08-30-2010 12:20 PM

إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (6

أ.كمال الجزولي


(30)

ضمن أدلتنا على زيف ادعاء صحيفة (التيَّار) بأن الشِّيوعيين السودانيين كانوا يعدُّون، عام 1989م، للانقلاب على الدِّيموقراطيَّة الثالثة، لولا أن سبقهم الاسلاميون بانقلاب يونيو، أشرنا للكتاب المنسوب إلى جعفر نميري تحت عنوان (النهج الإسلامي لماذا)، الصادر عام 1980م، والذي عبَّر فيه عن حنقه على الحزب الشِّيوعي كونه عكر عليه عُرس (مصالحته)، أواخر سَّبعينات القرن المنصرم، مع بعض أحزاب الجَّبهة الوطنيَّة (الأمَّة والإسلاميين)، إذ رفض الحزب تلك (المصالحة) حين عرضت عليه بشروط التخلي عن استقلاليَّته، والانخراط في حزب السُّلطة الواحد (الاتحاد الاشتراكي)، طارحاً على الجسم السِّياسي المعارض تكوين (جبهة عريضة للدِّيموقراطيَّة وإنقاذ الوطن)، باعتبار أن البلاد تواجه أزمة حكم، وأن الدكتاتوريَّة هى أهمُّ أسباب تلك الأزمة، وأن الحلَّ، بالتالى، لا يكون بـ (مصالحة) الدكتاتوريَّة، بل بإحداث تحوُّلات ديموقراطيَّة عميقة، في مستوى السُّلطة، ومجمل العلاقات السِّياسيَّة في البلاد.

كان ذلك هو موقف الحزب المبدئي الذي أبلغه ممثلوه، وقتها، بقيادة الشهيد قاسم أمين، لممثلي السُّلطة بقيادة أبو القاسم محمد إبراهيم. كما أصدرت اللجنة المركزيَّة للحزب، في أغسطس 1977م، بيانها الجَّماهيري الشَّهير بعنوان: (الدِّيموقراطيَّة مفتاح الحل)، حيث أكدت على أن الشِّيوعيين \".. لا ينادون: تسقط المصالحة ـ عاش الشِّقاق، (بل) شعارهم كان وسيظلُّ: تسقط الدكتاتوريَّة ـ عاشت الدِّيموقراطيَّة\" (وثيقة البيان، ص 21). وبدلاً من منح النظام عمراً إضافيَّاً بمساعدته على ترميم تصدُّعاته التي أجبرته على طلب المصالحة، ناشد الحزب أطراف المعارضة أن تشدِّد \".. نضالها من أجل إلغاء قانون أمن الدَّولة المعدَّل، والتعديلات فى مواد الدُّستور/41 ، 62 ، 196 التي أباحت إصدار القانون وإجازته، وحلِّ أجهزة الأمن القائمة على تنفيذه، وإعادة أفراده إلى المجالات والمهن التى جُندوا منها، وضمان العمل كحقٍّ طبيعى لكل مواطن، وإلغاء القوانين والأوامر الجُّمهوريَّة وقرارات مجلس الوزراء التى تحدُّ منه، وتحريم تعذيب المعتقلين والسُّجناء السِّياسيين، والكشف عن جرائم التعذيب والقتل العشوائي، ومحاكمة الذين أمروا بها والذين ارتكبوها، وفقاً للأدلة الماديَّة التي يدلي بها كلُّ مواطن تعرَّض للتعذيب، وبحسب منطوق المادة/65 من دستور السُّلطة نفسها، وإلغاء قانون النقابات لسنة 1971م، ولائحة تنظيم النقابات لسنة 1972م، والمواد في قانون التعليم العالي التي تمسُّ استقلال الجامعة، وحُرِّيَّة نشاط اتحادات الطلاب، وإلغاء لائحة النشاط المدرسي، وإلغاء قانون ممارسة السَّيادة الشَّعبيَّة الذي يبيح للاتحاد الاشتراكي الوصاية والتدخُّل في نشاط المنظمات الشَّعبيَّة، ووقف الصَّرف من خزينة الدَّولة على الاتحاد الاشتراكي، وموظفيه، وأوجه نشاطه، ومنعه من استخدام وسائل وأدوات الدَّولة ..الخ\" (نفسه، ص 15).

ثم ما لبثت اللجنة المركزيَّة أن عادت، عبر دورة انعقادها في ديسمبر 1978م، لتستكمل بلورة فكر الحزب، من واقع تجاربه المتراكمة حول قضيَّة الدِّيموقراطيَّة التعدُّديَّة، ليبراليَّة الجذور، اجتماعيَّة المحتوى، بالمفارقة لكلٍّ من النموذج المعتمد في بلدان المعسكر الاشتراكي من جهة، والتطبيق السَّائد، من جهة أخرى، في بلدان الغرب الرأسمالي. وفي الإطار ركزت الدَّورة على تجربة البنوك الإسلاميَّة التي جاءت نشأتها، أوان ذاك، كأحد إفرازات المصالحة، فانتقدتها لكونها تساعد في تصعيد النشاط الطفيلي؛ وعرضت، كذلك، للتباين بين موقف الأحزاب التي دخلت المصالحة، وبين موقف جماهيرها؛ كما مايزت بين أطروحة (الجَّبهة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة) الواردة ضمن وثيقة المؤتمر الرابع (الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة ـ أكتوبر 1967م)، وبين الدَّعوة إلى (جبهة للدِّيموقراطيَّة وإنقاذ الوطن) ضمن وثيقة (الدِّيموقراطيَّة مفتاح الحل ـ أغسطس 1977م)؛ ونوَّهت لانكسار رأس الحربة من خلال إضرابات واعتصامات جماهير العاملين، وقتها، في شتى القطاعات، وخلصت إلى أن (الانتفاضة) هي المخرج من أزمة الدكتاتوريَّة إلى فضاء الدِّيموقراطيَّة التعدُّديَّة الليبراليَّة، مع ملاحظة ورود مصطلح \"الانتفاضة\"، قبل ذلك، فى دورة يناير 1974م؛ وتناولت بالنقد أسلوب الحزب الواحد على صيغة الاتحاد الاشتراكي الذى \".. أصبح أسلوباً مرفوضاً ومرذولاً ومبتذلاً بالنسبة لشعب السودان، وازدادت أزمته تفاقماً (لكون) سادة التجربة الأم في مصر تخلوا عنه نهائيَّاً\" (وثيقة الدَّورة، ص 5). لذا، وكي ما يستقيم الحوار مع السُّلطة، فلا بد له من مقدِّمات حدَّدتها الدَّورة في توفير مناخ الحُرِّيَّات، من ناحية، واعتماد جماهيريَّة التفاوض من ناحية أخرى (نفسه، ص 10 ـ 13)، ونلاحظ هنا أيضاً أن ذلك كان سابقاً على شيوع استخدام مصطلح (الشَّفافيَّة أو الغلاصنست ـ Transparency) الذي أدخلته (البريسترويكا) في الأدب السِّياسي العالمي؛ ولكون السُّلطة أصدرت، فى 27/11/1977م، قانوناً يحمى رموزها من المحاسبة، منذ 25 مايو 1969م، فقد طالبت الدَّورة بأن يكون \".. مِن حقِّ الشَّعب أن ينال قراراً مماثلاً بردِّ الاعتبار لكلِّ الذين استشهدوا في الصِّراع ضدَّ السُّلطة في معارك عسكريَّة، أو في السُّجون والمعتقلات، أو تحت التعذيب، ونشر حيثيَّات المحاكمات\" (نفسه، ص 14). وبلغت الدَّورة ذروة استنتاجاتها وتلخيصاتها، على صعيد التأسيس النظري لخيار الدِّيموقراطيَّة التعدُّديَّة الليبراليَّة في واقع السودان، بتقريرها أن \"ظروف بلادنا، بتعدُّد تكويناتها الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة والقوميَّة، وعدم التناسق في تطوُّر قطاعاتها الاقتصاديَّة .. مازالت تشكل الأساس المادِّي الموضوعي لتعدُّد الأحزاب والكيانات السِّياسيَّة التي تتوسَّل بها الجَّماهير لحلِّ مشاكلها على المستوى المحلي والمركزي\" (نفسه، ص 65)؛ ووضعت الوثيقة خط تشديد بارز تحت تبرُّؤ الحزب، نهائيَّاً، من أيَّة محاولة للالتفاف على هذه القضيَّة مستقبلاً بقولها: \"نؤكد هذه الحقيقة كي لا تنتقل دعوى (الأحزاب انتهت وفقدت نفوذها) إلى الإفصاح عن نوايا في الدعوة (لحزب واحد تقدُّمي بديل)، فصيغة الحزب الواحد، تقدُّميَّاً كان أم يمينيَّاً، أثبتت فشلها في السودان، وفشلت، بالمثل، صيغة حلِّ الأحزاب بالقانون والإرهاب في عهد الدكتاتوريَّة\" (نفسه).


(31)

هكذا، ومع وفرة الدَّلائل التاريخيَّة على تغلغل موضوعة الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة في عمق النسيج الفكري للحزب، إلا أن دورة اللجنة المركزيَّة (ديسمبر 1978م)، وبيانها الجَّماهيري قبل نحو عام من ذلك (الدِّيموقراطيَّة مفتاح الحل ـ أغسطس 1977م)، شكلا، بطابعهما البرامجي، وبعد قرابة ثلث القرن من مراكمة كلِّ تلك (التجارب) و(الملاحظات) و(الخبرات العمليَّة)، خطوة نوعيَّة متجاوزة بصورة حاسمة، بإعلانهما الواضح عن تبني الحزب، نهائيَّاً، لخيار (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة)، منهجاً للحكم ولتداول السُّلطة، بل قل بنفضهما عن معناها الجَّوهري المتأصِّل في الفكر الابتداعي للحزب ذلك الغبار الكثيف الذى هالته عليه سنوات التآمر والكيد والاحتراب غير المبدئي داخل صفوف الحركة السِّياسيَّة، وتجديدهما وصقلهما لقناعات الحزب القديمة القائمة على إيلاء الاعتبار اللازم لما توفره هذه الدِّيموقراطيَّة من مساحات واسعة للحُرِّيَّات، والحقوق، وامكانيات التداول الدِّيموقراطي للسُّلطة. وربما كان من المفيد، في سياق التذكير بقدم هذه الموضوعة، وتعتقها، على مدى تاريخ التطوُّر الفكري والسِّياسي للحزب، أن نستدعي هنا أحد أهمِّ استنتاجاته، في مستوى الصِّراع الذي استعر بعد الاستقلال بين نظريَّتي البناء الرَّأسمالي وطريق التطوُّر اللارأسمالي، بأن العامل الأساسي في تنامي قوى العنف البرجوازي، المدعومة بآليَّات التدخُّل الاستعماري، فى السودان، هو اكتشافها، بعد الاستقلال مباشرة، أن الليبراليَّة السِّياسيَّة تقف حجر عثرة في طريق مشروعها، وذلك بما توفره من مناخات النموِّ المتسارع للقوى الشَّعبيَّة الرَّافضة لهذا المشروع، وإمكانات المقاومة السِّلمية الفعَّالة له، ولذلك سرعان ما اتجهت إلى خيار الدكتاتوريَّة العسكريَّة السَّافرة في نوفمبر 1958م. لقد \".. برهنت الأحداث أن الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة ليست الوسيلة التى يمكن بواسطتها أن تدفع الطبقات المالكة السَّير بسرعة ويسر فى ذلك الطريق .. إن المقوِّمات الضَّروريَّة للتنمية الرَّأسماليَّة، وفق المفاهيم الغربيَّة السَّائدة، هي الخبرة الفنيَّة ورأس المال لبناء الهياكل الاقتصاديَّة. وقد بدأ التحضير لدورها بواسطة العنف العسكري، واستبدال الفئات الليبراليَّة بالحكم العسكري. والقوى وليدة العنف البرجوازي ظلت راضية عن الاستقرار العسكري. فإضرابات العمال مصادرة، وحُرِّيَّة النقد لتدخُّل رأس المال الأجنبي مخنوقة الأنفاس، والاستغلال يتضاعف\" (ع. الخالق، أخبار الأسبوع، 27/3/1969م).

وتأسيساً على كلِّ تلك الدُّروس والخبرات، لم يعُد (عَرَج) الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، كما فى بعض وصف الحزب البليغ لأدوائها، في بلادنا، منذ فجر الاستقلال، وعبر مختلف فتراتها، وميلها إلى (الشَّكلانيَّة) بسبب هشاشة الأساس الاجتماعي الذي تستند إليه في بلادنا، والمتمثل في سطوة القطاع التقليدي، وضعف القوى السِّياسيَّة التي يُفترض أن تتبناها وتقف وراءها، وسعيها الحثيث لتبني مناهج العنف لهدم الحُرِّيَّات والحقوق التي تشكِّل، فى واقع الأمر، مضمون هذه الدِّيموقراطيَّة، وجوهرها، وأساس نظامها البرلماني، بالاضافة إلى النقد (اليساري) الذي ليس نادراً ما يوجَّه إلى الحزب بهذا الشَّأن، بالاستناد إلى الأفكار البرجوازيَّة الصغيرة، المغامرة والخاطئة التي \".. ترى أن النضال من أجل الحقوق الدِّيموقراطيَّة البرجوازيَّة لا يقود إلى شئ، وأن الطريق (الصحيح) هو الدعوة من فوق رأس البيوت للدِّيموقراطيَّة الجديدة وحدها\" (دورة يونيو 1968م)، لم يعُد شئ من كل ذلك كافياً، وبصورة حاسمة منذ ما قبل انهيار حائط برلين بثلاثة عشر عاماً، لدفع الحزب إلى التخلي عن النضال في سبيل هذه الدِّيموقراطيَّة التعدُّديَّة بجذورها الليبراليَّة، أو حفزه للعودة إلى النظر، بأي قدر من الاعتبار، للمناهج الشُّموليَّة المتخندقة خلف البريق الأخَّاذ لشعارات (الدِّيموقراطيَّة الجديدة، الشعبيَّة، الثوريَّة .. الخ).


(32)

على أن هذا الحزب الماركسي (السوداني) الذي حزم أمره، نهائيَّاً، منذ أواخر سبعينات القرن المنصرم، لصالح الكفِّ عن رؤية أيِّ بصيص من الخير يُرتجى لبلادنا من غير طريق (الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة الليبراليَّة)، لم ينزلق، في تلك الأثناء، مثلما لم ينزلق في أي وقت بعد ذلك، للخضوع لأيَّة أوهام ذاتيَّة بشأنها؛ فقد ظلَّ، وما زال، مرفوضاً، من جانب الحزب، ذلك الفهم الخاطئ لـ (الليبراليَّة)، فى بعض وجوه تصوُّرها، كمناخ صالح لطمس حقائق الصِّراع الطبقي، أو كمحض تكأة لتحلل الحزب من التزاماته الفكريَّة أو السِّياسيَّة، أو لنكوصه عن النهوض بمسئولياته تجاه قضايا الثورة والتغيير الاجتماعي. لقد قرَّ في وعي الحزب، منذ وقت باكر، أن الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة لا تلغي الصِّراع الطبقي، بل، على العكس، تساعد في كشفه، الأمر الذي يلقي على عاتق الحزب بالمزيد من الأعباء على صعيد الصِّراع السِّلمي في جبهة الوعي، أي ذلك الضرب من النشاط الفكري والسياسى المتحضِّر الذي لا تناسبه غير أوسع مساحة من الحُرِّيَّات والحقوق للحركة الجَّماهيريَّة وتنظيماتها المدنيَّة الدَّيموقراطيَّة المستقلة.

وإذن، فإن العلاقة بين مشروع التغيير الاجتماعي الذي يبشِّر به الحزب، والمتوطن، أصلاً، في قيم ومبادئ العدالة الاجتماعيَّة والاشتراكيَّة، وبين مناخ الحُرِّيَّات والحقوق الليبراليَّة، علاقة جدليَّة بطبيعتها. لقد تم حسم هذه القضيَّة، فى الواقع، منذ اجتماع اللجنة المركزيَّة في أبريل 1958م، والذي دار فيه الصراع، ليس، فقط، ضد اتجاه (الجُّمود) بإزاء قضايا الدِّيموقراطيَّة والتحالفات والعمل الجماهيرى، والذى لم ير فيه سوى الانحراف بنشاط الحزب إلى مناهج وأساليب البرجوازيَّة الصغيرة، بل أيضاً ضد اتجاه (التحلل) الذى لا يستهدف إعادة النظر في عمل الحزب، بغرض تجديد أشكاله على أسس ثوريَّة، بقدر ما يستهدف تصفية الحزب نفسه، بتحويله إلى مجرَّد حزب للانتخابات بدعوى أن الماركسيَّة اللينينيَّة لا تصلح في بلد كالسودان (ع. الخالق محجوب، لمحات ..، ص 116 ـ 122).

لذلك كله فإن الحزب، وهو يعلن عن تمسُّكه بالدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، لم يكف، في ذات الوقت، عن خوض معركته في وعي الجَّماهير من أجل التبصير، أولاً، بأن الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة لا تعني فقط الممارسة البرلمانيَّة، وإنما تتسع لكلِّ أشكال النشاط الذي تمارسه الجماهير من خلال تنظيمات المجتمع المدني المستقلة، وثانياً بضرورة إصحاح بيئة الممارسة الفعليَّة لهذه الدِّيموقراطيَّة، وعلاج (عرجها)، حتى لا تتكرَّس الشَّكلانية طابعاً لها، و\".. يُعزل النظام البرلماني الشَّكلي، يوماً بعد يوم، عن حركة الجماهير\"، على حدِّ تعبير عبد الخالق، فتنفتح الأبواب على مصاريعها أمام المغامرات الانقلابيَّة، والأنظمة الشُّموليَّة، يميناً ويساراً، لتنحشر الحركة السِّياسيَّة، والبلاد بأسرها، في نفق من بعد نفق، وظلمات من فوق ظلمات. ومن ذلك، على سبيل المثال، دعوة الحزب المستمرَّة إلى (سودنة) التطبيق الدِّيموقراطي الليبرالي، ليس بالطرح النظري، فحسب، وإنما، عمليَّاً وإجرائيَّاً أيضاً، عن طريق تطوير التجربة النيابيَّة الدِّيموقراطيَّة على خط السَّودنة الذى كانت قد اجترحته لجنة سوكومارسون، الخبير الهندي (الباكستاني لاحقاً)، بوضعها خصائص الواقع الاقتصادي السِّياسي الاجتماعي السودانى في الاعتبار، لدى تشريع أوَّل قانون للانتخابات لسنة 1953م، وذلك بتخصيص خمس دوائر لخرِّيجى المدارس آنذاك، الأمر الذى كان يستوجب الدَّفع، منطقياً، ومن خلال التجارب اللاحقة، باتجاه مآلاته الأعلى، المتمثلة في ضرورة إفراد دوائر خاصة للقوى الحديثة، بما فى ذلك القوات النظاميَّة، وإلى ذلك تطوير تجربة الكليَّات الانتخابيَّة Electoral Colleges بين قبائل الرُّعاة الرُّحَّل، وتضييق أحجام الدَّوائر الانتخابيَّة الجغرافيَّة في مناطق الانتاج الحضري الحديث، مقابل توسيعها في المناطق الرِّيفيَّة، الأمر الذى من شأنه زيادة عدد النوَّاب القادمين من مناطق الوعي، بما تتحمَّل من أعباء التغيير، وتبعات مجابهة الأنظمة الشُّموليَّة (أنظر، على سبيل المثال، مذكرة الحزب إلى المجلس العسكري الانتقالي حول قانون الانتخابات، 1985م).

لقد قطع الحزب مشواراً طويلاً، وشديد الأهميَّة، في بلورة هذا المنظور للدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، بما يتسق وخصائص الواقع السوداني، إلى حدِّ المفاصلة، نهائيَّاً، مع أي احتمال للتنظير، دَعْ العمل، باتجاه مغامرة (ديموقراطيَّة!) أخرى (جديدة، موجَّهة، ثوريَّة .. الخ)!


(33)

حسم الحزب، إذن، مرَّة وللأبد، ومنذ أواخر سبعينات القرن المنصرم، أمر المخض العنيف الذى وسم فكره، تاريخيَّاً، بين النزوع الأصيل للنضال من أجل إقرار الحُرِّيَّات والحقوق الليبراليَّة، وبين أفكار الدِّيموقراطيَّة الثوريَّة، الشَّعبيَّة، الجديدة .. الخ، والتي ما كان أعانها على مخالطة فكره، وقتها، سوى خراقة القوى التقليديَّة في الدَّأب على تيئيس حركة الحداثة السِّياسيَّة الجَّماهيريَّة من جدوى الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة أصلاً! ومع ذلك فإن الحزب ما لبث أن عاد ليلقي بثقله، نهائيَّاً، على طريق خياره الفكري القديم، الأصيل، الخيار الدِّيموقراطي الليبرالي الذي تقترن فيه الحُرِّيَّات والحقوق السِّياسيَّة بمضمونها الاجتماعي، أي الخيار الأصعب الذي يستوجب قدراً هائلاً من الصَّبر على مكاره هذا الطريق، وعلى تطوير هذه التجربة، في السودان، بالمراهنة على ديناميكيَّات الحركة الجَّماهيريَّة وحدها، والرفض الصَّارم لأيِّ إغواء يمكن أن يشكله برق الشُّموليَّة الخلب، بمغامراته الانقلابيَّة، وحلوله السُّلطويَّة، تأسيساً على خبرة عمليَّة لا يمكن إسقاطها لحساب أيَّة مزايدة (يساريَّة) أو (يمينيَّة)!

جابه الحزب أوَّل اختبار لصدقيَّته في هذا الاتجاه، كما سبق وأشرنا، عندما عرض عليه نظام جعفر نميري، وقتها، ضمن القوى السِّياسيَّة الأخرى، مشروعه لـ (المصالحة الوطنيَّة)، فلم يتلجلج، ولو للحظة واحدة، أو يتردَّد فى إعلان رفضه له، كما قد رأينا، ليس تحبيذاً، بالطبع، لـ (الشِّقاق الوطني)، وإنما رفضاً لـ (الشُّموليَّة) من أيِّ طريق جاءت، وبأيِّ زيٍّ تزيَّت، طارحاً بديله على بقيَّة القوى السِّياسيَّة الوطنيَّة تحت عنوان (جبهة عريضة للدِّيموقراطيَّة وإنقاذ الوطن)، وهي الصِّيغة التي وفرت، بالفعل، في وقت لاحق، القدر الكافي من وحدة القوى السِّياسيَّة والنقابيَّة للانخراط في الانتفاضة الشَّعبيَّة، والإطاحة بنظام مايو الشُّمولي، واستعادة الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة الليبراليَّة فى مارس ـ أبريل 1985م.

ولعلنا لا نعدو الحقيقة قيد أنملة حين نقرِّر، كما ألمحنا من قبل، أنه ليس ثمَّة من يستطيع، داخل الحزب أو خارجه، أن ينسب إلى التلخيصات الماركسيَّة اللينينيَّة الشَّائعة عن (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة) شيئاً من نتائج دورتى لجنة الحزب المركزيَّة (أغسطس 1977م ـ ديسمبر 1978م)، اللتين حسمتا موقفه تماماً، وكرَّستا خلاصه نهائيَّا، على الأقل في مستوى التأسيس النظري، من أى تأثيرات ديموقراطيَّة (جديدة، شعبيَّة، موجَّهة .. أو ما إليها). فبعد أشهر قلائل من الانتفاضة، وبكلمات بسيطة وقاطعة، لخَّص محمد إبراهيم نقد، السكرتير السِّياسي للحزب، المنهجيَّة الفكريَّة التي اعتمدها الشِّيوعيون فى مقاربة تلك الخبرة العمليَّة، قائلاً: \".. هذه تجربة خضناها (عمليَّاً) ولسنا مستعدين لنخضع فيها لنصائح نظريَّة .. الحزب لن يخاف إطلاقاً من طرح رأيه في أن الدِّيموقراطيِّة الليبراليَّة في السودان كانت وما زالت في مصلحة تطوُّر الحركة الجَّماهيريَّة، ومصادرتها كانت باستمرار لمصلحة التطوُّر الرَّأسمالي، والخراب الاقتصادي، ومصادرة الدِّيموقراطيَّة، وانتهاك السَّيادة الوطنيَّة .. (و) لن يوافق، ولن يسكت، ولن يهادن، فيما يتعلق بالحقوق الأساسيَّة، والحُرِّيَّات الدِّيموقراطيَّة للجَّماهير، تحت شعارات جرَّبناها في مايو. أنا لا أتحدَّث عمَّا تمَّ في أيِّ بلد عربي، أنا أتحدَّث عن تجربة السودان. شعارات (حماية الثورة) كانت شعارات تضليل لمصادرة الحقوق الأساسيَّة من الجَّماهير، وسَوقها كالقطيع لحماية الدكتاتوريَّة؛ شعار الوحدة الوطنيَّة والتنظيم الواحد الذي يوحِّد كلَّ القوى التقدُّميَّة .. الخ كان غطاء لتصفية المنظمات الثوريَّة والمنظمات الجَّماهيريَّة في البلد، وفرض الوصاية عليها لتمكين حكم الفرد، حكم الفرد من مواقع التقدُّم، وحكم الفرد من مواقع الرَّجعيَّة\" (حوار مع م/ \"بيروت المساء\"، أغسطس 1985م).

صحيح أن هذه (الخبرة) وتلك (الملاحظات)، والتى تندرج، بمجملها، في قوام النظر البراغماتي، لا تلغى شيئاً من تلخيصات ماركس وإنجلز ولينين الصَّائبة، بوجه عام، لجوهر الليبراليَّة السِّياسيَّة كمنجز برجوازي يعكس، في أصله، (الاستلاب) السِّياسي، ويمثل المصدر الأيديولوجي لشرعيَّة الطبقة الرَّأسماليَّة التي ما اكتسبت سلطتها إلا من موقعها في عمليَّة الانتاج، أي من الحقِّ (الوضعي)، في عصر الحداثة، وليس (المقدَّس) كما كان الأمر في القرون الوسطى بالنسبة لحلف الكنيسة/الاقطاع. كما وأن هذه (الخبرة) وتلك (الملاحظات) لا تمسُّ، أيضاً، شعرة من صحة التحليلات الماركسيَّة لمضمون برلمانات الرَّأسماليَّة وانتخاباتها، من حيث هي برلمانات وانتخابات ذات طبيعة برجوازيَّة، تتأسَّس باسم (الحُرِّيَّة) و(المساواة) و(الدِّيموقراطيَّة)، لكن من فوق سيطرة الطبقات المستغِلة (بكسر الغين) على وسائل الانتاج وسلطة الدَّولة الحقيقيَّة. برغم ذلك كله، فإن هذه الخبرة والملاحظات (السودانية) قدمت دائماً للحزب الشِّيوعى (السودانى) معرفة قيِّمة، لا غنى عنها، على النحو الآتي:

(1) ظلت نفس هذه الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة ـ مقارنة بالشُّموليَّة ـ توفر دائماً، وبرغم كلِّ عيوبها، وتشوُّهاتها، وعرجها المشهود في الممارسة العمليَّة، مناخ العوامل الموضوعيَّة الأكثر مواءمة وترجيحاً لتطوُّر العمليَّات السِّياسيَّة السِّلميَّة في البلاد، ولتفجير طاقات الجَّماهير السودانيَّة، ومبادراتها الذاتيَّة، بقدر ما ظلت توفر لكياناتها، وقواها، ومنظماتها المستقلة، وللحزب نفسه، أوسع فرص النموِّ والازدهار الطبيعيين في الهواء الطلق، في ساحات الحُرِّيَّات العامُّة والحقوق الأساسيَّة، بعيداً عن (ثيرموستات) النشاط السِّرِّي، و(ديب فريزرات) القوانين المقيِّدة لهذه الحُرِّيَّات والحقوق.

(2) ولهذا السبب نفسه، أضحى واجباً مقدماً، أمام الحزب والحركة الجَّماهيريَّة، الدفاع عن هذه الحُرِّيَّات والحقوق البرجوازيَّة، فى مواجهة كلِّ المحاولات الرَّامية لإهدارها، أو لتأسيس أيِّ نظام برلماني خال من كلِّ محتوى. هكذا استقرَّ النضال الجَّماهيري من أجل الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة، كسمة ثابتة وقانون أساسي لتطوُّر الثورة السودانيَّة. هذا معطى تاريخي ناتج عن (مشاهدة) و(تجربة) عمليَّة محدَّدة ومفصحة، فلا يجوز، بل وليس من الحكمة في شىء، إسقاطه لحساب أيِّ محاكمة (نظريَّة) عامَّة بأى حال.


(34)

ثمَّة مسألة جديرة بالتطرُّق إليها هنا. لقد ظلَّ لينين يؤكد، في أكثر من مناسبة، على أن الانتقال من الرَّأسماليَّة إلى الاشتراكيَّة \"لا يمكن .. ألا يعطي غزارة هائلة وتنوُّعاً في الأشكال السِّياسيَّة\" (الدَّولة والثورة، ص 35)، ويشدِّد على \"أن كلَّ الشُّعوب سائرة، لا محالة، نحو الإشتراكيَّة، ولكن بطرق متباينة، بحيث تحمل كلٌّ منها خصائصها المميَّزة إلى هذا الشَّكل أو ذاك من الدِّيموقراطيَّة .. وليس ثمَّة ما هو أكثر تشوُّهاً ، من الناحية النظريَّة، أو مدعاة للسُّخرية، من الناحية العمليَّة، من أن نتصوَّر المستقبل، تحت دعوى \"الماديَّة التاريخيَّة\"، بلون رمادي وحيد\" (حول السُّخرية من الماركسيَّة وحول الاقتصاد الامبريالي، ص 123). مع ذلك ظلَّ هو نفسه يؤكد، أيضاً، على (دكتاتوريَّة البروليتاريا) كجوهر وحيد لهذا الانتقال المنشود من الرَّأسماليَّة إلى الاشتراكيَّة (الدَّولة والثورة، ص 35). وبرغم كونه لم يستبعد أن تحمل \"الثورات القادمة في بلدان الشرق الأكثر غنى بالسكان .. وذات الظروف الاجتماعيَّة الأكثر تبايناً .. تنوُّعاً أكثر مِمَّا حملته الثورة الرُّوسيَّة\" (حول ثورتنا، ص 439)، الأمر الذي يُفترض معه انعدام الحكمة في حصر احتمالات هذا التنوُّع، بالنسبة لأشكال الانتقال إلى الاشتراكيَّة، فى محض (الاحتمال السُّوفيتي) أو حتى احتمال (الدِّيموقراطيَّات الشَّعبيَّة) التي أمكن ظهورها، في عقابيل الحرب العالميَّة الثانية، نتيجة المتغيِّرات التاريخيَّة في بعض بلدان أوربا الشَّرقيَّة وآسيا، إلا أن (سلطة السُّوفيتات)، كشكل تاريخىٍّ محدَّد من أشكال (دكتاتوريَّة البروليتاريا) يعكس خصائص الثورة في روسيا، ظلت تشكل النموذج الملموس لهذا (التنوُّع)، والأكثر حضوراً ضمن نتاج لينين الفكري، الأمر الذي جعل منها، ومن نماذج (الدِّيموقراطيَّات الشَّعبيَّة) بالتبعيَّة التاريخيَّة أيضاً، (قيمةً معياريَّة) لدى معظم الشِّيوعيين والثوريين في العالم ، لما يربو على ثلثي القرن.

غير أن الحزب الشِّيوعي (السوداني)، ومنذ صدور برنامج مؤتمره الثالث، غداة الاستقلال عام 1956م، قد أفلت، حسب تعبير نقد المار ذكره \"من التأويل السلفي .. في الأدبيَّات الشِّيوعيَّة، حينها، عن أن دولة الدِّيموقراطيَّة الشَّعبيَّة في الصِّين وشرق أوربا تؤدي وظيفة (دكتاتوريَّة البروليتاريا) في ظروف تاريخيَّة خاصَّة\" (ورقة \"مبادئ موجهة ..\"). ذلك أن هذا المصطلح \"لم يرد في وثائق اللجنة المركزيَّة بين المؤتمرين (1956م ـ 1967م)، ولم يرد في تقرير المؤتمر الرَّابع (الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة)، ولا في الدُّستور الذى أجازه المؤتمر الرَّابع، وما من مبرر نظري أو مسوِّغ سياسي يجيز أن يرد .. فى برنامج حزبنا في المستقبل\" (المصدر نفسه).

إذن فالاستنتاجات والموجِّهات التي خلصت إليها دورتا اللجنة المركزيَّة (أغسطس 1977م وديسمبر 1978م) لتدفع بنضالات الشِّيوعيين السودانيين على طريق الحُّريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة، باعتبارها الجَّوهر الحقيقي لليبراليَّة السِّياسيَّة، وكشرط لازم من أجل إرساء دعائم المشروع الاشتراكي في السودان، لا بطريق الإنقلاب العسكري، أو نظام الحزب الواحد، وإنما عبر المنافسة الأيديولوجيَّة والسِّياسيَّة الحُرَّة، والصِّراع السِّلمي للأفكار والرؤى والبرامج، والتداول الدِّيموقراطي للسُّلطة، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، تصعب إحالتها، كما قلنا، إلى أيٍّ من كلاسيكيَّات التعميم الماركسي اللينيني الشَّائع بشأن الموقف من الليبراليَّة. ومع ذلك، فليس من الصعب ملاحظة (الاسترشاد) بالمنهج الماركسي اللينيني نفسه في هذه الاستنتاجات والموجِّهات، سواء من جهة تحاشي الانكفاء على (الرمادي) كلون وحيد للمستقبل، أو فيما يتعلق بإيلاء قضيَّة (التنوُّع) القدر اللائق من الاعتبار، أو حتى فيما يتصل، كما أشرنا، باعتماد البراغماتيَّة Pragmatism، أحياناً، لا كنظريَّة متكاملة في النشاط الثوري، ولا كضرب من (التجريبيَّة)، أو (التأمُّليَّة)* من باب أولى، وإنما، فقط، كأداة بسيطة من أدوات المعرفة ليس من الحكمة إغفالها تحت أيِّ شعارات أو (نصائح نظريَّة). ولعل ذلك هو، بالضبط، ما عبَّر عنه السكرتير العام للحزب، قائلاً: \".. ليس هذا اكتشافاً نظريَّاً جديداً، وليس تطبيقاً خلاقاً للماركسيَّة، وليس ادعاءً بعبقريَّة، ولكنه قراءة للواقع السودانى باسترشاد ماركسي حسب قدراتنا .. إنه لا يخلو من جانب براغماتي .. البراغماتيَّة أداة من أدوات المعرفة، ليست خطأ كلها، فيها جوانب عمليَّة صحيحة، لكن إذا تحوَّلت إلى نظريَّة كاملة للمعرفة يصبح أمرها شيئاً آخر. هذه واحدة من الخصائص المهمَّة بالنسبة لنا. هذه قضيَّة أساسيَّة\" (حوار مع م/النهج ـ ع/25 ، 1989م ، ص 51).

(نواصل)

***

* (التجريبية): إتجاه في نظريَّة المعرفة يردُّها إلى تجربة الأحاسيس والإدراكات، وينحدر من (الأبيقوريين) و(الرواقيين) في الفلسفة اليونانيَّة القديمة، حتى فلاسفة (الوضعيَّة الجديدة) الذين يقرنون (التجريبيَّة) بالتحليل المنطقي للمعرفة، حيث يخضع (الواقع) لمراوحة لانهائيَّة بين (الصَّواب) و(الخطأ)، فتصبح صياغة أيِّ موقف سياسي أو أيديولوجي حول (الواقع) مرهونة بتحويل هذا (الواقع) إلى حقل اختبار عملي دائم، دون التوقف، لحظة، بهدف التقويم النظري للخبرة. عيب (التجريبيَّة) أنها تنظر إلى (الفكر) كـ (صورة فكريَّة) ميكانيكيَّة لـ (الواقع)، ولا تدرك أن (الواقع) لا يتسق مع (الفكر) إلا بقدر ما يجيب هذا (الفكر) على تساؤلات (الواقع) وإشكالاته. أما (التأمُّليَّة): فتنطلق من أيَّة (نظريَّة)، حتى لو كانت ثوريَّة، لتنتهى إليها، حين تقدِّمها للجَّماهير كصيغة (علميَّة) نهائيَّة، مستكفية بذاتها، ومشتملة على كلِّ (الحلول) لقضاياها، فتنكفئ عليها، مسترخية في الطمأنينة والأمل، حيث يغدو (الفكر) منطلق ومعيار الواقع. بعض المفكرين يشبِّهون (التأمُّليَّة) بسرير بروكست، قاطع الطريق في الأسطورة، والذى كان يمدِّد عليه ضحاياه، فإن كانوا أطول، قصَّ ما زاد منهم، وإن كانوا أقصر، مطهم!


الاخبار


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1169

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أ.كمال الجزولي
أ.كمال الجزولي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة