المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الإنقاذيون ما بين ( التمكين ) و ( التطنيش ) د. عمر بادي
الإنقاذيون ما بين ( التمكين ) و ( التطنيش ) د. عمر بادي
03-05-2012 11:38 PM

محور اللقيا

الإنقاذيون ما بين ( التمكين ) و ( التطنيش )

د. عمر بادي
[email protected]


من أدبيات الخطب التجاهلية قول السيد رئيس الجمهورية في إحدى خطبه أنهم يعملون بالمثل العامي القائل : ( الكلاب تنبح و الجمل ماشي ) ! حسب علمي بالمثل فإنه يأتي بالكلب مفردا لكن السيد رئيس الجمهورية اراده جمعا من الكلاب , فيهم الصحفيون و ممثلو أحزاب المعارضة و عامة المعارضين قولا و فعلا .. كلهم ينبحون بينما جمل الإنقاذيين ماشٍ و لا يعيرهم في مشيه أي إنتباه ! هذه أيم الله ليست بمزحة , و إنما سياسة راسخة عند الإنقاذيين مثلها مثل سياسة التمكين , و دعوني أسميها سياسة ( التطنيش ) !
كل قضايا الفساد التي تم طرحها منذ النصف الأول من التسعينات , و التي كان طرحها شفاهة آنذاك نسبة للقبضة الأمنية القوية على وسائل الإعلام خاصة الصحافة , و لكنها إنتشرت بين الناس إنتشار النار في الهشيم , و خير أمثلة لقضايا الفساد المتناقلة تلك , أورد الآتي : أموال طريق الإنقاذ الغربي التي تجمعت من تنازل المواطنين في غرب السودان عن نصيبهم من كوتات السكر التموينية , ثم الرسوم العدة التي أخذت من المواطنين لتجميل العاصمة القومية , ثم التصديقات الإحتكارية لتوزيع السكر و الأسمنت و دقيق المخابز و سجاير البرنجي , ثم خصخصة دار الهاتف في سوداتيل و إحتكارها للهاتف الثابت و النقال , ثم خصخصة الخطوط الجوية السودانية و إختفاء خط هيثرو , ثم خصخصة أو تأجير خط سكة حديد غرب السودان , ثم التصرف في البنية التحتية لمشروع الجزيرة كقضبان السكة حديد الداخلية التي كانت تستخدم في نقل بالات القطن و لكنها ذهبت كلها إلى أفران صهر الحديد في مصنع جياد , و أيضا سرايات مفتشي المشروع و ما بها من أثاثات و عربات , ثم نأتي لهيئة النقل الميكانيكي و ما بها من ماكينات عدة في الورش , ثم اليخت الرئاسي , ثم الفلل الرئاسية و لمن آلت ملكيتها , و القائمة تطول ..
أما بعد أن تم السماح بهامش للحريات في الصحف بعد نضالات عدة , صار أمر قضايا الفساد مؤكدا من روايات شهود العيان , و نشط الصحفيون في بسط قضايا الفساد و بالدليل القاطع الذي لا يخفى على عين و هو مظاهر الثراء التي تبدت في إمتلاك القصور و المزارع و الشركات فكانت الروايات عن ثراء إخوة السيد رئيس الجمهورية و ثراء زوجته الثانية و خاله و أقربائه في صراصر , و كذا كان ثراء القياديين الكبار و الوزراء و الدستوريين , ثم كانت قضية الفساد في سوق المواسير و قضية الفساد في شركة القطن و قضية فساد بعض المستشارين و قضية تعويضات العائدين من الكويت و قضايا الفساد في الأراضي و في التعويضات كتعويضات متضرري المناصير و متضرري الأراضي المنزوعة في الخرطوم و قضية إستيراد المواد فاقدة الصلاحية , و قضايا أخرى كثيرة لا أستطيع حصرها .. كلها قد جعلت من السودان دولة في ذيل الدول بمقياس الشفافية و النزاهة , و جعلته في رأس الدول الفاسدة , بحكم التقارير العالمية .هكذا صار الكتاب الصحفيون يكتبون و يكشفون مواطن الفساد و يجأرون و (ينبحون ) , بينما جمل الإنقاذيين ينؤ بما حمل و يمشي الهوينى غير عابيء بنباح الكلاب الصحفية من حوله !
لقد أتى نظام الإنقاذ منذ بدايته بسياسة التمكين , و لكي يجد لها شواغر في الوظائف القيادية , أتبعها بالإحالات للصالح العام لغير الموالين له من ( فلول ) الأحزاب المنحلة أو من المنتقدين له , و بذلك خلا الجو لطيور الإنقاذ المتمكنين فبيضوا و أصفروا و نقروا ما شاؤوا ان ينقروا , و من خلال كوة هذه المشيئة دخل الفساد و ضرب بأطنابه و لم يجد له رادعا لأنه فساد أصحاب الحظوة و المقربين , و كما قالوا بأنفسهم فإن المحاسبة إن تمت تكون داخلية و ( مستورة ) بفقه السترة حتى لا يشمت فيهم الأعداء , و يكون العقاب عادة بالنقل من موقع قيادي إلى موقع قيادي آخر ! لكن عندما تفشى الفساد و ظهر في البر و البحر , و تعاقبت المذكرات من أعضاء المؤتمر الوطني و من الحادبين على مصلحته تطالب بالإصلاحات , كان لا بد للسيد رئيس الجمهورية أن يعترف بوجود الفساد و يكوّن له مفوضية لمحاربته برئاسة السيد ابي قناية .
كل الذي قلته عن الفساد حري أن يتناوله السيد أبو قناية و يشرع مفوضيته في البحث و الإستقصاء و التحقيق حتى تتكشف له الحقائق , و أن لا يمعن في الإنتظار حتى يأتيه الشاكون بالأدلة , و هل يترك اللص المتمرس دليلا على إدانته ؟ نحن نتمنى أن يكون للمفوضية دور في كشف الفساد و محاسبة المفسدين , و أن يكون تحركها ذاتيا في تقصي قضايا الفساد متى ظهر رأس جبله الجليدي من تحت ماء الأقاويل .
إن سياسة ( التطنيش ) التي كان معمولا بها تجاه ما تكتبه الصحف عن قضايا الفساد قد ( فلت ) عقالها فانقلبت إلى ( تنكيل ) و ( تعذيب ) و ( تقفيل ) للكتاب الصحفيين و للصحف , بعد أن بلغ السيل زبى رئاسة الجمهورية و وصل إلى المناطق المحظورة من الإقتراب و التصوير ! على ذلك تواردت أخبار إعتقال البروفيسير محمد زين العابدين بعد نشر مقالته التي إنتقد فيها عيانا بيانا و لأول مرة السيد رئيس الجمهورية في ثرائه و حيازته على شريط من أرض كافوري كان معدا لإقامة المنشآت الخدمية العامة عليه , فإذا به يقيم فيه مسجد و مجمع النور بإسم العارف بالله حسن أحمد البشير و يقيم فيه أبراج حوش بانقا الجديد ! و عملا بنصح ولاة أمر المسلمين أضاف البروفيسير أن من يحمل إسما كإسم أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب عليه أن يقتدي به و يسعى أن يكون صنوا له في العدل و في العمل على راحة الناس و في الإستماع لآرائهم ثم تفنيدها أو العمل بها و في كرهه لإستغلال النفوذ و في وضعه لمفهوم حقوق الإنسان و في بساطته التي صارت مضربا للأمثال !
هكذا عادت سياسة القمع و الإعتقالات و إغلاق الصحف , و كل هذا كان متوقعا في ظل القوانين المقيدة للحريات , و هكذا ظهرت الحملات التضامنية مع البروفيسير محمد زين العابدين في المواقع الإسفيرية و في مهاجر السودانيين في أقطار الأرض , و من أهله الحلاوين و من كل الشرفاء الذين يؤمنون بحرية التعبير , و من ذلك كان اللقاء التضامني الذي أقامته رابطة أبناء الحلاوين في الرياض و شاركت فيه معظم الكيانات السياسية السودانية , و تنادوا بإيصال أصواتهم إلى أجهزة الإعلام العالمية و تعرية النظام الإنقاذي الذي تجتهد أجهزة إعلامه في تجميل وجهه و جعله ديموقراطيا و كافلا لكل الحريات , و تنادوا بخروج المسيرات السلمية و الإعتصامات داخل الخرطوم .
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1195

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة