المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تاملات تنموية -شرق السودان مثالا
تاملات تنموية -شرق السودان مثالا
03-03-2012 08:41 AM



بسم الله الرحمن الرحيم


تاملات تنموية – شرق السودان مثالا

احمد الحسن اوشيك
[email protected]

الخرطوم

اعتمد شعب البجة , في شرق السودان, مثله مثل الكثير من المجتمعات التقليدية التي تعيش في بيئة محدودة الموارد علي استراتيجيات بقاء ناجحة لتامين البقاء وسبل كسب المعيشة و التعايش السلمي. يمكن تحديد مكوناتها علي النحو التالي :
 الاعتماد علي نظام اقتصادي يرتكز علي الرعي و الزراعة التقليدية لاستغلال الموارد المتاحة بشكل اساسي مع التجارة وبعض الصناعات التقليدية مثل صناعة الادوات المنزلية والزراعية والسلاح التقليدي (يعني مثل السيوف والدرق والحراب والسكاكين و الخناجروالعصي الغليظة – فنحن لم ندخل عصر الكلاشنكوف بعد( والخدمات الدينية الدعوية والفنية والعلاجية التقليدية المتوارثة. هنالك سلالات للذرة وللثروة الحيوانية ذات قيمة عالية تم انتخابها عبر الازمان مثل الذرة الاكلموي وابقار الايرشاي والابل البشارية و العنافي وكذلك سلالات ضان وماعز .يوجد للان صناع بجة مهرة للسلاح التقليدي والصناعات الجلدية ومعارف محلية قيد الاستعمال للان (local knowledge ) في التطبيب البشري و البيطري
هذا النظام الاقتصادي يعتمد علي :
1. تقع مسئولية حماية الموارد علي كل افراد المجتمع, قد تكون الحماية فرض كفاية او فرض عين وفق الطروف و الملابسات
2. الاستغلال المشترك و المتوازن للموارد الطبيعية و المكتسبة بواسطة الافراد والمكونات والجماعات المختلفة للمجتمع مع امكانية المشاركة مع الاخرين
3. توزيع الموارد ,الموارد الطبيعية و المكتسبة والفرص المتاحة . بعدالة وفق اسس يحددها النظام القيمي )اوسلف).
 كثافة سكانية محدودة تتوزع وفقا لتوزيع الموارد الطبيعية مثل الارض الزراعية والثروة الحيوانية وتوفر الماء و المرعي والتواصل الاجتماعي.
 تنظيم اجتماعي ونظام قيمي (اوسلف) يتفاوت بين المرونة والتشدد في الممارسة والسلوك الاجتماعي . النظام القيمي بمثابة قانون يحدد دور الافراد ويحكم سلوك الافراد و المجموعات و الالتزام به شرف ورصيد جاري له ولاهله وحتي لاحفاده .يتصف هذا النظام بالمرونة و التشدد في في بعض السلوكيات و الممارسات و يحدد مدي التوافق والانسجام والتماسك للافراد و الجماعات كما يحدد كيفية واجراءات التفاوض والتسويات و فض النزاعات والمصالحات والتنازلات و الاتفاقيات بين الافراد و المجموعات و العشائر والمجتمعات المجاورة و المتعايشة معهم كما انه ينظم توزيع الموارد بين افراد المجتمع وحفظ حقوق الافراد و المجموعات المخالطة .
 التشدد لدرجة التطرف في التمسك بالارض مع التجوال في نطاق جغرافي محدود .فمثلا نلاحظ ان البجة لا يهاجرون و لا ينزحون من مناطقهم رغم كل عاديات الزمن ومهما اشتدت التقلبات المناخية وتعاقبت سنين المحل و الجفاف والحروب و اللجوء و النزوح .التمسك بالبقاء في الوطن و الامتناع عن الهجرة و النزوح و اللجوء يعتبر اسلوب الحياة المفضل مهما كانت الصعاب وحتي في وجود المغريات .
 نظام اتصالاتي لتبادل المعلومات يعمل وفق طقوس السكناب .والسكناب اذا اردنا ترجمتها فهي تعني منهج متكامل لتبادل المعلومات وللتداول حول الاخبار و الاحداث و التحليلات المتعلقة بها وفق مختلف المصادر و الوسائل و الاهداف والنتائج و الرؤي ويحتوي هذا النظام الاتصالاتي علي اجراءات حمائية (ممكن مقارنته بالانتي فيرس –antivirus ) موجه ضد اي كشف للمعلومات والاراء والتركيبة الداخلية للمجتمع لاي متطفل (هاكرز) . السكناب ليس تداول الاخبار فقط كما يعتقد البعض بل هو نسق تواصل.
 استراتيجية دفاع تتميز تعتمد علي :-
1. التمسك والدفاع عن الارض والخصوصية الثقافية و الاجتماعية
2. التعايش السلمي مع المجموعات المستوطنة مادامت هذه المجموعات ملتزمة به
3. تجنب الصراعات والصدام مع المجموعات و المجتمعات الاخري ما امكن ذلك
4. توزيع مهام الدفاع و الصد للعدوان لامركزيا مع الدعم و الاسناد المادي و المعنوي من باقي مكونات المجتمع والمجتمعات المتحالفة والصديقة.
من الواضح ان استراتيجية البقاء هذه لعبت دورا اساسيا لاستمرار بقاء شعب البجة بخصائصه الاجتماعية والثقافية في معظم اوطانهم الاصلية رغم ان هذه المنطقة المتميزة الموقع شهدت الكثير من التحولات التي احدثت الكثير من التغييرات .
الانسان لديه القدرة علي التغير ويرغب في ذلك والا لكنا مازلنا في العصور الحجرية...التغيير يبدا باطلاق القوة الكامنة في الانسان وهي الفطرة و الكرامة و العقل وهي خصائص ميزنا بها الله سبحانه وتعالي نحن البشر . مداخل هكذا تغيير تبدأ يالدعوة والحوار و تمليك المعلومة بشفافية ومسئولية وبالاقناع واحترام معارفه و خبراته وبناء قدراته وتدريبه واعتبار البيئة المحيطة به وايضاح النموذج واستنهاض هممه وتعبئة الجهود و التواصل معه باستمرار
التنمية هي المصطلح الذي يطلق علي عملية التغيير التي تستهدف المجتمعات البشرية لتحقيق مستويات اقتصادية و اجتماعية و ثقافية افضل و تلبي تطلعاتهم وتحقق رغباتهم باستغلال الموارد المادية و المعنوية المتاحة . يتوقع ان ينتج من هكذا تغيير تغيير في المفاهيم و السلوك و الممارسات. يري كثير من العلماء و المفكرون , وهي رؤي مدعمة بافكار ومقرونة بتجارب ووقائع و حيثيات وليست تنظير بحت , ان التنمية تتطلب وجود محفز داخلي ينبع من المجتمعات نفسها .يعني مثلا تطور طبيعي لظهور افكار اومصلحين او قيادات محلية تتصف بالصدق و المصداقية و الاخلاص او حتي الانفتاح علي الاخر وهؤلاء ينتمون الي المدرسة التي تنادي بالمناهج التنموية التي تبدا من القاعدة الي القمة (bottom-down approach) كما توجد مدرسة اخري تعول علي التنمية الفوقية (top-bottom approach التي تفترض ان المجتمعات المحلية متخلفة ولا بد من فرض التغيير رغم انفها وهذه المدرسة تجاوزها الفكر الانساني المعاصر وعلي اية حال ولكي تكون التنمية مستدامة عليها ان تكون ديمقراطية وتشاركية ,اي تكون بمشاركة المستهدفين في التخطيط والتنفيذ ومؤسساتية بمعني ان تكون متكاملة ووفق استراتيجيات وسياسات ذات مصداقية وواقعية و المؤسسات يجب ان تكون محترمة و لا تشيبها شائبة.
لا يمكن لجهود التنمية ان تقتصر علي التعامل مع الجوانب الفنية و الافتصادية لان نجاحها لا يتم بمعزل عن الابعاد الثقافية و الاجتماعية .تعزيز جهود التنمية يتطلب وضع التطور التنموي في اطاره الاجتماعي لان اهداف التنمية اقتصادية واجتماعية . فمن الناحية الفنية ينظر للتنمية علي انها تعني زيادة انتشار المعرفة العلمية وتعديل اساليب الانتاج علي ضوءها لتحقيق مكاسب اقتصادية.
ومن الناحية الاجتماعية ينظر للتنمية علي انها نوعا من التغيير في عناصر التنظيم المجتمعي و الثقافي و السلوك الفردي . من الناحية العملية فرص النجاح في تحقيق التنمية الاجتماعية اضعف من مثيلتها في الجوانب الفنية ولكن استدامة التنمية تتوقف علي مدي التقدم في الجوانب الاجتماعية وخاصة في مجالات دور و مكانة افراد المجتمع و المعايير والقيم و المؤسسات الاقتصادية و السياسية.ولذا عند اعداد البرامج التنموية يجب البحث عن السمات الرئيسية للمجتمعات و الثقافات ذات العلافة بالتنمية لتحديد العوامل الاجتماعية و الثقافية التي تشكل حوافز للتنمية وتدفع عملية التغيير وتحييد معوقات التغيير مثل غياب المؤسسية والفساد المالي و الاداري ويستحسن البحث عن سبل اضعاف المقاومة للتغيير و التي تختلف من مجتمع لاخر واثر التطور التنموي علي توزيع الدخل وعدالة التنمية
لا اريد الغوص في اعماق التاريخ لرصد التحولا ت والمحاولات التنموية ومستوي التغيير الذي حدث للمجتمع البجاوي عبر السنين فهذا مجال لا تتوفر لي مقوماته ولكن فلنطل اطلالة سريعة علي ما نحن شهود عليه من خمسينات القرن الماضي ولتاريخ اليوم . نحن شهود وشهادتنا هي جهد المقل ولا يأبي شاهد ان يشهد كما يامرنا المولي عز وجل املا ان لا تكون شهادة مجروحة .
فتحت عيوننا علي الشرق كمنطقة جاذبة وغالبية السكان كانوا ليسوا باغنياء ولكن كانوا يملكون ملاذات اقتصادية امنة . صحيح ان التنمية التي انتظمت منطقتهم لم يستشاروا فيها ولم يكونوا المستهدفين الاساسين وهي كانت فوقية بامتياز الا انها شكلت لهم ملاذات اعاشية امنة . مشروعي القاش وطوكر ظلا يرفدان السكان بالمحاصيل الغذائية والنقدية و المراعي لم تكن كافية ولكن كانت هنالك صيانة راتبة و الثروة الحيوانية تجد الرعاية والعناية وبدون مقابل وثمة مصانع مثل مصنع الكرتون باروما ومصنع البصل وتعليب الفاكهة بكسلا وهنالك فرص عمل في ميناء بورتسودان وفي مشروع خشم القربة الذي تم انشائه للتو وفرص عمل اخري في الزراعة الالية في القضارف وجنوب كسلا ووسائل نقل متمثلة في السكك الحديدية بما فيها من تسيير رخلات محلية (محلي كريمة ومحلي هيا) واسواق للمحاصيل وللماشية ومطامير لم يتمكن اصحابها من اخفائها من العين....وفي المجال التعليمي قاد صندوق تعليم البجة مبادرات لالحاق اابناء البجة الغير متحمسين بالمدارس. لم تكن الناس راضية كل الرضا .كان هنالك همس يخفت ويعلو حول المكاسب والخسائر ومقارنات وتحليلات وتبريرات وايضا امل ودعوة للصبر والسعي والاجتهاد .
مع مرور الايام والسنين وضح جليا ان هذه التنمية لم تكن تستهدف انسان المنطقة .كانت من نوع التنمية الفوقية .فمشروعي القاش وطوكر انشاهم الانجليز لمد مصانعه بالقطن واجبر المواطنين علي نوعية استخدام للارض تحقق اهدافه . حقق اهدافه و رحل ولان الحكومات الوطنية كانت تفتقر لاستراتيجية تنموية ظلت تعيد انتاج الازمة وترمم في بنيان لا تعرف كيف تم ارساء دعائمه كما ان التوسع في الزراعة الالية و البستانية و القطع الجائر للغابات وتردي المراعي التقليدية افقد السكان المحليين المجال الحيوي للمراعي الطبيعية وبدون تعويض او توفير البديل المناسب او حتي الاقرار بالحقوق التنموية.
ازدادت حدة التحولات في المنطقة فبالاضافة الي التغييرات المناخية ازدادت الهجرات السكانية من الداخل السوداني ومن الجوار الخارجي واشتدت المنافسة علي الفرص الموجودة و المتناقصة باستمرار بالاضافة الي عزوف البجة عن الاستفادة من الفرص المتاحة في الداخل السوداني وفي المهاجر ...
كل هذه العوامل والتي الخصها في :
1. الخصائص الاجتماعية و الثقافية للسكان المحليين التي افرزتها استراتيحية البقاء والتي رغم نجاحات التاريخية في الحفاظ علي شعب البجة ورغم يقيني انها من اصعب العوامل واكثرها تعقيدا الا انها تحتاج ,لا نقول المراجعة, ولكن اعادة قراءة للتكيف علي الاقل مع الظروف الاستثنائية الماثلة اليوم
2. غياب المحفز الداخلي للتغيير والذي تجسد في غياب القوي الاجتماعية و السياسية والقيادات المحلية الواعية المتمتعة بالاجماع او حتي القبول او المصداقية مما افرز حالة من التشرزم و العداوات المحلية المتربصة ببعضها وهذه حالة لا ينفع فيها الا التعويل علي الشباب والنخب التي نالت قدرا من الانفتاح والتعليم مع ضرورة تقدير الجهود التي ينؤء بثقلها القلائل من الشيوخ الذين ابلوا بلاءا لا يستهان به
3. غياب استراتيجية قومية شفافة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية مناصرة للسكان المحليين تاخذ في اعتبارها خصائص هذه المجتمعات وحقوقهم المشروعة
4. التحولات المستمرة سواء كانت نتيجة للعوامل الطبيعية المتمثلة في الجفاف و التصحر او الكوارث التي من صنع الانسان كالحروب واللجوء والنزوح
تضافرت لتكريس حالة الفقر و المرض والجهل والذي اشتهر بالثالوث المقيت انه يتفاقم وبسرعة للايقاع بنا في هاوية الاحباط و الانقراض ما لم يتم اعتراف بحجم المشكلة وتعبئة الجهود للتعامل معها.
والامر لله من قبل ومن بعد


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 825

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




احمد الحسن اوشيك
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة