المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. حيدر إبراهيم علي
المجتمع المدني العربي: هل هو قادر على المقاومة ؟ (2-2)..اا
المجتمع المدني العربي: هل هو قادر على المقاومة ؟ (2-2)..اا
08-31-2010 01:58 PM

رأي !

د. حيدر إبراهيم علي

المجتمع المدني العربي: هل هو قادر على المقاومة ؟ (2-2)

في الاستقلالية والجماهيرية

يمكن أن تقاس قدرة المجتمع المدني على المقاومة بمدى استقلاليته وجماهيريته، والتوسع في الاخيرة يعني ايضاً الاهتمام بالديمقراطية الداخلية الخاصة به. وليس المقصود بالاستقلال الابتعاد عن الدولة فقط، بل يمتد ذلك ليشمل العلاقة مع الخارج. ونستطيع أن نقول بان المجتمع المدني العربي جاء نتيجة الضغوط او التأثيرات الخارجية على الدول والمواطنين ايضاً ،أكثر من كونه نتيجة حاجة داخلية.والمقصود بهذا ليس تغييب العامل الداخلي ولكن وضعه في حجمه الطبيعي. وكان ضعف الاستقلالية والجماهيرية من أهم نتائج النشأة غير الأصيلة وضعف القدرة على تبيئة المجتمع المدني العربي فكرياً ونظرياً. وكان للاعتماد على الخارج أثره الواضح على فعاليته وقدرته على الصدام والمواجهة من نواح عديدة.
كانت قضايا التحول الديمقراطي وانتهاكات حقوق الانسان، هي الاكثر الحاحاً وسخونة، واكتسبت الأولوية والاهتمام. وجاءت الاحتجاجات والادانات من الخارج اساساً - كما ذكرنا قبل قليل - من منظمات اجنبية مثل منظمة العفو الدولية او مرصد الشرق الاوسط لحقوق الانسان او الاتحاد الدولي للمحامين.. الخ. فالنظم العربية الحاكمة التي لا تحترم شعوبها تتجاهل كل الاحتجاجات الآتية من المنظمات والشخصيات المحلية، ولكنها تنزعج لاي بيان او كلمة تصدر من الغرب. ولذلك، دخلت منظمات المجتمع المدني العربي في علاقة متينة مع المنظمات الغربية جعلتها تبدو وكأنها تابعة. وبسبب الضعف الفكري والنظري للمنظمات العربية لم تستطع الدفاع عن نفسها باعتبار ان هذه علاقات تضامن دولي وانساني عرفتها البشرية باستمرار. وقد استفادت حركات التحرر الوطني في نضالها ضد الاستعمار حتى نالت استقلالها بدعم مقدر من غربيين تقدميين ويساريين وانسانيين،وقفوا ضد حكوماتهم المستعمرة (بكسر العين). ويضاف الى ذلك ان قضايا حقوق الانسان واضطهاد الأقليات الإثنية او الدينية، لم تعد شؤونا داخلية يعتبر الحديث عنها مساساً بالسيادة الوطنية،خاصة بعد أن وقعت غالبية الدول العربية على المواثيق والصكوك الدولية،وان كان بسبب المجاراة فقط في احيان كثيرة.
وتستغل النظم العربية الحاكمة مسألة التمويل الاجنبي في اضعاف منظمات المجتمع المدني، والتشكيك في وطنيتها،وتشويه سمعتها. وكثيراً ما تجد أغلب هذه المنظمات نفسها في معضلة وتعجز عن تسبيب او تبرير هذه العلاقة في عملية التمويل. وقد توجد شبهة في بعض الحالات،ويمكن ان تنعدم الشفافية في منظمات معينة،الا انه يصعب التعميم.ولكن النظم السياسية،والتي يعتمد بعضها على المعونة الاجنبية ،بالذات في الغذاء،تتعمد التعميم وتوظفه لتهيل التراب على مجمل المجتمع المدني.وهي تسعى لكي تجعل المجتمع المدني معادلا للاجنبي،وهذه احدى آليات حربها مع المجتمع المدني. وهنا يبرز أثر ظاهرة غياب النظرية والفكر على الممارسة، فالناشطون العرب لم يحاولوا في كثير من الاحيان الوصول الى تسبيب أو حتى تبرير لهذه العلاقة ضمن اطار فكري واضح.ولكنهم اكتفوا بالصمت أو المهاترة مما قد يدعم الاتهامات.مع أنه يمكن اعتبار عملية التمويل الاجنبي شكلا من اشكال عملية شراكة لا تخلو من ندية،أو نوعا من التعاون والتضامن الدوليين. فهناك قضايا ذات اهتمام مشترك بين المانح والمتلقي، وهنا تكون العلاقة بلا شروط مسبقة ولا توجد أجندة مفروضة خفية.ولابد من الاشارة الى أن هناك ،ما يمكن تسميته:المجتمع المدني العالمي في طور التشكل،ويتجلى في اللقاءات الجامعة التي عقدت في السنوات الاخيرة في كثير من عواصم ومدن العالم الثالث. ولكن في كثير من الاحوال تخضع منظمات المجتمع المدني للاتهامات والابتزازات الرسمية وتعجز عن الرد ، وبالتالي تتنازل عن دور المواجهة والمقاومة في التعامل مع الدولة غير الديمقراطية،ويرجع ذلك الى غياب الرؤية والنظرية.
وهذا يعني ضرورة ان تحقق منظمات المجتمع المدني قدراً من الاستقلالية الاقتصادية بالاضافة لتحديد أسس واضحة وشفافة في التعامل مع التمويل الاجنبي. ولابد من التخلص من عقلية اليد العليا واليد السفلى في التعامل مع الآخر، وضرورة تأكيد فكرة وجود مجتمع مدني عالمي يتشكل، ونحن في العالم العربي جزء من هذه العالمية. وتقوم العلاقة في هذه الوضعية الجديدة على التضامن والمساندة والتناقض والاتفاق وتبادل الخبرات، وذلك في اتجاه رؤية اكثر انسانية للعولمة بعيداً عن السيطرة والهيمنة.ولكن هناك قضية في غاية الاهمية،وهي غياب دور الرأسمالية الوطنية أو القطاع الخاص الوطني في دعم المجتمع المدني المحلي وجعله قوة قادرة علي الدفاع عن الرأسمالية الوطنية أو القطاع الخاص في وجه الدولة.وهنا لابد من التنويه بأن البورجوازية الكبيرة العربية ذات طابع طفيلي في تكوين رأسمالها وكثيرا ما تعتمد على التسهيلات التي تقدمها لها الدولة،وعلي العمولات،وعطاءات القطاع العام والحكومة.لذلك من الصعب أن تنحازهذه الفئات الغنية الي المجتمع المدني وأن تقوم بدعمه وتمويله منعا لعلاقته مع الخارج.
تكمن مشكلة المجتمع المدني الثانية في قدرته على التأثير الجماهيري الواسع وهذه من الشروط الاولية لاداء اي دور مقاوم او تغييري. ويبرز سؤال حجم ونوعية القوى الاجتماعية التي تقود عملية تطوير المجتمع المدني العربي.وهناك من يرى أن يبقى المجتمع المدني مجرد طليعة أونخبة مؤثرة فقط،باعتبار أنه مجموعات ضغط لا تحتاج للتوسع الجماهيري.وهناك من يري بأن المجتمع المدني ،رغم أنه ليس بديلا للاحزاب ولا منافسا ولكن يمكن أن يعمل كمكمل لدورها،خاصة في حالة ضعفها وابتعادها عن العمل المباشر بسبب ظروف النشاط في ظل النظم الشمولية.وفي هذه الحالة،يحتاج المجتمع المدني الى قدر من الانتشار الجماهيري على الاقل بشكل تمثيلي أي أن يكون اعضاؤه موجودين ومنتشرين في كل انحاء البلاد . وما يحتاجه المجتمع المدني العربي حقيقة هو القبول والثقة وسط قطاعات واسعة من الجماهير ،وهذا قد يأتي من الاتصال المباشر أو من المعرفة غير المباشرة لنشاطات مؤسسات المجتمع المدني.
وتنطلق هذه الورقة، في بعض جوانبها، من افتراض يحاول تحليل اشكالية الحداثة والتقليدية عند مناقشة دور ووظيفة ثم جماهيرية المجتمع المدني. اذ تعتبر مؤسسات المجتمع المدني تجسيداً لعلاقات وبني حديثة تقوم على الاختيار والاجتماع الطوعي خلافاً للعلاقات التقليدية مثل الروابط الاسرية والعشائرية والقبلية. والاخيرة هي في الأصل علاقات موروثة وليست مكتسبة، كما انها بسيطة وليست مركبة بل تقوم على افراد يعرفون بعضهم شخصياً نتيجة لعلاقة المواجهة (اي الوجه لوجه). ونتيجة لهذا الاختلاف يستبعد بعض الباحثين التشكيلات التقليدية من المجتمع المدني. ويربط (الجابري) بين المدينة ونشأة المجتمع المدني، والذي يعرفه بقوله:-».. فإن هناك واقعة أساسية وبديهية لا يمكن ان تكون موضع خلاف، وهي ان المجتمع المدني هو، أولاً وقبل كل شئ، مجتمع المدن، وان مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فهي إذن مؤسسات ارادية أو شبه ارادية يقيمها الناس بحرية وينخرطون فيها اويحلونها أو ينسحبون منها، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي القروي، والتي تتميزبكونها مؤسسات «طبيعية»، يولد الفرد منتمياً اليها مندمجا فيها،لا يستطيع الانسحاب منها، مثل القبيلة والطائفة». ويؤكد على ان البحث في حضور او غياب مؤسسات المجتمع المدني في اي قطر، لابد ان ينطلق من التساؤل حول وضعية المدن:-» هل هي التي تهيمن على المجتمع باقتصادها وثقافتها وسلوكياتها ومؤسساتها أم أن المجتمع البدوي القروي هو السائد، وتقاليده وسلوكياته وقيمه وفكره ؟»(5)
لا يمكن الاختلاف حول ضرورة المدينة كشرط لقيام المجتمع المدني، ولكن بسبب تباين دور المدينة في الغرب والذي جاء نتيجة للقضاء على الاقطاع الاوروبي، بينما مدينة العالم العربي «مصطنعة» فهي ،في حقيقتها، امتداد وتراكم للريف. لذلك، كان من الطبيعي ان تتسبب مدينية أو حضرية المجتمع المدني العربي المختلفة هذه ،في بروز ظواهر سلبية ومشكلات بنيوية. وقد تمثلت بعض هذه الظواهر والمشكلات ، في نخبوية وصفوية المجتمع المدني في العالم العربي. فمن ناحية، يمكن أن نسلم بان النخب الحديثة المدينية او الحضرية تمتاز بانها مؤهلة لتنظيم نفسها في مؤسسات حديثة تكون المجتمع المدني بسبب قدراتها السياسية والاقتصادية والفكرية، وسط مجتمعات فقيرة وشبه أمية. فهذه النخب تجد نفسها في وضعية مريحة نسبياً، وبالتالي تجد الوقت والاهتمام والمزاج للعمل في مجالات فكرية وسياسية تراها الاغلبية المسحوقة او المهمشة، ترفاً، لذلك تنفرد النخب بهذا الامتياز. ومن الناحية الاخرى، فقد تسببت هذه الوضعية في اضعاف دور منظمات المجتمع المدني، وقللت من فعاليتها وسط فئات اجتماعية واسعة، واصبحت منظمات معزولة. وسيطرت جماعات قليلة وصغيرة، ولكنها دينامية ومتجانسة على المجتمع المدني العربي. وتحولت الى شلل متضامنة او بطانة تعيد انتاج نفسها دون ان تشع وتؤثر في الحياة العامة. واقتصرت هذه المجموعات على قيادات وكوادر من تكنوقراط ومثقفين ويساريين سابقين، يتميزون باجادة اللغات الاجنبية والقدرة على بناء علاقات عامة جيدة. وكانت النتيجة عزلة المجتمع المدني واختزال نشاطه في قضايا غير جماهيرية، الا اذا استثنينا مجال حقوق الانسان، وبالتالي حرم نفسه من امكانات المقاومة والنضال .لانه اختار الابتعاد عن قواعد هي ذات مصلحة حقيقية في وجود المجتمع المدني. وقد يرجع هذا العيب والخلل الى غياب النظرية ايضا، وبالتالي عدم امتلاك رؤية شاملة ومتكاملة لشكل ووظيفة المجتمع المدني. وكانت النتيجة نظرة جزئية ونشاط جزئي وجماهير قليلة. ويعلق احد الباحثين بقوله:- « وتنعكس جزئية الاهتمام في جزئية العضوية ايضاً، وفي تجانس تركيب هذه المنظمات وعدم شعبيتها وعدم شمولها لقطاعات من المواطنين ذوي الأصول المتباينة والاهتمامات المتباينة، ولذلك ايضاً يغلب الصدام فيما بينها على الصراع داخلها. «(6)
في ديمقراطية المجتمع المدني
تقود الافكار السابقة، عن نخبوية المجتمع المدني وانحساره ضمن المدينة والحواضر فقط ، الى سؤال الديمقراطية الداخلية اولاً. فقد كان واضحاً وبدهياً، ان أول وأهم اشكال المقاومة التي يمكن ان يمارسها المجتمع المدني - كما اسلفنا - هي مواجهة النظم الشمولية والدكتاتورية والفردية. وهنا يبادر الكثيرون الى طرح تساؤل جوهري وهو: الى اي مدى تمارس منظمات المجتمع المدني نفسها الديمقراطية التي تدعو اليها في تسيير شؤونها مثل عملية اختيار العضوية، وممارسة النقد الذاتي، وفي التسامح وقبول الآخر ؟ وهل تصلح منظمات المجتمع المدني كنماذج جيدة للديمقراطية التي تتغياها وتصبو اليها ؟ وهل يمكن ان تكون مؤسسات المجتمع المدني العربي منابر تدريب وتمرين على الديمقراطية ؟ ويفترض في هذه المؤسسات القدرة على نشر الوعي بالديمقراطية من خلال تعدد أدواتها وأنماط نشاطها المتعددة، مثل توزيع النشرات وطباعة الكتب والمجلات، وعقد المؤتمرات والندوات وورش العمل. كل هذا لمناقشة ما يدور حول الديمقراطية وحقوق الانسان. ويمكن للمنظمات ان تستخدم وسائل اكثر ابتكاراً مثل: السينما، والمسرح، والفنون التشكيلية للترويج لقيم ومبادئ الديمقراطية بين الفئات الاجتماعية المختلفة.
يمكن التعويل كثيراً على دور المجتمع المدني العربي في مقاومة الدكتاتورية بكل تجلياتها، ولكن هذا يعني التخلص من كل عيوبه الذاتية التي أشرنا اليها في هذه المقال. اذ نلاحظ انه رغم التزايد العددي في هذه المنظمات الا ان تأثيرها النوعي والكيفي ظل محدوداً، لانها بقيت نخبوية ومنغلقة على ذاتها. وعجزت منظمات المجتمع المدني عن ان تكون جاذبة ومقنعة للفئات التي تدعي انها قامت من أجلها. ومن المفارقات ان الاحزاب السياسية في كثير من الأحوال، تنظر بتوجس وسوء نية لمنظمات المجتمع المدني، باعتبارها منافسة لها وترغب في انتزاع دورها السياسي وتعمل على الغائها تماماً، وان تحل مكانها. ويعود الظن، غالباً، الى كثرة النقد الذي يوجهه بعض الناشطين في المجتمع المدني للاحزاب السياسية. فالاحزاب في حقيقة الأمر، اصبحت شائخة وضعيفة وغير ديمقراطية، وتكاد تكون موسمية أي تنشط فقط اثناء حملات الانتخابات. وبالتأكيد، هناك عيوب كثيرة وسلبيات معوقة للاداء الحزبي، وكان من المفترض ان تبادر الاحزاب نفسها بممارسة النقد الذاتي، واعتقد انها كانت ستقول نفس العيوب التي تعددها منظمات المجتمع المدني. وهناك مطالبة متزايدة بالاصلاح الحزبي بقصد ممارسة الديمقراطية في اختيار القيادات، وتجديد البرامج، وعقد المؤتمرات بانتظام.. الخ. وفي كل الاحوال، لابد من تعاون الاحزاب السياسية والمجتمع المدني في معركة التحول الديمقراطي. ومن الخطأ رفض تسييس المجتمع المدني، لأن السياسية ممارسة حياتية يومية، اذ من الممكن رفض التحزيب او الحزبنة للمجتمع المدني ودمجه في الاجهزة الحزبية وليس رفض التسييس. وفي هذه الحالة يمكن للمجتمع المدني ان يؤدي مهامه في استنهاض الجماهير ثم في المقاومة، بكفاءة اكثر.
ومن سخرية التاريخ العربي، انه مع تزايد الحديث عن المجتمع المدني، زادت توجهات الابتعاد عن السياسية ومال الكثيرون الى نوع من الهروبية والانسحابية من الحياة العامة. ومع صعود التيار الديني منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، اتجهت الجماعات الدينية الى السيطرة على النقابات والاتحادات، رغم عدم ايمانها بفلسفة المجتمع المدني ذات الاصول الغربية. وترى هذه الجماعات في سيطرتها على النقابات وسيلة لمواجهة السلطة السياسية حالياً، ثم خطوة في سبيل الوصول الى السلطة السياسة، أو ما تسميه « التمكين»، في نهاية الأمر. وغالباً ما تهتم النقابات التي يسيطر عليها الاسلامويون بقضايا التضامن الاسلامي الأممي، مثل افغانستان أو الشيشان على حساب القضايا المطلبية أو حتى الوطنية ،الا في في حالات شعورهم بضرورة التضييق على النظام الحاكم في بلادهم. ولكن في نفس الوقت هناك قطاعات عريضة في المجتمعات العربية ، متدينة وزاهدة في مثل هذا النشاط . ووجدت هذه الفئات، مجتمعها المدني في الطرق الصوفية المتكاثرة أو الوهابية وأنصار السنة مثلاً. وقد كان لهجرة العمل في بلدان محافظة ومنغلقة، أثرها في انشغال الكثيرين بحياة استهلاكية ? آخروية غريبة في وقت واحد. وكأن الفرد يقسم نفسه الى نصفين: واحد في الدنيا والنصف الثاني في الآخرة.ويظهر نمط متناقض للحياة يتعايش فيه ترف واستهلاك مبالغ فيهما مع مظاهر تدين شكلي طاغية في الحياة اليومية. وكأن انسان مرحلة المد الديني،قد عدّل القول المأثور:- « أعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا «، الى:-» وأعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً، واعمل لآخرتك كأنك لن تموت ابداً.» والمحصلة النهائية هي الانسحاب واللامبالاة وعدم الانشغال بالقضايا العامة التي يعمل عليها المجتمع المدني. ويلاحظ ذلك في نسب المشاركة في انتخابات منظمات المجتمع المدني او حتى الانتخابات البرلمانية.وقد فطنت النظم الحاكمة الى دور منظمات المجتمع المدني، لذلك، رغم كل مواقفها السلبية والمخربة تجاه المجتمع المدني.فقد شرعت الدولة والاحزاب الرسمية على اغراق المجتمع المدني بمنظمات كارتونية وخاوية المضمون، من خلال تكوين منظمات حكومية غير حكومية ! ان صح الوصف. ويضاف الى ذلك سيطرة الدولة على اتحادات العمال والمهنيين والمزراعين، وفي بعض الدول حتى على اتحادات الكتاب والادباء والفنانين. وهناك اختراق واضح لمنظمات المجتمع المدني العربي من قبل الدولة، مما اقعد المجتمع المدني عن اداء دوره المقاوم. وتحتفظ أجهزة الدولة بترسانة من القوانين والاجراءات البيروقراطية تستخدمها عند اللزوم لتعطيل نشاطات المجتمع المدني.
ومن خصوصية المجتمع المدني العربي خلافاً للغربي، فهو لا يواجه ويصادم الدولة فقط، فهناك المؤسسة الدينية بسلطتها المعنوية القوية. وقدهددت المؤسسة الدينية ممثلة في الازهر، والمجامع الفقهية،وهيئات العلماء،وبعض الشخصيات النافذة والمؤثرة دينيا؛ في احوال كثيرة حرية التعبير والرأي والعقيدة نيابة عن الدولة، واحياناً قد تتوسط الدولة خشية منافسة المتدينين وزيادة نفوذهم.اذ استخدمت مجموعات الضغط الدينية هذه سلاح التكفير والردة في ارهاب وابتزاز الكتاب والفنانين والمبدعين عموما.وقامت بمنع الكتب وايقاف الافلام والمسلسلات،والغاء الحفلات الغنائية أو المسرحيات.ولا تدخل الدولة في مواجهة مباشرة بل قد تتدخل في بعض الاحيان كوسيط!وهذا شرخ عظيم في المجتمعات العربية،اذ يجد المجتمع المدني نفسه في احيان كثيرة في صراع مع الدولة ومع قطاع كبير من المجتمع كان يفترض أن يكون جزءً منه.
ومن السلبيات غير المنطقية التي يعانيها المجتمع المدني العربي،هي أن قيم العمل الطوعي تراجعت مع النمو العددي لمنظمات المجتمع المدني،ومع تزايد النقاش حول مضمونه وفلسفته واشكاله.ويكاد سلوك بعض الناشطين والمتعاونين يهزم جوهر الفكرة،فهذه المنظمات تقدم نفسها في ديباجة تعريفها لنفسها،بانها:-»جمعية طوعية غير ربحية أو لا تسعى للربح.»ولكن في الواقع،لم يعد من الممكن أن يلقي العاملون في هذا المجال المحاضرات أو يعقدوا ورش العمل،أو يقوموا بالتدريب،بدون أجر أو مكافأة.وصار الناشطون يتوقعون دائما ان نشاطاً أو عملاً له صلة بالمجتمع المدني لابد ان يكون ممولا.والمتتبع لنشؤ النقابات والاتحادات والجمعيات في حقبة صعود الحركة الوطنية وعقب الاستقلال،يجد ان الرواد الاوئل كانوا يدفعون من مالهم الخاص،ويعطون وقتهم وجهدهم،وقد يصل الامر بهم الي التضحية بحريتهم فقد كانوا معرضين للسجن والاعتقال.ويمكن القول ان المؤسسات الداعمة لمنظمات المجتمع المدني العربي قد أفسدت روح وقيم التطوع،وأضرت بثقافة التطوع،دون قصد.ورغم الحديث عن أن ثقافة التطوع هي من صميم تعاليم ديننا،وجزء من عاداتنا وتقاليدنا؛ولكننا لا نجد ذلك علي ارض الواقع.فعلي سبيل المثال، نلاحظ ان أغلب منظمات العمل الانساني الطوعي العاملة في دارفور مثلا،لم ترسلها دول أو مجتمعات اسلامية أو عربية.ومنظمة مثل: «أطباء بلا حدود» ليس لها أي مقابل عربي أو اسلامي.وباختصار،هناك تراجع واضح في ثقافة التطوع رغم الضجيج حول المجتمع المدني.
خـــاتمة
شغلت فكرة المجتمع المدني الناس كثيرا في المنطقة العربية، في السنوات الاخيرة. ولكن يبدو ان الوهم والمتخيل المجتمع المدني، اكبر من الواقع والمتحقق. ويعود ذلك في ظني، الى كونه موضوعاً تكفل به المثقفون وهم ذو قدرة على الانتشار اكبر من حقيقتهم. قد حاول هذا المقال ابراز صفوية ونخبوية وعزلة وتردد المجتمع المدني. ورغم ظروف الأزمة والتدهور التي تعيشها المجتمعات العربية، الا ان المجتمع المدني لم يتقدم كطليعة لقيادة عملية مقاومة الدكتاتورية والتخلف والتبعية والهيمنة الجديدة. وظل في موقف الدفاع تجاه الدولة ومؤسسات أخرى. تركت مظاهر ضعفه الفكري اثراً واضحاً على قدرته على حل بعض التناقضات في تكوينه وحركته. اذ مازال يوجد تناقض مفتعل بين ان تكون داعية للديمقراطية وفي نفس الوقت معادياً ومقاوماً للامبريالية ممثلة تحديداً في هيمنة الولايات المتحدة الامريكية. فقد تم بيع الفكرة القائلة:-» ان تكون ناشطاً في الدعوة للديمقراطية وحقوق الانسان، فأنت بالضرورة موالٍ للغرب وحليفا للولايات المتحدة الامريكية.» واثناء بدايات التدخل في العراق، كان من المستحيل ان يتخذ المرء موقفا مضادا لنظام صدام الدكتاتوري وضد التدخل الامريكي في نفس الوقت.وبسبب حالات شك فردية طالت بعض النشطاء المشهورين،أصبح كل المجتمع المدني العربي هدفا للشك والريبة.
هذا مجرد مثال لغياب الوضوح الفكري والموقف المبدئي لدى الناشطين في المجتمع المدني، وبالتالي اضاعوا فرصة قيادة الجماهير، وبالذات في الفترة الاخيرة حيث تزايدت مد الاحتجاج الشعبي. فقد رصد احد الباحثين حركات الاحتجاج الشعبي في مصر خلال العامين الماضيين. اذ يقدر ان العام 2007 شهد قرابة ألف من الحركات الاحتجاجية منها 400 على صورة اعتصامات واضرابات عمالية، أهمها اضراب عمال غزل المحلة.(7) وتكرر نفس المشهد في السودان والمغرب وغيرها من الدول العربية، ولكن منظمات المجتمع المدني كانت بعيدة عن كل ذلك، فقد بقيت تحركات عفوية وغير منظمة وانتهت سريعاً.
وهكذا يلاحظ ان منظمات المجتمع المدني تكاد تكون قد قبلت بدورها المحدود، واكتفى قادتها بالمكانة الاجتماعية والوجاهة بلا تضحيات كبيرة، لكي يصبحوا من مكونات الأزمة المستفحلة.فقد كان من المتوقع ان يمثل المجتمع المدني العربي أحدي وسائل الخلاص والحل والخروج من النفق المظلم الذي دخله العرب منذ هزيمة حزيران/يونيو1967 وافقدتهم أي بوصلة سياسية أو فكرية واضحة.وباشر العرب عملية التجربة والخطأ في تلمس طريق الخروج وكان المجتمع المدني احدي هذه التجارب.وأصبح التحدي الآن:كيف يجدد المجتمع المدني ذاته ويدرك اخطاءه ومظاهر قصوره؟ ولكن المسألة تبدو صعبة لان المجتمع المدني العربي استطاع في فترة قصيرة أن يرسخ بعض المواقف والسلوكيات وصارت تبدو وكأنها تقاليد ومبادئ ثابتة في بنية المجتمع المدني.وهذا ما يصعّب محاولات الاصلاح،لان مثل هذه المهمة يجب أن تكون من الداخل،وبالتالي تأخذ شكل «الحرب الاهلية» بين النشطاء أنفسهم.وفي هذه الحالة سوف تتناقص اعداد النشطاء ،والذين هم اصلا قلة ونخبة.فهل وصل المجتمع المدني العربي نهايته بهذه السرعة،وباخت «المودة» وهي في مهدها؟
المـــراجع
(1) أماني قنديل :مؤسسات المجتمع المدني - قياس الفاعلية ودراسة حالات .القاهرة،مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية،2005،ص26-27،
(2) حسنين توفيق ابراهيم - بناء المجتمع المدني - المؤشرات الكمية والكيفية، في كتاب: ندوة المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، بيروت/مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ص705.
(3) علي الكنز،المجتمع المدني في البلدان المغاربية - بعض التساؤلات،في كتاب:وعي المجتمع بذاته - عن المجتمع المدني في المغرب العربي،اعداد عبدالله حمودي،الدار البيضاء،دار توبقال،1998،ص:29 و36-37.
(4) August Richard Norton. The Future of Civil Society in the Middle East, in:- Middle East Journal, Spring 1993, vol. 47,#2,p.215.
(5) محمد عابد الجابري: المجتمع المدني -? تساؤلات وآفاق، في كتاب: وعي المجتمع بذاته - عن المجتمع المدني في المغرب العربي، إعداد: عبدالله حمودي،مر ذكره ، ص45.
(6) عزمي بشارة، المجتمع المدني - دراسة نقدية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية 1998،. ص270.
(7) نادر فرجاني، في مغزى مد الاحتجاج الشعبي وفضله، صحيفة البديل المصرية، يوم 26 يوليو 2008.
٭ مركز الدراسات السودانية

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2012

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. حيدر إبراهيم علي
د. حيدر إبراهيم علي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة