محمد وردي
02-28-2012 09:46 AM

محمد وردي
[email protected]

أتاحت لي فرصة إقامة المطرب الكبير محمد عثمان وردي نحو ثلاث سنوات في لندن (1994-1997) سوانح ما كنت لأحظى بها لو أنني كنت مقيماً في الخرطوم كلقاء هذا العملاق، والتعرف عن قرب إلى شخصيته. وربما كان من حسن حظي أنني كدت أن أنقطع لمجالسته والاستماع إلى حكاياته وأقاصيصه الطريفة التي تستحق أن تجمع وتدون لتطلع عليها أجيال السودانيين الذين عشقوا صوته الصداح وغناءه العاطفي والوطني العذب.
هذه ليست شهادة مني لمصلحة وردي أو ضده. فشهادتي فيه مجروحة، إذ ظل صوته يطربني منذ اليفاعة. وسرت عدوى ذلك الإعجاب لدى كل أفراد الأسرة. حتى أن شقيقي مدثر -بشهادة وردي نفسه- من أفضل من يتغنون بطريقة الفقيد وطبقات صوته.
بدأ إعجابي بوردي من بعيد. ورسخت في ذهني منذ الصغر صورته وصوته كأحد الأبطال المرتبطين -في عقول التلاميذ الصغار الذين كُنَّاهُم- بتاريخ السودان وأبطاله. فقد كان أساتذتنا في المدرسة الأولية (الابتدائية) يلزموننا ترديد أنشودته العذبة "اليوم نرفع راية استقلالنا" (للشاعر الدكتور عبد الواحد عبد الله) في الطابور الصباحي؛ لترسل إلى عقولنا الصغيرة بطولات كرري وعبد اللطيف وصحبه كل صباح، وتسرد لنا القصص المرتبطة بتلك الصور التي بتنا نعرفها قبل أن يلقي المعلمون على مسامعنا دروس تاريخ السودان الحديث. وبالطبع فإن تلك الصورة كبرت ورسخت مع ظهور أغنيات وردي ذات البعد العاطفي-الوطني، مثل "بنحب من بلدنا" (أبو آمنة حامد) التي تنقلك في تطواف صوفي ساحر بين طبقات الجمال من حلفا إلى نيمولي، ومن الجنينة إلى أرض الهدندوة في الشرق.
لم يكن وردي، حين عرفته مِن كَثَب في لندن، نقيضاً لتلك الصورة التي انطبعت في مخيلتي بمرور الزمن. غير أنه مثل كثير من عباقرة الموسيقى والإبداع مفعمٌ بالتناقضات الإنسانية التي لا يجد لها المرء تفسيراً. فهو في إحدى اللحظات طفل! بمعنى الكلمة. مشاغب يريد أن يعاكس أي قيد يصفد حياته وانطلاقته في العالم البوهيمي الذي يريد أن يعيش فيه إلى ما لا نهاية. وهو يعيش حقاً في عالمه الخاص الذي لا يمكن أن يدعي إنسان آخر أن صنعه له أو نصحه بالعيش فيه.
وحين يبدأ الآخرون التأنق للخروج من منازلهم لقضاء السهرات والأمسيات كيفما اشتهوا، يفضل وردي أن يستمتع بنومة عميقة قد لا يستيقظ منها قبل الثانية أو الثالثة فجراً. وحين يستيقظ لا يتذكر إن كان قد تناول عشاءه قبل نومه، وهل تغدى أصلاً، بل يعمد مباشرة إلى العود. أحياناً يعكف على تلحين أغنية جديدة. وأحياناً أخرى يراجع أغنياته القديمة – حسب المزاج – فيُعمل فيها تعديلاً وإضافةً وحذفاً.
وأذكر أنه تعب في تلحين قصيدة بعينها لشاعر من المقيمين في لندن، إلى درجة أننا صرنا ندندن بها أكثر منه، بل كان معجباً بها وراضياً عن لحنها إلى درجة أنه كان يقطع الحديث معنا ليتناول العود ليتغنى بها، حين يأتيه صوت عمه عبد الخالق حسن وردي من المطبخ يترنم بالأغنية نفسها. والغريب أن وردي قرر فجأة التخلي عن الأغنية ولحنها لأنه استثقل تصرفاً من شاعرها ذات ليلة! ولا أعتقد أن لها وجوداً الآن سوى في ذاكرة وردي وعمه وفي أحد شرائط الكاسيت التي سجلتها له يترنم بها في يوم شتوي ممطر في وسط لندن.
وفيما ارتبطت صورة وردي في بعض الأذهان بالعنجهية والغرور، فإن الحقيقة غير ذلك تماماً. فقد ألفيت عنده طيبة سريرة ودماثة خلق لا يتوفران إلا عند سوداني أصيل مثل وردي. أذكر أنني نهضت ذات مرة أثناء جلوسي معه في صالون شقته مستأذناً لأني على موعد مسبق. فسألني: موعد مع من؟ فأجبته بأنني ذاهب لزيارة صديقي الشاعر الكبير حسين عثمان منصور الذي توفي إلى رحمة مولاه في يناير 1997. شرح لي وردي أن مجلة "الصباح الجديد" التي أصدرها المرحوم حسين في عام 1956، تخصصت في انتقاده منذ سطوع نجمه الفني في عام 1957. وكانت انتقاداتها اللاذعة له تؤلمه، لأنها بنظره لم تكن منصفة. كما أنه لم يكن له آنذاك أساس راسخ من المعارف والأصدقاء في الخرطوم. ومع أن مرور تلك السنوات لم يُنسِه ذلك الألم والضيق، إلا أنه فاجأني بموافقته على طلبي أن يرافقني لنزور الأستاذ حسين، ولم يكن بينهما أي لقاء منذ منتصف ستينات القرن العشرينّ، خصوصاً بعدما أغلق نظام الفريق إبراهيم عبود مجلة "الصباح الجديد" واستوعب حسين ضابطاً للأغنيات في الإذاعة السودانية.
اتصلت بالأستاذ حسين وأخبرته بأني أصطحب معي زائراً سيكون مفاجأة له بكل المقاييس. ووجدناه عندما دخلنا عليه، وكان قد تجاوز السادسة والستين من عمره، في كامل أناقته التي اعتادها في صباه وكهولته. لم يصدق أن وردي في داره. بكى الشاعر الصحافي الكبير تأثراً من تناسي وردي تلك الخصومات والتلفيقات الصحافية. وقال وردي لحسين إنه بقدر ما تألم من تلك الانتقادات، كان يعزِّي نفسه بأن يبدع أكثر ويتقن فنه الغنائي بشكل أجود حتى يكون فوق مستوى تلك الملاحظات.
والأستاذ حسين من الشخصيات التي ينبغي ألا تُنسى، فقد كان صحافياً موهوباً ومغامراً ومبتكراً. وكان شاعراً غنائياً واكب فترة تبلور الغناء الوتري الحديث منذ الأربعينات وحتى سنوات الستين. وله أغنيات حسان يترنم بهن حسن عطية (هبي يا سعاد)، وعبد العزيز محمد داود (أجراس المعبد)، وسيد خليفة (ليل وكأس وشفاه)، ونظم عدداً من أغنيات المطرب الراحل محمد حسنين. اشهرها ( قمرى وقمرية) وقدم أثناء فترة عمله ضابطاً للأغاني في إذاعة أم درمان عدداً من البرامج الغنائية التي لا يزال المخضرمون يذكرونها، وتستمتع بها أجيال من المستمعين الذين أتوا بعدهم حتى يومنا هذا الذي فينا.
ولمحمد وردي سن مكسورة، أو "مشرومة" كما نقول في عاميتنا. لكنه نجح من خلال علاقاته الواسعة في الحصول على جزء من سن صنع له خصيصاً ليغطي ذلك الكسر. وكان في الشقق التي أقام فيها في لندن ينزع ذلك الجزء ويجلس بسنه الطبيعية "المشرومة" فتظهر براءته وطفولته، خصوصاً حين يضحك، رغم أنه آنذاك كان قد تجاوز عامه الـ 60.
و حتى ذلك الوقت- وأظنه بقي كذلك حتى رحيله الفاجع- كان متلافاً، سخياً، وشديد الحرص على قِرَى ضيوفه. ولم يكن يهمُّه المال بحد ذاته، ليكتنزه أو يستثمره في شيء، بل كان همه أن يعيش به في أيسر حال في يومه، ولا يهمه ما قد يأتي به غده. كما كان حريصاً على تكتم ما قد يؤلمه من تغير أحوال أو ضيق في الأرزاق، وهي نازلات اشتدت عليه إبان سنين منفاه الاختياري بين عدن (1983)، ولندن (1994-1997)، وكاليفورنيا (1999-2005)؛ إذ لم تكن تلك الحواضر معاقلَ تَعُجُّ بعشاق فنه، ولم يكن سهلاً تنظيم حفلات يمكن أن تدر عليه دخلاً لتغطية نفقاته العائلية الكبيرة. وعلى رغم ذلك ظل يرفض في إباء إقامة جلسات خاصة في أي مقابل مالي. وكنت أشعر بسعادة لا تدانيها سعادة وأنا برفقته حين يوافق على زيارة أسرة أو شخص في لندن وضواحيها، لأنه عندئذ سيتغنى على مزاجه، وغالباً يكون في هذه الحالات سخياً بأداء أمهات أغنياته اللاتي قد لا يتسنى سماعها في حفلاته بسبب عدم وجود فرص كافية وعازفين أكفاء للتدرب على عزفها مسبقاً.
وأذكر من ذلك السخاء الفني واقعتين، فقد طلب مني الأخ الدكتور نزار محمد عبده غانم أن يزور وردي في منزله، وكان الفقيد قد انتقل آنذاك من وسط لندن إلي منطقة ريدبيردج شرق العاصمة البريطانية، ليكون بالقرب من قريبه محمد إدريس أوندي وعائلته، وكانت ترافقنا طبيبة يمنية شابة من مواليد أم درمان، لكنها عادت مع ذويها إلى اليمن. وجدنا وردي برفقة نجله الثالث الدكتور عبد الحليم حافظ. وكانت سهرة لم ولن تتكرر قط، تغنى فيها وردي برائعتي إسماعيل حسن "بعد ايه"، و"لو بهمسة". وتغنى أيضا بعدد من أغنياته القصار مع حافظ الذي كان يعزف على العود، فيما كان وردي يعزف على الطمبور.
أما الحادثة الثانية فقد كان من شهودها الأخوين عبد الحفيظ وأزهري نور الهدى في مدينة أكسفورد، إذ تلقى وردي دعوة إلى هناك من أحد أكبر شعراء جمايكا ويدعى Sid، وكان قد التقى وردي مصادفة في أحد قطارات الأنفاق (المترو) اللندنية، ومن دون سابق معرفة اتجه إليه وسأله إن كان هو الـ master musician الذي ظل – كما قال- يراه في الحلم قرابة 30 عاماً يصدح بموسيقى لم يسمعها طوال حياته. واستدعاني وردي من مكتبي في مقر صحيفة "الحياة" يومذاك للمساعدة في ترجمة ما يقوله ذلك الشخص "العجيب". وانتهت الحكاية بأن قال "سِدْ" إن تحقق حلمه بلقاء من سماه master musician يؤكد له اعتقاده وصدق أبحاثه بأن أهله في منطقة جزر البحر الكاريبي ليسوا في الواقع عبيداً استقدمهم البيض لفلاحة مزراعهم، وإنما هم نوبيون هاجروا من النوبة السودانية القديمة أثناء سنوات بناء أهرامات الجيزة التي سخرهم الفراعنة لبنائها بكل ما تحمل كلمتا السخرة والعبودية من معانٍ.
في منزل "سِدْ" في أكسفورد تجلت عظمة وردي في الأنس والحكي، وتجلت عظمته أيضاً في الغناء، إذ اختار أن يستهل السهرة-الجلسة برائعة صلاح أحمد إبراهيم "الطير المهاجر". وكان هو أول من بكوا في تلك الليلة، وكلما سالت دموعه علا صوته، وبلغ مراقٍ لا يعرف توصيفها سوى دارسي الموسيقى. وطبعاً كانت دموع الشفيف أزهري نور الهدى الأكثر غزارة ليلتها.
وعرفت عمق صداقة وردي بزملائه المطربين خلال تلك الفترة، إذ جمعت بيننا لقاءات مع الفنان عبد الكريم الكابلي والفنان كمال إبراهيم سليمان (ترباس). وكانت تلك السهرات مسارح لسرد ذكريات من الصداقة النبيلة، والزمالة الصادقة، والعلاقات الأسرية الراسخة. وأعتقد أن تلك اللقاءات اللندنية كانت تمثل فرصاً للتلاقي أكثر مما كانت عليه الحال في الخرطوم، بسبب شواغل الحفلات والارتباطات والتمارين الموسيقية. وقد طرب وردي أيما طرب حين تغنى ترباس بأغنية حسن عطية "إنت حياتي"، ولما انتقل إلى رائعة أبو علي "لو انت نسيت" – على توقيع الموسيقار العواد الفذ بشير عباس- وجد وردي نفسه "شيالاً" لترباس، في ثنائية عفوية مفعمة بالخبرة.
وكنت قد جمعت بين العملاقين كابلي ووردي في حفلة صغيرة أقمتها في أحد فنادق منطقة أوسترلي (غرب لندن) في شتاء 1994، للاحتفاء بقدوم المولود يس معاوية يس. وكانت ليلة لن تغيب قط عن ذاكرة الذين حضروها من أحبابنا اللندنيين، ذابت فيها الفوارق بين رجال حزب الأمة والاتحاديين، وبين الشيوعيين والمستقلين، وبين الجنوبيين والشماليين. ومما أذكره ليلتذاك أننا بطريقتنا السودانية لم نلتزم بالمواعيد التي حددتها إدارة الفندق لانتهاء السهرة عند الواحدة صباحاً، فطلبنا تمديد الموعد إلى الثانية صباحاً، ولما حان الموعد الجديد، لم يكن وردي قد فرغ من وصلته الثانية، فاضطرت الإدارة إلى قطع التيار الكهربائي عن مكبرات الصوت، فما كان من وردي إلا أن انطلق يصدح بلا مكبر صوت، وتجلت قدراته الخرافية على إسماع الحضور في جميع أرجاء القاعة، وهي المقدرات التي حدثني أنه رآها عند أشياخه الكاشف وعبد الحميد يوسف وغيرهما من أساطين فن الغناء الوتري الحديث. ولم يكن وردي يبدو أكثر سعادة إلا حين يتهيأ له جو لتمرين القدرات القصوى لصوته.
أيضا من لقاءات الوفاء وطيب المعشر، أذكر أن الفنان الصومالي المخضرم أحمد ناجي التقاني في استوديوهات هيئة الإذاعة البريطانية في لندن، ولما عرف مني أن وردي مقيم في "اللندرة" (وهي التسمية التي ترد في أغنية تراثية يتغنى بها الكابلي: بلد اللندرة يا سيدى شقيتا/ والجرح المنوسر لحقت برّيتا/ سيد الساقية والسارية والحيطة/ سيد المهرة البتاتي بي قيدا) طلب أن أنظم له لقاء بوردي. وتم اللقاء وسط أجواء من العناق والدموع والقبلات. ولم يحضره سوى عبد الخالق حسن وردي وشخصي الضعيف. وبعد الذكريات السودانية-الصومالية، أمسك وردي بالعود وصدح بعدد من أغنياته الحسان، وكان أحمد ناجي الذي اشتهر بأداء أغنية "ما تخجلي" يبكي وهو ينصت إلى ذلك الصوت. ومن الطرائف أذكر أنني كنت أترجى وردي أن يخفض صوته حتى لا يبلغ عنا الجيران بتهمة الإزعاج، لكنه لم يأبه، وقال لي إن همه أن يمرّن صوته وليس أن يسمعنا!
وحين قرر وردي فجأة أنه لا بد أن يغادر لندن إلى أسمرة في عام 1997، أصابني حزن شديد، وجزعت من الفراق. وبعد سفره، ما لبثت أن انتدبت نفسي في مهمة صحافية إلى العاصمة الأريترية للقائه. وبالفعل التقينا، وكنا نسهر كل ليلة ممتعين أنفسنا بدهشة موهبته وصوته الفريد وحكاياته التي لا تُمل. وكان من رفقاء تلك الليالي الأخ ياسر سعيد عرمان الذي كان آنذاك متحدثاً باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان في أريتريا.
وبعد؛ فقد كانت تلك جوانب ضئيلة جداً تأتت لي معرفتها في شخصية الفنان الشاعر والملحن والموزع الموسيقار محمد وردي. وقد أثمرت تلك اللقاءات الليلية والنهارية عن تسجيل مسيرته الغنائية بشكل توثيقي، نشرتُ شذراتٍ منها في مجلة "أوراق جديدة" التي تصدر في الخرطوم، وسينشر التوثيق مكتملاً في الجزء الثاني من كتابي "من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان" الذي سيصدره مركز عبد الكريم ميرغني خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وإذ أكتب هذه الكلمة، أجد أن من الواجب عليّ أن أعبر عن الامتنان لوردي في موقفين مررت بهما، كان لوردي دورٌ كبير في إعانتي على تجاوزهما. فقد اتاني صوته من القاهرة في مستهل التسعينات ليشجعني على التماسك في المضي في عملي الصحافي، مؤكداً لي أنه لن يصدق ما افتراه عني أحد قادة المعارضة السودانية في إحدى صحف القاهرة. وكانت تلك الفرية قد أصابتني بصدمة وكرْب شديدين، إذ كان ذلك أول عهدي بمماحكات الساسة، وانتقامهم من الصحافيين الذين يرفضون الانقياد لهم. وقال لي على سبيل المؤاساة إنه صادف مواقف عدة مكن ذلك القبيل في مسيرته الفنية، لكنها قوّته ولم تضعفه. أما الموقف الثاني، فقد جئته ذات يوم في منزله في أقصى شرق لندن وكنت شاحباً ومهموماً من تأثير مشكلة عائلية أوشكت أن تهد بيتي. سريعاً غادر وردي غرفة الاستقبال ليدلف إلى غرفة نومه، وارتدى بدلته وعاد ليطلب مني أن يذهب معي إلى بيتي في أقصى الغرب اللندني ليشرف بنفسه على حل المشكلة بيني وأم أولادي. وكان حضوره مؤثراً وفاعلاً في إقناعنا بتجاوز خلافنا. وتجلت لي يومذاك عظمة وردي وإنسانيته وحبه للآخرين. وحسبت أن ذلك الموقف لو حدث لي مع شخص آخر فلربما اكتفى بإسداء النصح لي، أو لو تدخّل فلربما اكتفى بالتحدث هاتفياً إلى زوجتي. غير أن وردي حملته مروءته وأبوته وسودانيته الأصيلة أن يذهب بنفسه ليلتقي الطرفين ويحل المشكلة.
ومما أذكره جيداً أن وردي على رغم حبه الشديد للحياة، كان يتبرم أحياناً من طول عمره في حين أن غالبية أصدقائه رحلوا إلى دار البقاء. وهو معنى أقرب لما أعرب عنه زهير ابن أبي سلمى القائل:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين عاماً لا أبا لـــك يسأم
ومهما كان شأن زعمنا بسأم وردي من طول عمره، فهو من دون شك ظل محباً للحياة، مغنياً وملحناً حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ولم يكن سأمه شبيهاً بما قاله لبيد بن ربيعة حين بلغ عامه الثمانين:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس: كيف لبيد ؟
كنت معه ذات مرة، وطفق يسرد جوانب من ذكرياته مع عدد من السياسيين ونجوم المجتمع. وكان كلما تناول سيرة أحدهم ترحم عليه! فأبدى حزنه على غياب أولئك الأشخاص الذين كانوا يملأون حياته في السودان وخارجه صداقة وأخوّة ومودة ونجومية.
كان رحيل وردي فاجعة لكل سوداني يعشق صوته وغناءه وموسيقاه، ولكل سوداني يدرك أن الفقيد قام منفرداً ومن دون جزاء ولا شكور بصياغة وتنفيذ منهج التربية الوطنية الذي لم تتنبه لوضعه الإدارات المتعاقبة على حكم البلاد منذ استقلالها، وذلك من خلال أناشيده (الاستقلال، يقظة شعب، إنني أؤمن بالشعب، حدق العيون، عرس الفداء، عرس السودان، وغيرها). ومن خلال مواقفه الرافضة لكل الديكتاتوريات، بما فيها نظام عمر البشير الذي لم يتلوث وردي بقاذوراته.
وبالطبع، فإن رحيله فاجعة كبرى بالنسبة لي ولوالدتي وشقيقي مدثر وبنتي عبير، فهو كان وسيظل في دواخلنا، معلَماً ومعلّماً ومُلهِماً، ومقياساً للذوق الغنائي السوداني، ومثالاً للشخصية السودانية الخالية من العُقد العنصرية والأحقاد، الباحثة عن المجد من خلال الموهبة والتنافس الشريف والنزاهة. وكان وردي نموذجاً للرجولة، ولصلة الرحم، ورفض التميع والانحلال. وقد دخل التاريخ من أبواب عدة، لجمال صوته، وموهبته الفذة في التلحين والأداء والنظم، وفي قدرته الفريدة على استلهام التراث الغنائي النوبي والسوداني، وانفراده بلقب المجدّد الأول في الغناء السوداني المعاصر. وحين ينبري متخصصون لدرس إنتاجه سيكتشفون جوانب كثر ترد بها هذا الموسيقي العبقري الذي لن يجود الزمان بمثله قط. رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وأسكنه فسيح جنانه. إنا لله وإنا إليه راجعون.

image
معاوية يس مع الأستاذ وردي وهو يغني بالطمبور في لندن


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 3669

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#302834 [صلاح الباشا]
4.13/5 (7 صوت)

02-28-2012 11:00 AM
شكرا شكرا شكرا معظما يا أستاذ معاوية ياصديقي ، فقد هيجتني الذكري كما كتبها عبدالرحمن الريح ولحنها وشدا بها الذري
نعمرحيل وردي قد ترك فينا جرحا غائرا نسأل الله أن يندمل سريعا لنفيق من الحزن النبيل ونغني لوردي بالكتابة الراتبة توثيقا وتأصلا للتراث الغنائي في بلادنا ، ذلك أن غناء وردي هو دروس وتعميق للحس الوطني الخلاق ، وسيظل شعبنا خلاقا ولو بعد حين
أخوك / صلاح الباشا
00249912672762


ردود على صلاح الباشا
Saudi Arabia [محمد حسن] 02-28-2012 09:26 PM
هكذا يكون السرد المدهش الجميل الممتع.. يا ود الباشا أرجو أن تتعلم


معاوية يسن
معاوية يسن

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة