المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هذه ليست أمر شكلية يا د. أمين
هذه ليست أمر شكلية يا د. أمين
03-05-2012 06:33 PM

هذه ليست أموراً شكلية يا د.أمين!

محمد التجاني عمر قش- الرياض
[email protected]

تحدث الدكتور أمين حسن عمر القيادي البارز بالمؤتمر الوطني في إحدى الندوات عن مطالبة بعض أعضاء الحركة الإسلامية بإصلاحات جذرية في دولاب الحكم والحزب قائلاً إن المطالبة بضبط الشارع العام وأزياء النساء تعد من الأمور الشكلية و المثالية التي ينادي بها بعض من يعتقدون وجوب تنزيل كل فكرة على أرض الواقع! وبحسب قوله فإن من المستحيل تطبيق كل تلك الأفكار عملياً. ولكن هل نسي الدكتور أمين أن الحركة الإسلامية عندما جاءت إلى السلطة كانت تمني الناس بأنها صاحبة مشروع حضاري؟ ومن أجل ذلك أنشأت وزارة كاملة للتخطيط الاجتماعي وأسندتها إلى الأستاذ علي عثمان محمد طه الرجل الثاني في الحركة آنذاك –قبل أن يظهر المؤتمر الوطني إلى حيز الوجود ـ و نشهد بأن تلك الوزارة قد قامت بدور عظيم في وقت كانت فيه العاصمة والمدن الكبرى تعاني من انفلات أخلاقي وصل إلى حد الفوضى ولكن بفضل البرامج العملية التي طرحتها استطاعت تلك الوزارة أن تُحي بعض الشعائر والسنن فانضبط الشارع والمظهر العام وتفاعل معها الناس عندما رأوا ثمار ذلك العمل القاصد ولكن سرعان ما تبدل الحال و"عادت حليمة لعادتها القديمة" وتبعاً لذلك ازدادت أعداد الأطفال في دار المايقوما و ظهرت تشوهات فظيعة في الشارع والحكم صارت حديث المدينة والمجالس.
وفي مقابل ذلك تحدث الأستاذ مهدي إبراهيم القيادي الإسلامي المعروف عن مظاهر سالبة تتمثل في التكالب على السلطة والمال والصراع المحموم على المواقع المتقدمة حتى صار الناس يطأ بعضهم رقاب بعض سعياً لتحقيق المكاسب الشخصية والجهوية؛ وأقر البروفسور عبد الرحيم علي بوجود فساد وتحدث الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد الأخ المسلم المخضرم عن الشيء نفسه وكل هذه شواهد على أن " المشروع الحضاري" قد تعرض لنكسة جراء ما كسبت أيدي الذين كانوا يدعون إليه ويتولون تنفيذه الآن؛ ولذلك تعالت أصوات كثيرة مطالبة بتصحيح الوضع والمسار.
إنّ هذا المشروع الحضاري، كما هو معلوم بالضرورة، ليس مجرد أيديولوجية وضعية يمكن تجريبها في بعض جوانبها والتنصل عن بعضها، إنما هو نابع من الحنيفية السمحاء التي تعني ببساطة الإقبال على الحق والابتعاد عن الباطل، دون مثالية أو تفريط أو غلو، وهي تربط الأرض بالسماء والكون بخالقه وتنظم شئون الحياة الإنسانية من دخول الخلاء و أدب الفراش حتى نظام الحكم والقضاء والسياسية والاقتصاد والمعاملات والفكر والتربية ، وإن شئت فقل كل جوانب الحراك البشري الذي يعنى بإصلاح الفرد والمجتمع دونما تزمت أو تكليف للعباد بما لا يطيقون. وهي بالتالي لا تقتصر على المظهر دون الجوهر ولا العكس بل هي منهج متكامل و متوازن و مجرّب ومن أهم ميزاته أنه يصلح لكل زمان و مكان ويتجدد فهمه من وقت لآخر دون خروج عن الأصل الذي تسنده الشريعة الربانية بمصدريها الأساسيين الكتاب والسنة. ولهذا فإننا نقول بأن ضبط الشارع و المظهر العام للرجال والنساء ليس من الشكليات بل هي من صلب هذا المشروع ولو تنازلنا عن ذلك ستحدث ثلمة في الدين يصعب سدها لأنها ستكون باباً تدخل منه ريح غير مواتية وتكون بداية لأمور كثيرة قد تأتي من بعدها؛ ولهذا يتحدّث الفقهاء عن سد الذرائع منعاً لمثل هذه الانحرافات.
إنّ تجربة حكم الإسلاميين في السودان كان من المؤمل أن تكون سابقة يقتدي بها الناس في الدول الإسلامية ولكن للأسف شابها كثيرٌ من أوجه القصور نتيجة لعدم توفر الكوادر المخلصة وابتعادها في كثير من النواحي عن التخطيط السليم و احتكار السلطة من قبل فئة معينة ولغ بعضٌ منهم في المال العام ومارسوا الفساد بكل أشكاله سياسياً كان أم مالياً إن لم نقل أخلاقياً و انحرفوا عن مبادئ الحركة الإسلامية أو المشروع الحضاري وانصرفوا إلى ممارسات لم تعد تخفى على مراقب وهم بذلك قد عرّضوا المشروع الذي يتحدثون عنه إلى انتقادات أبعدت عنهم عدداً ليس بقليل من الذين هربوا بدينهم وآثروا الصمت والبقاء على الرصيف؛ وهذا أيضاً موقف سلبي قد أضر بالتجربة و أضعفها إذ كان من المفترض ألا يسكت أحد عن قول الحق والنصح مهما كانت الدوافع والمبررات. وقد مر على الناس وقت كان فيه مثل هذا الحديث نوعاً من الخروج على الجماعة ولذلك انعدمت الشورى والنصح وانفرد بعض المنتفعين بأزمّة الأمور حتى وصل الوضع إلى ما نحن عليه الآن.
وإذ اعتبرنا المظهر من الشكليات فماذا عن الفساد الذي تحدث عنه هؤلاء حتى أقامت له الإنقاذ مفوضية كاملة و هي الآن تحقق مع كبار الذين امتدت أياديهم للمال العام وكانوا حتى وقت قريب يتحدثون عن ذات المشروع الحضاري الذي تتولى أمانته الفكرية في الحزب الحاكم الآن يا دكتور أمين؟ وهل حدث هذا إلا عندما سكت الناس عن الشكليات و غضوا الطرف عن أمور كانت في مجملها مقدمات لهذا الفساد المستشري الذي سيقصم ظهر الدولة إذا لم تتصدى له بكل حزم وقوة دون مجاملة و مراعاة لمكانة أو مركز أو قرابة مهما كانت!
يمر السودان الآن بمنعطف تأريخي خطير يصعب التكهن بعواقبه ومآلاته؛ و لذلك نحن نؤيد من ينادون بالإصلاح خوفاً على البلاد والعباد لعلمنا التام بأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وهو العدل والقسط والاستقامة و العمل بمقاصد الدين التي تحدد حقوق الحاكم والمحكومين و تتطلب إحياء الأرض، دون فساد أو إفساد، وعمارتها بما يحقق للناس العيش الكريم و يحافظ على سلامة المظهر والجوهر في ذات الوقت. بالتأكيد نحن لا نتوقع أن نكون كجيل الصاحبة أو التابعين فذلك شبه مستحيل ولكن علينا أن نسدد ونقارب مستفيدين من تجارب الدول و الحضارة الإنسانية في كل جوانبها مع اختيار ما يصلح لنا مثلما فعلت ماليزيا و تركيا فحققت تقدماً ملحوظاً في المجالات العمرانية كافة مع المحافظة على توجهها الحضاري في إطار ممارسة سياسية ديمقراطية منفتحة على كل العالم و متواصلة معه اقتصادياً حتى صارت مضرب المثل في معدلات النمو والازدهار؛ و قديماً قيل إن الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أولى الناس بها.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 631

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة