المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الدولة وادعاء- الماركة المُسجِّلة-.....الدستور ومراوحة الاوهام (2-2)
الدولة وادعاء- الماركة المُسجِّلة-.....الدستور ومراوحة الاوهام (2-2)
03-12-2012 01:55 AM

الدولة وادعاء- الماركة المُسجِّلة-.....الدستور ومراوحة الاوهام (2-2)

محمود محمد ياسين
[email protected]

توطئة
بما ان هذا الجزء من المقال تحت العنوان أعلاه يتناول الدستور كشئ لا يصنع وليس برنامجاً سياسياً، كما سنرى، عنّ لى ان اقدم فى هذه التوطئة جزءاً من راى هيجل حول الدستور؛ ولا اضيف جديدا بالقول ان رؤى هيجل حول الدولة وقوانينها ما زالت توفر امكانية الاستفادة منها ايجاباً متى ما تم تخليصها من قبضة فلسفته الوالغة فى المثالية.
يقول هيجل فى الفقرة 273 من مؤلفه " فلسفة الحق":
" مَنْ يصنع الدستور؟ هذا (السؤال) يفترض عدم وجود دستور أصلاً, بل هناك مجرد مجموعة من الافراد .........ومجموعة من الناس لا رابط بينهم يعنى لا وجود للدولة...................لكن اذا كان السؤال يفترض الوجود المسبق للدستور, يصبح الموضوع هو تعديل الدستور ................ويجب عدم اعتبار الدستور كشئ يصنع؛ فالدستور دائم الوجود وعقلانى ومقدس لأنه يقع خارج نطاق الاشياء التى تصنع " ويمضى هيجل فى الفقرة 274 من نفس الكتاب قائلا " الدستور لاى شعب يعتمد، اساسا، على سمات شخصيتة وعاداته .............الاعتقاد فى وضع دستور لشعب ما بشكل قَبْلى يعتبر نزوة، تتجاهل العامل المهم الذى يجعل الدستور امرا اكثر من نتاج للعقل. كل أمة لها الدستور الذى يناسبها ويلائمها..............الدستور ليس مجرد صناعة، ولكن ياخذ شكله عبر قرون من الزمن. "
يشتمل مقتطف هيجل اعلاه فى الدستور على فكرتين: اولاً، ليس هناك مجتمع ( بعد انتقال الانسان من حالة الطبيعة للعيش فى الحالة الاجتماعية وتكوين الدولة) لا يحكمه دستور، أى ليس له قواعد قانونية أساسية، بمستوى تطوره، تحدد حقوق وواجبات أفراد المجتمع. فالدولة، خلال تطورها، يحكمها قانون دستورى (مكتوباً أو غير مكتوب) مستمد ومتوافق مع مجموعة التقاليد والعادات والاعراف السائدة وليس مجرد نص قانوني. وعليه فان الدستور لا يوضع قََبْلياً، بل هو تتوجياً لعملية تراكمية لفترة طويلة من الزمن. ثانياً، لا يرسم هيجل تصوراً لوضع الدستور على اساس حقائق الحياة الواقعية (ولا غرابة، فهيجل ياتى بالفكرة المستمدة من واقع الحياة والشاحذة للتفكير ثم لا يلبث ان يحولها الى طيف خرافي يحلق فى فضآت " الفكرة المطلقة "). فالنسبة له الدولة السائدة فى كل مرحلة تاريخية هى التجسيد للعقل المطلق (الوجود الآخر في صورة الطبيعة التى حسب هيجل أنها لا تتطور وإنما هي المظهر الخارجي للتطور الذى يجرى منطقياً)؛ والدولة هى المرحلة العليا المُدرِكة فيها "الفكرة المطلقة" لذاتها، اى ان وعى العالم يكون قد حقق سمواً مطلقاً يجعل الدولة هى المُعبر عن روح الناس وقيمهم واخلاقهم وليس تعبيرأً عن معايير اقتصادية.
——————


نص الجزء الثانى من المقال
خلال الحكم الوطنى فى فترة المهدية (1885-1898) كان مصدر التشريع هو المنشورات التى يصدرها رأس النظام محمد احمد المهدى وعبدالله التعايشى من بعده والمشتملة فى أغلبها على تفسيرهما لأحكام القرآن والسنة. كما اتجه المهدى والتعايشى لاصدار منشورات تشريعية، كانا يزعمان تلقى احكامها في الحضرات النبوية، تتعلق بشؤؤن الحكم وادارته عندما لا تكون أحكام الشريعة واضحة حيالها. واتسم الحكم بمركزية مطلقة استدعاها التفاعل الايجابى للدولة المهدية مع اتجاه النشاط الاقتصادى آنذاك فى التحول من الانتاج الزراعى المعيشى والفلاحة المحدودة والرعى الى الانتاج الذاهب للسوق. فقد شجعت الدولة المهدية العمل التجارى واحدثت تغييراً كبيراً فى نظام ملكية الارض شمل تهجيراً واسعاً لمجموعات قبلية باكملها من أماكن استقرارها وتوطينها فى مناطق أخرى؛ واذا كان من دوافع هذا النهج تأمين السلطة, الا انه جاء منسجماً مع حركة الاقتصاد التى كانت تعمل على نقل المجتمع الى مرحلة أعلى من التجانس القومى، كمقدمة ضرورية لانعاش التجارة، تضعه على مشارف الانتاج السلعى. وهكذا فرضت خلخلة اركان المجتمع المتسم بالفوارق القبلية والجهوية والاجتماعية والتى كانت تجرى تحت حصار خانق من الدول الاستعمارية المتنافسة على أفريقيا آنذاك، على الدولة المهدية ادارة البلاد بحكم يكون فيه راس النظام صاحب سلطة مطلقة أستمدها وعى ذلك العصر من فكرة المهدى المنتظر ووجوب الايمان المطلق به.

وبعد الاحتلال البريطانى للبلاد بازالة نظام الحكم الوطنى للمهدية فى 1898 وبداية الحكم الثنائي (الانكليزى-المصرى) في السودان، منحت المادة الثالثة من اتفاقية الحكم الثنائي (1899) الرئاسة العليا، العسكرية والمدنية والقضائية، لموظف واحد هو "الحاكم العام" يتم تعيينه بأمرٍ خديوى بعد موافقة حكومة بريطانيا؛ وللحاكم العام ( الذى كان بريطانياً خلال فترة الحكم الاستعمارى ) السلطة المطلقة فى اصدار منشورات ب " القوانين وكافة الأوامر واللوائح التى تكون لها قوة القانون المعمول به والتى من شأنها تحسين إدارة حكومة السودان و تقرير حقوق الملكية فيه بجميع أنواعها وكيفية أيلولتها والتصرف فيها " كما وضعت المادة التاسعة من الاتفاقية السودان تحت الاحكام العرفية؛ وفى تفسيره لهذه المادة فى مذكرة لوزير الخارجية البريطانية ذكر اللورد كرومر، واضع مسودة الاتفاقية، انه :

" بدون رؤوس أموال أوربية لا يمكن تحقيق أية تقدم .....واذا اختار الاوربيون أن يقطنوا فى بلاد خارجة لتوها من البربرية، يجب ان تكون لديهم قناعة بانهم يتمتعون بأفضل النظم القانونية " ويمضى فى جزء آخر من المذكرة مشيراً الى " ان نظام المحاكم المختلطة، المعمول به آنذاك فى مصر (الشريك فى اتفاقية الحكم الذاتى)، فيه مخاطرة على مصالح بريطانيا اذا ما تم تطبيقه فى السودان. هذا لان القضاة المصريين قد لا يعترفون بحقوق بريطانيا فى استعادة احتلال السودان؛ وعليه فان قفل الطريق أمام تبنى القانون المصرى يتحقق باللجوء للاحكام العرفية وتعليق الآمال على العمل باى قانون مدنى" (من مذكرة كرومر لسالسبرى فى- Hurwitz هيروتز، 1956).

وهكذا، انسجاماً مع هدفها الرئيس من وراء احتلال السودان وهو تصدير رؤوس اموالها المالية له لتحقيق أعلى درجات الربح، ربطت بريطانيا البلاد بالسوق العالمى كمصدر للمواد الخام وسوقاً للبضائع المستوردة وكان هذا اعلاناً لنقل علاقة البلاد الاقتصادية بالعالم، التى كانت محصورة لقرون فى التجارة التقليدية، لمرحلة نوعية جديدة. وجاءت الرابطة الجديدة بشكل مدروس بحيث لا تكون متكافئة ويظل السودان بموجبها بلداً زراعياً ملحقاً بالامبراطورية البريطانية. ولهذا لم يكن مستغرباً ان أول قانون يصدره الحاكم العام للسودان هو قانون ملكية الأرض الزراعية لعام 1899. وقد عبر ريجنالد ونجت (حاكم عام السودان 1889-1916) فى تقرير الحاكم العام السنوى (1920) عن السياسة الاقتصادية لبريطانيا فى السودان، التى تهئ المناخ لاستثمار رؤوس الاموال الواردة للبلاد، بان ادارته تسعى لتطوير السودان بالتركيز على الزراعة لانتاج المحاصيل النقدية وليس عبر تجارة الصمغ العربى أو ريش النعام أو العاج.

لتحقيق هدف الاستحواز على فائض الانتاج الزراعى للسودان، اتبعت الادارة البريطانية نظاماً اداريا مركزياً يقف على قمته الحاكم العام الذى تجمعت بين يديه جميع السلطات التشريعية والتنفيذية. وانتهج الاستعمار نهجاً بارعاً فى اصداره للقوانين والتشريعات التى تمكنه من التحكم فى نظام ملكية الارض والسيطرة على الانتاج الزراعى والحيوانى والتجارة بواسطة الأحكام الضريبية. تمثل ذلك النهج فى التطوير المتدرج لملكية الارض باعتبار الاعراف السائدة ابتداء بالاعتراف بالملكية الممنوحة للاشخاص خلال المهدية كما جاء فى قانون ملكية الأرض الزراعية لعام 1899، الى ان تم لاحقا ادخال نظام الحيازات الزراعية الكبيرة الملائمة للنشاط الرأسمالى. كما اعتمدت الادارة الاستعمارية على تبنى نظم علاقات الانتاج المعروفة بالبلاد بعد تطويرها على ضوء المعطيات العلمية والاساليب الحديثة لذلك الزمن.

استمرت سلطة التشريع بيد الحاكم العام فى ظل المجالس الصورية - مجلس الحاكم العام (1910)، المجلس الاستشاري لشمال السودان (1943الى 1948)، الجمعية التشريعية (1948 الى 1953)- التى كونتها الادارة الاستعمارية لبحث وإجازة تلك التشريعات. ولم تخفف تلك المجالس كثيراً من مطلقية سلطات الحاكم العام.

على طريق استقلال السودان وبعد ان منحت بريطانيا ومصر الحكم الذاتى لشعب السودان، جاءت اتفاقية الحكم الذاتى فى 1953. واقرت المادة الثالثة من الاتفاقية ان الحاكم العام هو " السلطة الدستورية المطلقة خلال فترة الحكم الذاتى." كما تشكل فى 1954 على ضوء اتفاقية الحكم الذاتى نظام برلمانى، مكون من مجلسين للنواب والشيوخ، حقق إعلان الاستقلال من داخل البرلمان فى 19ديسمبر 1955.
———————
تشكلت الحكومات الوطنية بعد استقلال السودان مباشرة فى 1956 من القوى الاجتماعية من الاقطاعيين والتجار التى خصها المستعمر بكثير من الامتيازات الاقتصادية. ولم يكن غريبا ان تجنح السلطات، التى ورثت الحكم من المستعمر، منذ ان دانت لها الامور على الاحتفاظ بالهيكل الادارى والتشريعى الذى خلفه الانجليز. فتطبيق القوانين الاستعمارية من قبل الحكومات الوطنية أملاه عليها استشعارها الخطر الذى مثلته اليقظة الشعبية المبكرة التى تمثلت فى الفهم التاريخى للحركة الوطنية وبالتالى تحديد ادوار الأطراف المختلفة فيها. فلم يكن أمام تلك الحكومات الا اشهار سلاح القوانين الى تسلب الشعب من حرياته السياسية. ومعادات تلك الحكومات لتطلعات الشعب يلقى عليها ضوءً كاشفاً ما ذكره االنائب الاستاذ حسن الطاهر زروق فى البرلمان فى 1950 معلقاً على اداء حكومة عبدالله خليل (1956-1958):
" اذا استعرضنا الامور الرئسية الهامة لوجدنا ان الوضع اليوم هو نفس الوضع الذى خلفه المستعمرون وذلك كاعتمادنا على محصول واحد لا يباع باسعار مجزية فى كل الاسواق، أما من الناحية الصناعية فاننا نستورد سلع الاستهلاك الضرورية بأثمان باهظة .......أما الهيكل التشريعى فلا زال باقياً على ما كان عليه من غير تطور يذكر. وفى الحقيقة ان البرلمان قد أعطى قراراً بالغاء بعض القوانين وتعديل الاخرى ...وصرح السيد وزير العدل بان تلك القرارات ما زالت قيد البحث والدرس ولا معنى لهذا بعد مرور هذا الوقت الطويل عليها سوى الاصرار على بقاء كافة القوانين التى يتعارض وجودها مع الحياة النيابية والاحتفاظ بهيكل تشريعى وادارى يعتقل كل قوى الشعب من الانطلاق........ وان سياسة الحكومة الخارجية ... تفتح هوة للاستعمار البريطانى والفرنسى والامريكانى للاحتفاظ بالسودان." من وقائع الجلسة رقم 60 لبرلمان 1956.

———————

ظل ربط الحكم الوطنى للبلاد بدورة رأس المال العالمى وإلزامه بتبنى برامج المؤسسات الدولية الخاصة باقتصاديات السوق وتشجيع القطاع الخاص و تحجيم دور القطاع العام وتخفيض سعر العملة يسير قدما من نظام لنظام مع التفاوت فى درجاته بين الانظمة المختلفة. ولم يكن النظام الذى يعقب الآخر فى الحكم الا ويكون امتداداً للسابق رغما عن المزايدة بالشعارات والاسماء المختلفة؛ فهى بحكم طبيعتها الكمبرادورية كانت الامتداد لهيمنه الدول الكبرى الاقتصادية على البلاد بأسايب مغايرة للاحتلال المباشر. فالدول الراسمالية الكبرى، كما مرّ ذكره فى الجزء الاول من المقال، صارت استدامة اقتصادياتها تعتمد على استغلال المستعمرات وشبه – المستعمرات حيث تتوفر لاستثماراتها فيها الارباح الفاحشة. وعليه صارت القوى الاجتماعية المحلية الحاكمة لا تملك قرارها وتحولت الدولة السودانية الى دولة تابعة تدور في فلك الدول الغربية.
ادت هذه التبعية لفقدان البلاد السيطرة الكاملة على مواقع الاقتصاد الوطنى اذ ان معظم الشركات الكبرى يسيطر عليها رأس المال الاجنبى عن طريق الوكلاء المحليين فى أكثر الاحيان؛ كما ساد عدم التكافؤ على مستوى التبادل التجاري الذي لا يميل لمصلحة السودان فى حالات بيع المواد الخام المحلية وشراء السلع الرأسمالية والمواد الخام الصناعية وقطع الغيار، وغيرها.
اتجهت انظمة الحكم المتعاقبة لفرض التبعية بسلطة الدولة وعدم الشفافية فى قبول القروض الخارجية وتخطيط وتنفيذ المشروعات التنموية. وكمثال لفرض التبعية بسلطة الدولة هو ما قام به النظام العسكرى (1958-1964) عندما انقلب على النظام الحزبى المدنى وقبل ب "المعونة الامريكية" المشروطة بعدما رفضها حزب الشعب المؤتلف فى حكومة 1958 مع حزب الامة الذى كان يميل الى قبولها.
اخذ عدم الشفافية مساراً تصاعديا بتصميم سلطة جعفر نميرى العسكرية (1969-1985) التشريعات الاستثمارية التى تهدف الى جذب الاموال الخارجية بعيدا عن المشاركة الشعبية الحقيقية وخاصة قطاعات المستثمرين الوطنيين. منحت تلك التشريعات رأس المال الاجنبى الاعفاءات الجمركية والضريبية السخية للاستثمار فى مشروعات يستطيع المستثمرين المحليين ارتيادها وليس فى المجالات التى تتوقف عليها التنمية الحقيقية كالمعادن والصناعات الثقيلة وصناعة المعلومات. وتجدر الاشارة هنا الى ان الاستخراج التجارى للنفط (كسلعة استراتيجية) لم يؤدى لانخفاض مديونية البلاد رغم التحسن فى الميزان الخارجى، ولم يحقق، قبل فقدانه، نموءاًً اقتصاديا يذكر لان علاقات الانتاج المتخلفة ظلت وماتزال العائق امام تطور الاقتصاد السودانى. كما ان الاستثمار اتسم بالعشوائية اذ ان التمويل الخارجى ظل يحدد نوع المشروعات وتوقيت تمويلها وليس العكس. ولهذا فالاولوية دائماً ما تذهب لاستثمارات غض النظر عن مردودها الاجتماعى وقيمتها الاقتصادية، وهذه السياسة الاقتصادية ليست عصية على الفهم باعتبار النوافذ والفرص التى تهبط مع التمويل الخارجي في مجال المقاولات والخدمات الاخرى الضرورية لتنفيذ المشروعات المختلفة ككسب مفاجئ للطبقة التجارية المتنفذة، والنتيجة دائماً ما تكون مشروعات فاشلة تاتى فى شكل دورات غير مرتبطة ببعضها البعض وغير متجانسة. وحتى المشروعات التى تحقق النجاح، بالمقاييس الاقتصادية، فانها دائماً ما تتركز فى المناطق الحضرية حيث البيئة الاستثمارية المواتية والمنسجمة نسبيا مع شروط ذلك التمويل الهادف لتحقيق الارباح الفاحشة مما جعل من غيرالممكن تحقيق تنمية متوازنة وازدياد الفجوة، بمعايير التقدم الاقتصادى، بين مختلف الاقاليم من ناحية وبين المدينة والريف من ناحية أخرى.
وأخيرا، انعدمت الشفافية تماما بمجئ سلطة الانقاذ بالانقلاب العسكرى فى 1989 بلجوئها الى السرية فى النشاط الاقتصادى وعقد الصفقات المالية وراء الكواليس، كما حدث فى اتفاقيات استخراج البترول وسد مروى الذى كلف تشييده اكثر من مليارى دولا، تلك الاتفاقيات التى لا يعرف احد مضونها من ناحية كفاءتها الفنية او تفاصيل المبالغ المالية المتعاقد عليها ولا مدى استجابتها للمتطلبات البيئية. ومنذ التسعينات من القرن الماضى اكملت الدولة سيطرتها على مفاتيح الاقتصاد بخلق شبكة محكمة من قيادات الحكم التنفيذية والبنوك والامن والجيش وكبار المستثمرين تتحكم تحكما مباشرا فى النشاط الاقتصادى بكل اوجهه.
وبعد اكثر من نصف قرن على استقلاله السياسى فى 1956، عجز السودان أن ينهض اقتصاياً وادت القروض الخارجية المشروطة والمصحوبة بعشوائية تخطيط وتنفيذ المشروعات الزراعية والصناعية - التى فشل اغلبها وبالتالى عدم تمكنها من تحقيق عائد لتسديد الديون- الى تراكم الديون الخارجية على البلاد حتى وصلت قيمتها الاجمالية فى عام 2010 الى 40 مليار دولار نصفها مستحق السداد بخلاف فوائد. ولعجز البلاد فى خدمة ديونها الخارجية، بدأت الدورة الجهنمية المتعلقة بجدولة الديون واللجوء الى مزيد من القروض الآجلة وحتى القروض التجارية ذات المدى القصير والفوائد المرتفعة لتغطية عجز الميزانية ومقابلة أوجه الصرف الحكومى المختلفة.
———————
حرصت الحكومات الوطنية على تسيير نشاطات الدولة الاقتصادية (وتجريف ثروات البلاد) بتشريع الغرف المغلقة ووضع القيود أمام اى فرصة لمشاركة قـــــــواعد المجـــتمع فيها، ولتغييب الشفافية تماما فى هذا المجال لجأت السلطات لسن القوانين القمعية التى تحظر كل أنواع التعبير وتهدر حقوق الشعب فى ممارسة العمل النقابى والتنظيم الحر. كما جاء تفعيل القوانين التعسفية متسقاً مع لجؤ السلطات لتحميل الشعب الضرائب والاتاوات الباهظة لتخفيف العبء عن موزانات الدولة التى ظلت تسير من عجز الى عجز عبر السنين.
بينما كانت قوانين القهر تجرى صياغتها وتفعيلها بلا رحمة أو شفقة، قدمت الحكومات، التى تعاقبت على حكم البلاد منذ اجازة اتفاقية الحكم الذاتى، انتاجاً غزيراً من الدساتير والقوانين المصاحبة والمعدلة كتمويه لاخفاء استبدادها او انصياعاً فى بعض الاحيان لمقررات الامم المتحدة الخاصة بحقوق الانسان )لائحة الحقوق الدولية) التى ابتدعتها الدول الغربية كأوراق ضغط تحقيقا لمصالحها. والدساتير هى: دستور الحكم الثنائي (1953)؛ الدستور السوداني المؤقت (1956)؛ الأوامر الدستورية- الحكم العسكري (1958-1964)؛ دستور جمهورية السودان المؤقت (1964): عُدل فى 1965 و 1966 و1968؛ الدستور الدائم لجمهورية السودان الديموقراطية (1973)؛ دستور السودان الانتقالي (1985)؛ دستور حكومة الانقاذ الوطني (1998)؛ دستور حكومة الوحدة الوطنية الانتقالى(2005).
رغمًا عن اقرار ديمقراطية الحكم فى كل الدساتير التى وضعتها الانظمة المختلفة، ظلت البلاد تحكم بقوانين الطوارئ أو الاحكام العرفية فى كل سنوات حكمها ما عدا استثناءات قليلة؛ فلم يكن الدستور اكثر من "وثيقة" يجرى التنصل منها اما بسن القوانين التى تتعارض مع الحريات (قانون دفاع السودان'1958'- قانون أمن الدولة '1973'- قانون الأمن الوطني '1991'- قانون النظام العام والقانون الجنائي '1991' كامتداد لقوانين سبتمبر'1983') او منح السلطة التنفيذية سلطات استثنائية. وفى كل الاحوال لم يكن الدستور هو المُحدد لطبيعة الدولة وسلوكها، بل العكس - بمعنى ان طبيعة تكوين الدولة هو ما يحدد قانونها او قاعدتها الدستورية التى تعيِِِِِِِِّن شكل الدولة ونظام الحكم فيها وتكون المرجعية المنظمة لكل فروع القوانين الاخرى بما يكفل حماية مصالح القوى الاجتماعية صاحبة اليد العليا فى الدولة. والقاعدة الاساس التى تبنتها الحكومات السودانية هى سلطة الاستثناء التى تخضع المواطنين للقوانين المقيدة للحريات والفاقدة لأبسط قواعد الشفافية.
وهكذا ظلت الحكومات السودانية المتتالية تفرض القوانين التى تكرس سلطاتها وتتيح لها السيطرة على مقدرات البلاد. فاللجوء لحكم السودان بسلطة الاستثناء التى تتوحد فيها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية كانت على الدوام (منذ فترة المهدية والاحتلال الانجليزى الذى اعقبها) تعبيراً عن الواقع الاجتماعى/الاقتصادى والارادة السياسية للقوى الاجتماعية المتنفذة ولم يكن اجراءً فرديا معزولاً . كما ان الانظمة التى حكمت السودان ليست طارئة، بل حلقات فى سلسلة متصلة ببعضها البعض. فرغم الاختلاف فى تحديد شكل الدولة على أوراق الدساتير المتعددة، فان جوهر الحكم لم يتغير سوى كانت الدولة "ديمقراطية ذات سيادة" كما جاء فى الدستور المؤقت (1956)؛ أو " ديمقراطية السيادة فيها للشعب" فى الاوامر الدستورية (1958) والدستور المعدل (1964)؛ أو "ديمقراطية اشتراكية" فى دستور (1973)؛ او "ديمقراطية موحدة" فى دستور1985 الانتقالى؛ أو "اتحادية.... الحاكمﯿة في الدولة ﷲ...والسﯿادة فﯿها لشعب السودان المستخلف" فى دستور (1998)؛ أو "ديمقراطية لا مركزية" فى دستور (2005).

والمراد بان جوهر الحكم فى السودان لم يتغير منذ استقلال البلاد هو اجترار القوى الاجتماعية السائدة للسياسات التى تكرس أنماط الانتاج الشبه راسمالية، وقهرها المتواصل لنقيضها (antithesis) الذى يمثله العمال والمزارعيين وأجراء المدن والارياف الآخرين. وجميع تلك الحكومات بلا استثناء مارست سلطاتها بفرض حالة الطوارئ والسلطات الاستثنائية لتحقيق ذلك الهدف. يستوى فى ذلك الانظمة الشمولية والديمقراطية الليبرالية. فطوال عهد الديمقراطيات الليبرالية لم تكتفى حكوماتها باللجؤ للقوانين المقيدة للحريات وقمع حركة العمال والمزراعيين بوحشية كما حدث فى مجمع انزارا الزراعى-الصناعى فى 1955 ومشروع جودة الزراعى بمركز كوستى، بل اثبتت انها الاكثر ضيقاً بالديمقراطية اليبرالية وحكم الدستور كما حدث عند تسليم حزب الامة (عبد الله خليل) السلطة لانقلابيى 1958، ورفض الصادق المهدى قرار المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية تعديل الدستور وبالتالى حل الحزب الشيوعى فى 1965، والانقلاب العسكرى-الذى خططه ونفذه د. حسن الترابى- على السلطة 1989.

كذلك اتسم نظام الحكم بالمركزية رغما عن التقسيمات الادارية للسودان التى احدثتها السلطات بموجب قوانين الحكم المحلى للادارة الاستعمارية (1951)، الحكم الشعبي المحلي (1971)، الحكم الذاتي للمديريات الجنوبية (1972)، الحكم الإقليمي (1980)، الحكم الاتحادى (1991). فقد أدت طبيعة الانظمة الحاكمة المناقضة لتطلعات الشعب الى قيام هياكل ادارية محلية كمجرد امتداد لسيطرة المركز البيروقراطية على انحاء البلاد وكستار لما تمثله السلطة الاتحادية، حتى يخال للشخص ان تلك الهياكل الادارية تصب في جوهر فكرة اللورد ميلنر، التى قدمها للادارة الاستعمارية على السودان فى 1920، باستخدام عناصر (وطنية) محلية لخلق ادارات اهلية بجانب فئة من (الافندية) لتسيير مجالس ادارية حديثة على مستوى المدن والارياف للقيام باعمال ادارية محدودة وذلك للتخفف من أعباء المركز الادارية.
ولغياب وحدة الهدف ( كنتيجة لتضارب مصالح القوى المسيطرة) لم يكن غريباً ان يعانى الحكم المحلى من التناقضات الحادة بين مكوناته : بين المركز والاقاليم، والاقاليم فيما بينها، وبين الاقليم ووحداته المحلية، وبين الوحدات المحلية بعضها البعض. ولهذا قويت النزعات القبلية والجهوية بدلاً من ان يزيبها الحكم المحلى (شهدت المحليات التى انشأها قانون الحكم المحلي 2003 انقسامات عديدة تلبية لرغبات القبائل التى تريد كل منها ان تكون لها محليتها.) وحتى اللامركزية التى اقرها دستور 2005 لم تخرج من اطار الدولة البيروقراطية ولم توقف تشظى البلاد بل فاقمته.
———————

الحكم المركزي المطلق هو الشكل الذى لازم الدولة السودانية منذ نظام المهدية. وحكم السودان بتقنين الاستثناء ضرورة ولدتها ظروف تاريخية موضوعية. فالمركزية التى سارت عليها الدولة المهدية كانت اجراءً ضرورياً لازم التغييرالجذرى لنظام ملكية الارض فى ذلك العهد والهزة العنيفة التى استتبعته؛ كما كانت المركزية أداة لا غنى عنها لتجاوز تبيانات المجتمع وصهرة فى بوتقة قومية موحدة ليس فقط دفعاً لتطوير السوق المحلى الذى كان يشهد نموءاً، بل لضمان المواجهة الفعالة فى مواجهة القوى الخارجية المتربصة بالدولة الوليدة.
ومن بعد الدولة المهدية صارت السلطة المطلقة الوسيلة الوحيدة الممكنة، التى لجأ لها المستعمر والحكومات التابعة التى أورثها السلطة السياسية، لربط البلاد بالسوق العالمى ووضع اقتصادها فى خدمة حاجاته بتعامل ينعدم فيه التكافؤ.
الدساتير المختلفة لحكومات ما بعد الاستقلال المنسجمة (بشكل عام) مع االقاعدة المعيارية التى تضع الاساس القانونى الذى يُبنى عليه تشريع القوانين العادية العامة والخاصة لم تمنع السلطات من الالتفاف على أحكامها الاساسية، فى فترة سريانها الوجيزة، بالقوانين المقيدة للحريات. كما انه بسبب الطبيعة المجردة للمفاهيم المتضمنة فى القوانين الاساسية، والقابلة لعدة تفسيرات، اتجهت السلطات لتفسيرها بشكل يتعارض مع معانيها الحقيقية. ولتعقيدات الواقع السودانى والتباين الاقتصادى الحاد بين فئاته ومناطقه ولوجود حركة مطلبية عريقة للعمال والمزارعين، التى غالباً ما تقف عائقاً امام تحقيق رغبات الحكام، فان السلطات لم تكتفى بمجرد خرق الدستور، بل بالغائه كلية وتبنى مبدأ الاستثناء وقانون الطوارئ كقاعدة اساسية لحكم البلاد بلا مراعاة للحقوق الأساسية للأفراد والحريات العامة.
وللابقاء على الاستبداد، لجأت القوى الاجتماعية المتنفذة الى طمس أى ضوء لأشكال الوعى السياسى بتكريس الأفكار اللاعقلانية والتقاليد والاعراف البالية الذى من شأنه تزييف الواقع الاجتماعي بستر حقيقة تناقضاته وطبيعة علاقات انتاجه التى يرجع لتخلفها الاملاق والبؤس الذى يعانى منه شعب السودان.
وهكذا فان المرجعية القانونية لحكم الدولة سواء كانت مسجلة كتابة فى مدونة أو قوانين واعراف غير مكتوبة فهى تأتى منسجمة مع الواقع الاجتماعى/الاقتصادى السائد ومُعبرة عن ارادة القوى المسيطرة على جهاز الدولة؛ وتعديل هذه المرجعية لعكس التغييرات التى تطرأ على الواقع حق مكفول للحاكم وحده ونفعه لمصلحته.

وبهذه الصفة فان الدستور ليس نصاُ خالداً أومقدساً، بل اساساً قانونياً لشكل الدولة ونظامها يحمل معنىً تاريخيا اجتماعياً اذ انه التعبير الحقوقى عن مرحلة اجتماعية/اقتصادية معينة والعلاقات السائدة فيها. وبهذا فهو يمثل جرداً لمكتسبات الماضى، التى احرزتها القوى المتنفذة حتى وقت وضعه، و من ثم التجسيد الحقوقي لها. وبالتالى الدستور ليس برنامجاً سياسياً يستشرف المستقبل. فالدستور يهدف لوضع القوانين التى تكرس مكتسبات القوى الاجتماعية المهيمنة على الدولة والتى تُغلفها الانظمة المستبدة بالمواد الشكلية حول الحقوق، بينما يكون الهدف من البرنامج وضع الخطط التي ترمى لاحداث التغيير الاجتماعى.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 749

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة