻘﻘﻨﺎ ﻫﺪﻑ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ؟】

ضحكت حتي ظن من حولي ان بي مسا، وسألني أحدهم عما يضحكني فاعطيته مقالك فقرأه ثم قال لي (قياسا علي النكتة المشهورة): ليك حق تضحك، ما خلاص ضمنت قروشك!

هل انت جاد في التساؤل أعلاه؟ أم ستقبل بمستوي أقل شوية؟ المانيا، فرنسا، أمريكا، فرنسا، اليابان، أستراليا، كندا، هولندا، سويسرا، الخ كيف؟ ولا يفتح الله؟
عموما: لا يفتي ومالك في المدينة، نحيل تساؤلك الطموح الي الاستاذ شوقي بدري.

[سوداني]

أمين علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة