التداعي
03-13-2012 08:37 AM


التداعي

عبد الله مكاوي
[email protected]

صحي من نومه متعب بعد ليلة مؤرقة كعادته خلال هذا الشهر الأخير الذي مثل له حالة من التغير الذي لم يشهده طوال عمره الذي قارب الخمسين عاما وهو يجاهد في معرفة السبب كما يصور له عقله الأمر ولكن الحقيقة التي يجاهد في إنكارها وإخفائها ورفضها أن مشاعره بدأت تتحرك تجاهها وبما ان هذا الموقف يناقض قناعاته وأقواله المأثورة عن المرأة والحب، سبب له هذا الإحساس مزيج من التناقض والارتباك حيث كان يري ان الحب عبارة عن مساحة من الاهتمام تشغل حيز في عقل الإنسان وكلما كانت هذه المساحة مشغولة بقضايا كبري ومشاريع رسالية تضاءلت مساحة مشاعر الحب تجاه المرأة حد التلاشي او علي الأقل كان هذا ما عاشه طوال عمره الذي تميز بالصدق الشديد تجاه النفس والغير. المهم نهض من سريره متثاقل الخطي وذهب الي الحمام وأكمل طقوس الصباح التي يؤديها بانضباط شديد وتبدأ بالصلاة وحده في بيته بالرغم من مجاورته للجامع وهذا الموقف بالإضافة لآرائه الجريئة في الدين والعادات والتقاليد تركت انطباع لدي المصلين وعدد كبير من أبناء الحي ان رجلنا النور سالم والذي يلقب أحيانا بالنور الحالم (لشدة إيمانه بالغد المشرق وتبشيره بالزمن الوردي زمن التآلف والسلام بالرغم من مر الاعتقالات والتهم والمضايقات والفقر الملتصق به كجلده وأكثر) ملحد وكافر واهون حكم انه معادي للدين وزول ما عنده موضوع وأهدر عمره في التنظير والأوهام والكلام الكبار خاصة من جانب إمام الجامع الذي يُعَّرِض به في كل خطبة ويغمزه في كل مرة بصورة من الصور ولكن النور ما كان لديه إشكالية تجاه إمام الجامع بل تجاه جميع أفراد الحي بل بالعكس كان من أكثر الأفراد تسامح وحل لمشاكل الآخرين وهو من أكثر أبناء الحي اهتمام بالحي ومشاكله وهو من أسس نادي الحي واللجنة الثقافية وصاحب مبادرة تشجير الطرقات وهو يسعى لإنارة الشوارع غصبا عن المضايقات والتخذيل الذي يجده في حله وترحاله بالإضافة لمشاركاته في المناسبات الاجتماعية ولكنه ينتقد كثير من تلك الممارسات ويطالب بتغيرها بعادات أكثر مواكبة بما يتماشى مع ظروف كل شخص وأحواله من غير إضافة أعباء ترهق كاهل الفرد وتذهب بمدخراته وتسلمه لدوامة الديون التي يصعب عليه الخروج منها او علي الأقل تفسد عليه حياته. وسبب الخلاف بينه وإمام الجامع ولجنة الجامع انه كان أكثر الأعضاء نشاط في لجنة الجامع وهو من اعد الخطط ووضع البرامج لاستقطاب الدعم ووظف كل مقدراته وعلاقاته لإنجاز هذا الأمر وعندما جُمع مقدار كبير من المال أكثر من المتوقع كان رأيه ان يُبني الجامع بشكل مبسط وفي نفس مستوي بيوت الحي او أحسن منها قليلاً وان توظف بقية الأموال لبناء المركز الصحي وتحسين مباني المدارس المتهالكة ومن هنا دب الخلاف بينه وبين لجنة الجامع وتمسك هو برأيه ودافع عنه بصلابة وتساقطت عليه التهم القديمة ولكنه أصر علي موقفه وتم فصله من لجنة الجامع وشتمه واتهامه بمخالطة أصدقاء السوء الذين يخالطهم ويعاشرهم وأنهم أنجاس وهم يقصدون أصدقائه أصحاب المزاج والسكر ونعيمة الطيب التي توصف بأنها مرة ما كويسة ومجموعة من العمال البسطاء وهو يتصدى دائما للدفاع عنهم عاكسا الجوانب المشرقة في حياة هولاء خاصة جانب الكرم ومواسة الغير ومساعدة الآخرين دون انتظار لكلمة شكر ولكنها فطرة متأصلة في نفوسهم ولا يتكلفونها وعفة ألسنتهم عن ذكر الآخر بسوء وهو الأمر الذي فشل فيه إمام الجامع وكثير من المصلين الذين يوصفون بالورع ويُقدمون في كل مجلس. وأيضا يسيئون اليه بسبب انتمائه لحزب الطليعة الذي يوصف بأنه معادي للدين كما تقول أدبيات وبيانات النظام الاستبدادي الحاكم . وعندما تري النور متحدثا داخل ندوات الحزب عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والحداثة ووضع حدود للعلاقة بين الدين والدولة وغيرها من المواضيع تشعر انك أمام مفكر لا يشق له غبار ومتحدث يسحر السامعين وعندما تجده مع البسطاء تحلف تقول النور عمره ما قرأ كتاب ولا تصفح مطبوعة وانه لم يفارق أرياف البلاد مرة واحدة في حياته. المهم تعود النور علي تنظيم وقته في بلاد يعتبر فيها تنظيم الوقت كقبض الرياح وانتظار الجبال لتلد الثمار والدكتاتوريات لتنجب ديمقراطيات، بعد صلاته يقوم النور بتجهيز المصلاية وشاي الصباح وإعداد الفطور لامه ثم يركب عجلته ويذهب الي عمله كأول الواصلين قبل بداية الدوام ولا يجد غير الفراشة ام الخير وبعد السلام والتحية يدخل يده في جيبه وينقده بعض القروش إذا كانت الحالة عال وأرسل له أهله من البلد نصيبه في النخيل والميراث الذي لم يسأل يوما عن زيادته او نقصانه حتي عندما يسافر الي البلد يتحاشى سيرة الميراث والحق ويكتفي بمواصلة الأرحام والجيران وهو في غاية السعادة ويعتقد ان النزاع في أموال الأموات مصدر للشقاء وضعف لنوازع العبرة و الاعتبار، وعندما يدلف الي مكتبه يشرع في عمله الذي مكث فيه عشرون عاما في نفس الدرجة دون ترقية او علاوات وحاولوا فصله أكثر من مرة بسبب رفضه للنظام وتصديه للفساد ومجاهرته بآرائه الصريحة ولكنهم يتراجعون في كل مرة بسبب حاجتهم له وبراعته وإخلاصه في العمل بالإضافة لرغبته و حبه لتعليم الآخرين وتشريبهم فنون الصنعة خاصة الموظفين الجدد، وبعضهم بعد أن تعلمها وادي فروض الطاعة للنظام طار وأصبح من السفراء والمدراء الذين نسوا مجرد ذكر اسمه وهم يستضافون في الصحف والقنوات الفضائية وهو شخصيا لا يحب مثل هذه النماذج، كذلك دأب علي تعليم الموظفين فن التعامل مع الجماهير صاحبة الحق الاصيل في الخدمة وهكذا مضت الأعوام حتي قبل الشهر الأخير عندما تم تعيين الموظفة الجديدة ملاك وكالعادة شرع في تعليمها أصول العمل ومن شدة رقتها وبراءتها وطيبتها بدأت تحدث فيه ذلك التأثير و الشعور الذي جاهد لإخفائه مرارا وتكرارا. وبدأ برامجه الروتيني يتعرض للتآكل والتصدع والتغيير ولم يجد في البداية تفسير او خاف من التفسير لسعيه المحموم لتبديل ملابسه التي لاحظ لأول مرة أنها في غاية التقليدية وهو ينادي بالتجديد في محاولة لإقناع نفسه ان تجديد ملابسه ضرورة موضوعية تتسق مع دعوة التجديد التي جف حلقه في المنادي بها وليست رغبة ذاتية وان محاولات أصدقائه لإقناعه بتجديد ملابسه قديمة الطراز كانت صحيحة ولكن همه الوطني كان يتقدم علي احتياجاته الشخصية وتذكر بعد غيبة طويلة مكان المرآة وتفاصيل وجهه الذي نسي ملامحه منذ فترة وشعر بقليل من الحزن وهو يري بوادر المشيب وخطوط التجاعيد تفتك بملامح الوسامة التي كان يتصف بها. ووصل التغيير أساليبه في التعامل مع المتدربين التي اشتهر بها كالجدية والصرامة والتعامل في حدود شئون التدريب خاصة مع الجنس الآخر والوقوف بحزم أمام أي محاولة لجر الأمر للونسة او محاولة التقرب منه بأي طريقة لدرجة ان زميلاته في العمل أطلقن عليه لقب المقبرة كناية عن ضياع زمن وتعب كل من تحاول التقرب منه او ملاطفته او التعامل معه بشئ من الرقة، لذلك شعر ببعض الإحراج عندما سأل ملاك يوما عن هواياتها وكيفية قضاء أوقات فراغها ومرة شعر بالضحك المكتوم والأسف علي الجيل الجديد عندما سألها عن كاتبها المفضل فذكرت له عبد الحي يوسف وعندما سألها عن أشعار محجوب شريف شاعر الشعب والجمال والإنسانية أخبرته بأنها أول مرة تسمع بهذا الاسم ففضل مواصلة التدريب ولم يجد شئ سوي الصمت الأليم.
بعد مرور هذا الشهر المقلق واقتناعه بأن حب ملاك ملأ كل جوانحه وحطم كل مصداته قرر بينه وبين نفسه ترك العمل وتقديم استقالته والهروب الي خارج البلاد ولكن كيف يترك أمه ومشاريع الإنارة والتصدي للتلاعب من حوله وشعر بالحسرة وهو يسأل نفسه هل أصحاب القيم والمبادئ تنتابهم نزعات الانتهازية الم يقف بقوة ضد استغلال عمل الدولة في تحقيق مكاسب خاصة أولم يحذر من فوارق السن في الزواج والعلاقات الخاصة ويعتبرها جريمة حتي ولو لم يعاقب عليها القانون ولكن أليس هو في الأول والآخر بشر غير معصوم ومعرض لكل الاختبارات والضعف والانهيار وفي هذه الحالة ما جدوي النضال وتحمل الاعتقال وإساءته والاستعداد لتقديم حتي الروح فداءً للمبادئ إذا لم تكسب صاحبها مناعة للتصدي لمثل هذه الاختبارات ولذلك قرر البقاء في العمل ومواصلة عطائه والانتصار لتاريخه المجيد، ووصل العمل متأخرا عن مواعيده لأول مرة في حياته وعندما بدأ في تدريب ملاك كعادته سألته سؤال مباغت عن سبب تأخيره وحزنه وأحوال أمه وعن رغبتها في حضوره وأمه لزيارتها في منزلها للاحتفاء به وشكره علي تفانيه في تدريبها والمرحلة المتقدمة التي وصلت إليها بفضله، فامتلأت نفسه حسرة و سدت غصة أليمة حلقه ونظر مليا في هذا الوجه الملائكي ثم استأذن وخرج.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 668

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة