المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الخطاب الايدولوجي الموجه من الثقافات الغربية والعربية واثره على الثقافات الأخرى،،الثقافة السودانية نموذجا
الخطاب الايدولوجي الموجه من الثقافات الغربية والعربية واثره على الثقافات الأخرى،،الثقافة السودانية نموذجا
03-13-2012 03:19 PM

الخطاب الايدولوجي الموجه من الثقافات

الغربية والعربية واثره على الثقافات الأخرى،،الثقافة السودانية نموذجا

(2)


خالد يس
[email protected]

بين القيم والمفاهيم والسلوك:

القيم عبارة عن تحقيق للإنسانية على مستوى تاريخي وتتجسد القيم من خلال سلوكيات وتفاعلات محددة، ولذلك عند وجود مجتمع حقيقي وثبات نسبي للتحولات تأخذ تلك القيم إحالات مادية ظاهرة على المستوى السلوكي فتكون دالة على ذلك الفرد تاريخيا وإمكانية تحقق إنسانيته على مستوى المجتمع الحقيقي فنحن نتحدث عن رمز محدد بالنسبة للانا يحدد سلوكيات وتفاعلات محددة فالإحالات المادية السلوكية للقيم تكون على حسب التحولات والمجتمع الحقيقي فالفعل الإنساني ينبني على أساس ترميزي. لذلك عند الحديث عن القيم وسلوكياتها يكون هنالك دور للتاريخ في معرفة دلالة تلك القيم على الكلية فقيمة كقيمة الأب أو إلام أو المجتمع أو غيره من القيم الأخرى لا يمكن النظر إليها خارج اطار التاريخ والتحولات الاجتماعية ولكن عندما ينظر الأخر إلى تلك القيم من خلال ايدولوجيا (كلية قيمية ثقافية) فهو يري الإحالات المادية للقيم بعيدا عن تاريخيتها وكليتها. فمثلا في الثقافة الغربية ولاكتمال التحول على المستوى الثقافي مما أدي إلى عدم وجود مجتمع حقيقي يجسد الانا الاجتماعية للفرد، فالمجتمع في الثقافة الغربية هو عبارة عن أفراد متمايزين لذلك كان الأخر اما في مرحلة من مراحل التطور أو هو ضد تلك الرؤية فيعتبر بدائي ولذلك عند محاولة إعادة قراءة التاريخ من قبل الغربيين لم يستطيعوا ان يعوا بان المجتمع ليس حصيلة أفراد متمايزين فقط ولكن متكاملين كذلك فدفعوا بنظرية أيدلوجية التخلف والتي بدأت بنظريات مثل الداروينية والفرويدية وانتهت بالكلمات والأشياء ونهاية التاريخ لميشيل فوكو أو صدام الحضارات لصمويل هنتجتون وآخرين، نظرتهم للمجتمع نظرة تقييد أكثر من تكامل. ويرجع كل ذلك إلى الرؤية الكلية التي ترفض الاعتراف بالانا المجتمعية، ولذلك وقفت الآن رؤية الثقافة الغربية عن التمدد الاستيعابي ولجأت إلى العلوم الجزئية من اللغة إلى الفلسفة والاقتصاد في محاولة للمحافظة على التوازن الداخلي.

ان التداخل بين السلوك والقيم في الثقافات الأخرى أدي إلى ترميز ذلك الفرد على أساس سلوكي من قبل نخب الثقافة الغربية برغم ان الفعل السلوكي محاولة للدلالة على انسانية ذلك الفرد بناء على مرحلة تحولاته الداخلية والمجتمع الحقيقي. فالسلوك ليس تعبير عن قيم كلية ولكنه محاولة للتعبير عن الإنسانية ولذلك مع ضغط التحولات يمكن ان لا يعبر السلوك عن كلية القيم المجتمعية إذا كان مجتمع حقيقي أو تخيلي فلذلك على النخب ان تفصل بين السلوك والقيم وبين إنسانية الفرد وكذلك بين التحولات الاجتماعية والمجتمع الحقيقي حتى لا يتحمل الفرد كل أزمات الإنسانية التي تولدت نتيجة لتحول اعمي من قبل المجتمع ونظرية ايدولوجية من قبل النخب فللمجتمع والنخب دور أيضا في ذلك الفعل السلوكي.

ان الرؤية الكلية التي تقدمها الثقافة الغربية أو الثقافة العربية عبارة عن رؤية نتيجة لمحاولة صياغة قيم كلية تعبر عن الأنا وبالتالي فهي تعبر عن انسان ثقافة محددة برغم قصورها عن متابعة تحولات المجتمع الذي اتجه إلى التحول الاعمي ولكن عند تطبيق تلك الرؤية على ثقافة أخرى مثل الثقافة السودانية فهي تقصي الأخر ثقافي إذا كان على مستوى الثقافة الغربية أو العربية. فاعتماد النخب الغربية على الفردية في صياغة رؤيتها للإنسانية مع تحويل قيم الاجتماعية إلى المجتمع المتخيل دون رؤية الانا الاجتماعية داخل ذلك الفرد، ومع عدم وجود مجتمعات جينية يمكن ان تضيف للمجتمع المتخيل أدي ذلك إلى بناء تلك الرؤيا على تاريخية السلوك وليس على القيم. وقد كان الفرد في المجتمع الحقيقي يحقق ذاته من خلال قيم حقيقية متداولة تضيف للكل المجتمعي، ولكن بعد تكوين الهوية الثقافية بناء على تاريخية القيم فقد تم تاطير السلوك كدلالة قيمية إنسانية مما أدي إلى بعد الفرد عن ذاته الاجتماعية ويخضع بالتالي إلى رد فعل المجتمع التخيلي.

اما الثقافة العربية ونسبة لوجود المجتمعات حقيقية ومجتمع تحولات فقد أخذت الذات المجتمعية على الأنا الفردية وتم ربط المجتمع المتخيل بسلوكيات تلك الذات التاريخية مع عدم الوعي بالأخر إلا من خلال تلك الرؤية التي تم تاطير سقفها الأعلى على الذات العربية التاريخية، ولذلك أصبحت المجتمعات الأخرى عبارة عن فروع لتلك الذات حتى في رؤيتها لمجتمعها. فحظر الإله على مستوى الثقافة العربية داخل الهوية واعتماد النص الموازي كدلالة تعريفية بالإله أدي بنخب الثقافة السودانية عند تعامل أفرادها بين بعضهم البعض تلجا إلى الثقافة الغربية التي تفصل بين المجتمع باعتبارهم افرادا متمايزين وتلجا كذلك إلى رؤية الثقافة العربية عند التواصل بين الفرد والإله.

مع وجود الذات المجتمعة والذات الفردية ثم نفي الثقافات الأخرى التي لم تؤطر نخبها لإنسانية ثقافاتها ونسبة لتفوق الثقافة الغربية في اعتمادها كلية تستوعب كل افرادها نسبة لاكتمال التحولات عند لحظة التدوين، فكان نتاج النخب عبارة عن الفرد الكامل الذي تصب كل المعطيات القيمية والمجتمعية داخل تلك الذات، (كما نجده في النظريات العلمية وفي اكثرها اعلائا للقيم الغربية ما يتمثل في الأمم المتحدة أو صندوق النقد الدولي الذي يفرض مفاهيم اقتصادية قيمية تتبع للمدارس الاقتصادية الغربية لتطبق على الدول الأخرى دون اكتراث لقيم تلك المجتمعات ونظرتها الاقتصادية)، فالمجتمع في نظر الثقافة الغربية عبارة عن أفراد متمايزين دون الوعي بالمحمول المجتمعي الداخلي للفرد وهو ما لا يجد انعكاس على مستوى الثقافة الغربية لاكتمال مرحلة التدوين والتحول فلا وجود لمجتمع حقيقي على مستوى الواقع الغربي خارج اطار المجتمع التخيلي، وكذلك داخل رؤية نخب الثقافات الأخرى التي تطبق قيم الثقافة الغربية. ونتيجة للتحولات الاجتماعية تم فرض ذلك النموذج على الثقافة السودانية وفق تلك الإحالات المادية السلوكية، فأصبحت الدولة مقسمة ما بين الذات الفردية والذات المجتمعية أي التواصل بين الذات والأخر والتواصل بين الذات والإله. ولان الإله المتجرد يتجاوز الإحالات المادية للثقافة ولعدم إمكانية وجود رؤية استيعابية في التحولات الثقافية للثقافة العربية يمكن بها ان تستوعب الفرد كما في حالة رؤية التطور في الثقافة الغربية (وذلك لان التدوين قد تم في داخل الثقافة العربية قبل اكتمال مرحلة التحولات مما أدي إلى رؤية لا تستوعب الفرد أو المجتمع خارج اطار الثقافة) فقد وقفت رؤية الثقافة العربية عند التواصل بين الذات والاله على حسب الرؤية المصاغة كليا عند مرحلة الاستيعاب الثقافي التاريخي وتجمدت علاقة الانا والاخر واستمرت على أساس التحول الاعمي للمجتمعات.

وهنا نري اثر التاريخ على مراحل الاستيعاب ففي حالة وجود رؤية كلية يمكن ان تستوعب مراحل التحولات كانت المجتمعات سوف تسير إلى الأمام في استيعابها للأخر على أساس إنساني ولكن نسبة لعدم رؤية الأخر إلا على أساس الانتماء الثقافي أو الأخر الضد، كان يتم تجاوز التحول الأعمى الذي أنتجه المجتمع والعودة إلى مراحل سابقة للتاريخ بناء على اعتبار تلك المراحل باعتبارها مراحل ضرورة وليست أصيلة في الحياة الإنسانية من قبل النخب المجتمعية إذا كان من قبل الثقافة العربية في تواصل مجتمعاتها مع كل العالم ومع نخب تقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب لذلك يمكن ان نجد فرد عند تحوله من نخب اجتماعية إلى نخب ثقافية ان ينفي عن الاخر كل إنسانيته ولو احتك به وتعامل معه والنفي هنا نفي تاريخي للإنساني والمجتمعي وليس نفي لشخصية محددة أو مجتمع محدد وذلك لعدم استيعابه من قبل الرؤية الكلية.

تدوين الثقافة السودانية:

فإذا كانت الثقافة السودانية يمكن ان تدخل إلى عالم التدوين (والتدوين هنا يعني أولا الاعتراف بقيم الثقافة من قبل مجتمع التحولات ثم بعد ذلك النظر إلى المجتمعات على اساس انساني) فان الوعي بالذات المجتمعية التي تتجسد من خلال الفرد واثر التحولات الاجتماعية على سلوك ذلك الفرد هو الإطار المرجعي لتلك الثقافة دون نفي للذات الإنسانية أو الكل المجتمعي مع الوعي بمفهوم التحولات كمفهوم مرجعي في مقابل مفهوم التطور الغربي الذي جمد المجتمعات داخل ذات تدور حول الأنا الغربية ومن ثم الضغط على المجتمعات الأخرى من خلال تلك الرؤيا، وعدم الاعتماد على الانا العربية التي يتم تجسيدها من خلال المجتمع التخيلي العربي وكذلك الوعي بالإله الذي يتماهي مع التاريخ والواقع الثقافي المحدد.

ان مفهوم التحولات يمنح مساحة لرؤية الأخر من خلال ذاته وموقفه من الأخر الثقافي وتكوين المجتمع التخيلي على أساس انساني وإمكانية استيعاب الأخر الثقافي وممارسة إنسانيته من خلال المجتمع التخيلي كما يعيد إلى النخب الثقافية دورها في قيادة مجتمعاتها نحو استيعاب حقيقي للأخر الإنساني وإعادة دور التاريخ نحو وعي إنساني كلي خارج إطار رؤية ايدولوجية محددة.
ويمكن للسودان ان يمثل نموذج نخبوي فاعل نسبة لتعدد ثقافاته ولضغط التحولات الذي فرض على المجتمع ولذلك استطاع ان يستوعب الأخر كانسان من خلال التحولات المجتمعية للمجتمع الأعمى ووجود مجتمع تحولات متماسك وهو مجتمع الوسط كل ذلك يمكن السودان من انشاء نموذج فاعل بعيدا عن ايدولجيات الثقافات العربية والغربية، فالبداية من المجتمع الحقيقي الذي حافظ على بقاء أفراده من خلال مراحل الاستيعاب والتحولات أي ما قبل النخب الثقافية، فالبحث عن النخب الاجتماعية داخل المجتمعات لرؤية كيفية فاعليتها على مستوى التواصل بينها وبين الثقافات أو المجتمعات الأخرى وفصل المجتمع التخيلي عن التواصل المباشر مع الأفراد باعتبارهم ذات فردية ولكن التواصل عبر مجتمعاتهم الحقيقية أو الوعي بتحول أولئك الأفراد والمساهمة في إنشاء كلية قيمية تشمل مجتمع التحولات والمجتمعات الحقيقية وتستطيع ان تلبي الحاجات الإنسانية للفرد من خلال التواصل المباشر بالاعتماد على ثلاثية الفرد والمجتمع والمجتمع التحولي. فالمجتمع النخبوي مقيد برؤية جزئية لذاته وهي رؤية الأنا العربية التي تتمثل جينيا على مستوى المجتمع، تلك الرؤيا التي اقعدت النخب في سبيل استيعاب جزئها الاخر الذي يتدرج من الوسط إلى ان يصل إلى الأطراف التي تحتفظ بكليتها المجتمعية بعيدة عن ضغط التحولات الوسطي. ولكن مع وصول ضغط التحولات إلى مداه في فرض الثقافة الغربية لمجتمعها التخيلي (الدولة) وفرض رؤية الثقافة العربية عبر قيمها المجتمعية اسهم كل ذلك في ضغط التحولات القسري بين مجتمع التحولات ونخبه وبين المجتمعات الحقيقية التي اسهمت في انتاج المجتمع التحولي.
كل ذلك يجب ان لا يعمينا عن ما أحدثته الثقافة الغربية فيجب في التحولات الاستفادة من الأخر فداخل التحول الأعمى يوجد الجزء الإنساني الذي تم فقده في الرؤية الكلية للنخب فجدلية الذات والأخر على مستوى الثقافة الغربية والتحولات الثقافية في ثنائيتها ما بين التحول الأعمى والاستيعاب قد أثبتت جزئيا جدواها لعدم وجود المجتمع الحقيقي اما في الحالة السودانية وبوجود المجتمع الحقيقي يمكن للنخب ان تحدث تكامل للمجتمعات في قيادتها نحو التحولات بتلك الجزئيات اما الاستفادة من الرؤية العربية فتكون بكيفية المحافظة على الهوية المجتمعية وذلك باستيعاب الأخر الثقافي داخل تلك الرؤية فالمحافظة على رؤية الفرد لذاته المجتمعية هو الدافع في قبول المجتمعات لرؤية النخب التي تلامس تلك الهوية.

بين العقل المتجرد والثقافة:

ان وجود كلية قيمية محددة مصاغة على مستوى الفكر والفكر هنا يعبر جزئيا على مستوى النخب الاجتماعية في بناء التحولات وإمكانية الاستيعاب، اما على مستوى ثقافي فيعبر عن رؤية كلية من خلال مفاهيم محددة، والعقل ليس خارج إطار الفعل الثقافي فهو يعبر عن مرحلة التحولات للفرد أو المجتمع وعند تقاطع الفعل العقلي الجيني الذي يحتوى على التحولات الجينية والمجتمعية والكلية المصاغة من قبل النخب الثقافية في هذه الحالة يبقي الفعل نتاج لذلك العقل الجيني والقول نتاج للكلية المصاغة ثقافيا ويتداخل هنا التحول الثقافي مع الاستيعاب المجتمعي داخل الفرد الواحد وتختلف دلالة الاحالات هنا ما بين إحالة قولية وإحالة سلوكية ما بين الذات والأخر (فالفعل التجريمي عند الذات عبارة عن سهو أو غفلة أو قدر ولكن نفس الفعل عند الأخر عبارة عن قصد وسبق وإصرار ...). فيتم تحوير القيم السلوكية بناء على التحولات الاجتماعية مع بقاء المركزية التاريخية في الصياغة النخبوية التي تتيح للنخب السعي داخلها لانجاز جزئياتها التي تظهر مع التحولات الثقافية فالنظرية ترتكز في صياغتها على الواقع الاجتماعي أو الثقافي ولذلك عند التطبيق تلجا النخب إلى الابتداع من داخل تلك النظرية أو الرؤية فإذا اخذنا ثقافة الانا الغربية أو المجتمع العربية نجد ان النخب الأولى في التدوين قد شيدت كليات ولذلك كان تفرغ النخب التي اتت بعد ذلك كل في مجالة لانجاز جزئية متوافقة مع الكلية النظرية أو الرؤية الثقافية للإنسان. ولعدم صياغة رؤية الثقافة السودانية نظريا وعدم وجود كلية تتجاوز بها الثقافة السودانية رؤية الثقافة العربية والغربية أدي كل ذلك ان تكون النخب السودانية تابعة للأخر الثقافي في صياغة جزئيات بعيدة عن الواقع الإنساني السوداني.

وتعتمد الكلية الثقافية على مركزية الأنا في الأساس كما نراها في الثقافات العربية والغربية ويكون الأخر تابعا لتلك الثقافة فيتم تصدير القيم الثقافية كقيم عالمية تتجاوز التاريخ والثقافة (وذلك باغلاق باب الكليات إذا كان على مستوى العلم الإنساني أو الاجتهاد الفقهي على أسس ثقافية وفتح الجزئيات لتدعيم تلك الكلية) وقد اعتمدت الثقافة الغربية في تصدير قيمها إلى المجتمعات على محور العلم كمحور أيدلوجي يتم من خلاله تمرير كل القيم الثقافية كقيم علمية كما نري الآن في الدولة العصرية والتي هي فوق الجميع رغم انها بناء متخيل في الأساس ولكن تم اعتمدها كمقياس استيعابي للأخر فقرب الأخر أو بعده عن الأنا الغربية يتمحور حول احتوائه على جزئيات الثقافة الغربية من الدولة إلى ديمقراطية الفرد إلى العلمانية إلى القيم الاستهلاكية هذا من خارج الثقافة، اما إذا نقدنا الرؤية الغربية على ضوء ثنائية التحولات الاجتماعية والاستيعاب فنجد ان اكتمال التحولات وبالتالي عدم وجود مجتمع حقيقي قد أدي إلى صياغة الرؤية الكلية بناء على القيم السلوكية التاريخية لحقبة محدد وبالتالي تمركز الثقافة داخل حقبة زمنية دائرية تعيد تكرار نفسها دون ان تضيف للمجتمع الغربي جزء من أدواته المفقودة بل كان الضغط في اتجاه الرؤية الفردية ضرورة لمواصلة تلك الرؤية التي تم اعتمادها من قبل الثقافة الغربية فحوجة المجتمع إلى قيم حقيقية تلبي إنسانيته داخل المجتمع التخيلي وكذلك إلى رؤية دينية تعيد صياغة معني الإله داخل رؤية النخب الكلية على مستوى الثقافة الغربية كل ذلك لا يقابل باي رد من قبل النخب الغربية التي واصلت بعدها عن صياغة الكليات وادمنت على صياغة الجزئيات التي تحافظ بها على تلك الرؤية ويأتي ذلك الثبات النسبي لتلك الايدولوجيات الغربية والعربية كذلك لعدم وجود ضغط تحولات من قبل النخب الأخرى.
فإذا نظرنا إلى ما يقدمه لنا الفكر الغربي عن الكلية الإنسانية كما صاغه دارون في أصل الأنواع نجد الشك يتسرب إلينا أكثر من اليقين في تفسيره لنشأة الإنسان الذي يقوم على التطور ورغم اتفاق علماء الثقافة الغربية إلى ان الإنسان أصل مغاير لكل الانواع الحياتية والتي ارتكز عليها دارون في سلسلة التطور انتهاء بالإنسان مع وجود حلقة مفقودة بين هذا وذاك إلا ان الثقافة الغربية لم تقدم البديل حتى الآن عن الدارونية إلا بالتجديد من داخلها فقط وهي الجزئيات التي تحدثنا عنها عندما تتمركز النخب حول نظرية محددة وإعادة بنائها وهو ما يعني عدم وجود تفسير اخر للإنسان ودافع النخب ليس في تفسير كيفية خلق الإنسان أو تطوره ولكن في صياغة نظرية موافقة للكلية الثقافية وهي نظرية الإنسان الفرد الذي يتخلق من خلال التنشئة ويقوم جينيا على مستوى الانتخاب الطبيعي وهو ما تتراجع عنه الثقافة الغربية يوميا عندما تعترف بالتأثير الجيني من مستوى الفكر إلى مستوى السلوك ولكن تكبلها بنظرية كلية محددة لا تستطيع الخروج عنها أدي إلى وقوف تلك الأفكار حائرة إلى أي مدى يصل التأثير الجيني على المستوى الفردي في ظل نظرية التنشئة والانتخاب الطبيعي؟!!

ويمكن ان نواصل أكثر لنصل إلى الفرويدية لنري كيفية استيعاب الثقافة لسلوكيات وقيم من خلال كلية محددة ونجد مدى معضلة الشك ايضا من تلك النظريات، وينساب ذلك إلى كل العلوم الإنسانية التي تقدمها الثقافة الغربية كبديل لرؤية الذات عند الثقافات الأخرى. فنظريات الأنا والهو والوعي وللاوعي واللبيدو الذي يكون وعي الإنسان في ظل صراع الابن مع الأب والبنت مع الأم إلى غيره من محاولات تفسير قيم مجتمعية لا تؤدي إلى كلية إنسانية بل إلى أفراد متمايزين عن بعضهم البعض لا يجمعهم إلا تمركز ذلك الصراع على مستوى اللاوعي فقط.

فالتحولات إذا تخضع لرؤية مزدوجة من جانب نخب الثقافة المعنية ومن جانب الثقافات الأخرى فمن جانب النخب الثقافية نجد ان النخب تعمل على صياغة كلية بناء على الهوية الذاتية الداخلية والتي تتمثل في الإحالات المادية المباشرة للمفاهيم اللغوية داخل الثقافة التي تمتلك فيما بعد بعدا ايدولوجيا محددا تدور النخب حولها في العملية الاستيعابية لتوسيع تلك الرؤية اما من جانب الثقافات الأخرى فهي تحاول تفكيك تلك الرؤية اما بناء على رؤية مقابلة مثل ما يحدث بين الثقافة الغربية والعربية وإعادة الاستيعاب اما عن طريق التحول الأعمى بناء على ضغط التحولات المجتمعي. كل ذلك يظهر كيفية عمل مراحل التحولات والاستيعاب على مستوى النخب في التداخل ما بين المقولات والمفاهيم وبين الإحالات المادية عند بداية التحولات فتوقيف التحولات الثقافية عند نقطة محددة واعتبارها النموذج المجتمعي هو الذي يؤدي بالنخب إلى النظر إلى مظاهر الأشياء أو البحث في محددات خارجية باعتبارها الذاتي أي بانفصالها التاريخي والكلي مما يؤدي إلى اللجوء إلى ترميز تلك القيم على مستوى مفاهيمي ببلورة كلية حول تلك القيم من قبل النخب. وهنا نجد فعلين الأول هو الاستيعاب وذلك من خلال ضغط التحولات بين الذات والأخر والثاني هو التحولات ولكن وفق رؤية مسبقة للانا مع بعض التغييرات من قبل النخب والمجتمع، فتتجه النخب إلى الخلف بالتمسك بتلك الرؤيا التي صاغتها ككلية ويتحرك المجتمع إلى الأمام ولكن وفق التحول الأعمى وهو تحول يخضع فقط لضغط التحولات دون وجود استيعاب من جانب النخب للمراحل الجديدة بالنسبة لمجتمعاتها فيلتزم المجتمع بتقديم أسئلة متكررة عند كل انعطاف للتحولات وتجيب النخب بزيادة توسيع لكلية ثابتة وذلك بتوسيع درجة تلك الكلية لتستوعب حتى المتناقضات وفق تبرير تلفيقي ظاهر ومع انعدام البديل يؤدي ذلك إلى الثبات النسبي لتلك الرؤية.

ومن هنا تظهر النخب كتابع للمجتمع في سعيها لتوضيح كل ما يعترض سبيل الايدلوجيا التي شيدتها والتي تعني في دلالتها الداخلية على هوية الثقافة المعنية اما في مظهرها الخارجي فنجد ان مجتمع الثقافة المعني قد تجاوزها كما تجاوزتها الثقافات الأخرى ولذلك نجد فائدة تلك الرؤية بالنسبة للنخب الثقافية هو تعريفها للانا الكلية فالنخبوي لا يستطيع ان يحي إلا من خلال مجتمع يؤمن بتلك الرؤية لتكون الإحالات المادية قريبة من الرؤية الكلية اما فائدتها المجتمعية فنجدها في فصلها بين الذات والأخر وعدم تقيدها في تعاملها مع الأخر برؤيتها للإنسانية.

اما على مستوى السودان فسعي النخب من خلال كليتين مختلفتين أدت إلى تقاطعات لم تستطع معه النخب إلى استيعاب الاخر النخبوي وبالتالي كان تأثير النخب على المجتمعات تأثير سلبي وتحديدا بعد اعتماد نظام المجتمع التخيلي الغربي المتمثل في الدولة الذي أدي إلى تجاوز النخب المجتمعية إلى النخب الثقافية التي لا تمت إلى الواقع بصلة في نظرتها إلى الإنسانية ولذلك فشلت ولازالت تفشل النخب الثقافية في ادارة المجتمعات السودانية رغم مرونة المجتمع السوداني نتيجة لضغط التحولات الذي عايشه وتحديدا مجتمع الوسط الذي هو نتاج لكل المجتمعات السودانية ولازالت النخب تتمترس خلف كلية تري من خلالها ذاتها وتري بها المجتمع والعالم.

فهل نحلم ببناء كلية حقيقية تقوم على قيم إنسانية نابعة من داخل المجتمع ونحلم بان يسترد النخبويون مواقعهم في صدارة المجتمع للبحث والتقصي في تحولاته التاريخية حتى تعبر الثقافة السودانية عن كل أفرادها وكذلك مجتمعاتها، ولابد أولا من القطيعة مع المفاهيم المؤدلجة للثقافة الغربية وكذلك الثقافة العربية ولكن لنحولها إلى مفاهيم تتجاوز الإحالات المادية المباشرة ونبحث داخلها عن معاني يمكن ان تفيد في صياغة إنسانية سودانية. فيمكن الوعي بالإحالات المادية التي تمت من جانب النخب لصناعة كلية انسانية فردية في الثقافة الغربية من خلال نظريات الداروينية وديمقراطية الفرد واقتصاد السوق التي فرضتها النخب الغربية من خلال صياغتها للكلية الثقافية في صورة أحادية لا تقبل التحول كما يتم تجسيدها على مستوى الواقع الآن ولكننا مع مبادئ أولية لتلك القيم في حياة كريمة لكل الشعوب بغض النظر عن شكل الذي ترتضيه الشعوب لنفسها دون تدخل من البنك الدولي أو المؤسسات الأخرى التي تفرض شكل محدد لحياة الإنسان. وكذلك يمكن الوعي بالإحالات المادية التي تمت للذات العربية من خلال محاولات الاستيعاب التي تمت في الثقافة العربية أنتجت نظريات مثل الإمامة والاقتصاد الإسلامي ومحاكم التفتيش من مؤمن ومن كافر ولكن ذلك لا يمنعنا ان نبحث داخل تلك المراجع عن جزئيات نادرة لاستيعاب الاخر كما هو. فالإحالات المادية للقيم إلى قوانين يجب ان لا تتجاوز المجتمع الحقيقي في تحولاته الاجتماعية، فالبحث عن الإنسانية لا يعني الاحتراب مع الاخر ولكن استيعاب تحولات ذلك الاخر، كل ذلك كان يمكن ان يستفاد منه في التحولات الثقافية للمجتمعات السودانية لولا تقيد النخب الثقافية بكلية ثقافية خارج اطار الثقافة السودانية. وهذه الأمثلة لكيفية البحث عن الجزئيات داخل كل فكر مهما كان اختلافنا معه يمكن ان يضيف للثقافة ولكن أخذها كما هي في احالاتها المادية فلا تفيد المجتمع بل تؤخر مراحل الاستيعاب والتحولات.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 913

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد يس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة