المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الخطاب الايدولوجي الموجه من الثقافات
الخطاب الايدولوجي الموجه من الثقافات
03-15-2012 07:05 PM

الغربية والعربية وأثره على الثقافات الأخرى
الثقافة السودانية نموذجا (3)


خالد يس
[email protected]

واخيرا وليس اخرا هي دعوة لكل النخب السودانية لإعادة طرح الأسئلة الكلية بناء على جزئيات الواقع السوداني وذلك بان نختبر الفكر بالواقع وليس الواقع بالفكر. وهي أيضا دعوة لرؤية فلسفية يكون المنطق بها هو ما تستوعبه تلك الرؤية من قيم وتحولات المجتمعات السودانية، وان لا تعجزنا الخطوات الكبيرة التي قطعتها الثقافات العربية والغربية في التدوين من ان نحاول من رؤية واقعنا السوداني. وإذا كانت تلك الثقافات قد استفادت من الرسالات الإلهية الارشادية فنحن سنستفيد من الاثنين وذلك برؤية تلك الثقافات في تحولاتها الاجتماعية واثر الرسالات الارشادية عليها.
ان من أول خطوات التحولات هدم الترميز الذي تكون اثناء بناء الكلية الثقافية عند اعادة الاستيعاب للثقافة الغربية في تقديمها للعلوم الإنسانية كغاية للهوية الإنسانية أو العلوم الشرعية وعلوم اللغة وغيرها على مستوى الثقافة العربية كغاية للهوية الإلهية التي تمر عبر ما هو ثقافي فعند الوصول إلى تلك الدلالة الإنسانية لكل ذلك المنتوج يحولها من مقولات تتجاوز الواقع الثقافي المعين إلى دلالتها الثقافية ثم القيمية والسلوكية في إحالاتها المادية، وعليه يمكن ان نري ان الاستقرار النسبي لتلك المجتمعات (مع وجود تحولات داخلية استيعابية غير مؤدلجة) وعند مرحلة محددة تفقد القيم كليتها أي لا تخدم كل المجتمع وتصبح مقيدة للتحولات أكثر من انها مفيدة للتواصل الاجتماعي فيجب تحليل الرمز إلى معانية الأولية وهنا لا نلغي الهوية الغربية أو العربية ولكن نحلم بفك أسرها من رؤية الأخر كأخر وليس كانسان كامل كما في الإنسان العربي أو الإنسان الغربي بالإضافة إلى ذلك نحاول ان نجد إمكانية لصياغة إنسانية سودانية خارج إطار تلك الرؤية.
ان التحولات التي تقودها المجتمعات هي تحول اعمي نسبة للرمزية التي يعطيها ذلك التحول للأفراد وليس للمفاهيم فكما رأينا على مستوى كل المجتمعات كانت القطيعة مع النظام القائم هي رمز التحول ولكن ما يوجد في داخل ذلك النظام من فوائد جزئية وما يأتي بعده فهو ليس من اختصاص المجتمعات ولكن من اختصاص النخب فعند تقاعس النخب عن التغيير يقوم المجتمع بقيادة التحولات نحو المجهول فهو ضد ما هو قائم ولكن ليس مع بديل محدد لذلك كانت التحولات الاجتماعية في السودان تقوده إلى المربع الأول. فالشعارات التي ترفع إذا لم تكن لها طرق واضحة داخل المجتمعات لتنفيذها ستظل معلقة في الهواء كما هي مثل شعارات الديمقراطية والعدالة والمساواة فالديمقراطية في بلد كالسودان إذا لم تعبر عن الفرد وأسرته ومجتمعه وصياغة تلك العلاقة على شكل قوانين تخدم كل الأطراف دون ان تكون متحيزة للإنسان الكامل كما في تحولات الثقافة الغربية أو إلى المجتمع العربي كما في حالة الاستيعاب من قبل الثقافة العربية فألانا في الثقافة الغربية سلوكية تفصل بين الفرد والأخر بينما في الثقافة العربية عبارة عن مزيج من السلوكية والهوية.
ان النخب السودانية ظلت تقوم بالدفاع عن كلية الأخر الثقافي فكل فرد منهم يعتمد على قوالب محددة دون ربط بين المفاهيم ومدلولاتها الثقافية فهنالك من ورثوا الرؤية العربية مثل القوميين العرب أو الرؤية الدينية ليس بنقد حقيقي لتلك النظريات ولكن كما هي فنري السني وينقسمون على كل الأطراف من الأخوان المسلمون وأنصار السنة وحتى ظهور الخوارج في هذا العصر ورغم المحاولات الجادة التي كانت من قبل محمد احمد المهدي ومحمود محمد طه والمحاولة التي يسير عليها حسن الترابي وكذلك المحاولات التي تمت من قبل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وبرهان غليون ومحمد سعيد العشماوي وغيرهم كثر، وإذا كانت هنالك رسالة يمكن الإشارة إليها فهي رسالة محمد عابد الجابري (مدخل إلى القران الكريم – الجزء الأول التعريف بالقران) فهي الرسالة التي بدأت رؤية الإحالات المادية للمفاهيم القرآنية على مستوى الثقافة العربية. اما المنتمين إلى القيم الغربية من جانب النخب السودانية كانت محاولة اعادة الاستيعاب لمفاهيم الثقافة الغربية تتم دون صياغة كلية سودانية لذلك نجد ان المجتمع السوداني لم يبد اهتماما بالديمقراطية رغم وجودها على مستوى الواقع لعدة مرات لتقاطعها مع ما هو ثقافي ولم يكن هنالك من ينادي بنقد اركولجي للثقافة الغربية من العلمانيين والديمقراطيين وذلك بعدم الاعتماد على النظريات الجاهزة تحديدا في العلوم الإنسانية لأنها لا تمت الى الواقع بصلة ولكن يمكن البحث داخلها على ما يفيد المجتمعات فالذي يتحدث عن الديمقراطية الليبرالية يتحدث عن واقع ثقافي اخر وبالتالي يفترض إلغاء مفهوم المجتمع كما نراه الآن مجسدا فالدولة في الديمقراطية الليبرالية لا تتعامل مع مجتمعات ولكن تتعامل مع أفراد فالدولة يمكن اعتبارها أب للجميع فهي تتدخل بين كل افراد المجتمع وتفرض قيم محددة من داخل الاسرة إلى هرم الدولة وغيره من السلوكيات الكثيرة التي تحتاج إلى وقفات حولها لنقدها وتجريدها من الأبعاد الأيدلوجية العلمية لرؤيتها ثقافيا. فيجب ان تدعم السلطات القيم المجتمعية السودانية وقبل ذلك ان تري في الإنسان السوداني هو إنسان قبل السلوك والفكر وتري في مجتمعاتها مجتمعات إنسانية وأكثر، وهذا ما لم نجده في كل الحكومات فهي قامت على سلب الجميع السلطة وتكريسها على مستوى هرم الدولة ومجتمع التحولات فهدمت العمد والمشايخ وكافة أشكال الإدارة الأهلية التي قامت وفق التحولات الاجتماعية لممارسة دور محدد فإذا وصلنا إلى قناعة بان دورها قد انتهي فيجب على البديل ان يكون من داخل قيم المجتمع وليس استجلاب قيم مجتمعات أخرى وغرسها داخل المجتمع السوداني.
وهنا نجد ان الوعي بالتحولات المجتمعية يدفع النخب من خلال التحولات والاستيعاب إلى التعامل مع الاحالات السلوكية كقيم انسانية بعيدا عن التجريم ونظرة الاخر غير الإنساني ولذلك في حالة صياغة القوانين يكون هنالك مراعاة لتحولات ذلك الفرد فالتعامل المباشر بين الفرد والمجتمع التخيلي (الدولة) يجعل الفرد بعيدا عن إنسانيته التي تجسدها المجتمعات الحقيقية وتحديدا عند صياغة المجتمعات على رؤى ايدولوجية باعتبار ما تجسده المجتمعات العربية أو شبه العربية في السودان هو النموذج وعلى الاخر ان يقبل تلك السلوكيات أو يكون عبارة عن اخر رغم وجود التداخل الثقافي ولكن تشكل الكلية العربية الايدولوجية يمنع من وجود الهوية الإنسانية السودانية.
ويجب الوعي من قبل النخب بان المجتمع يكمل بعضه حتى ولو كان ظاهره التنافر لذلك يجب الاستفادة من فكر الأخر ونقده وتحليله إذا كان أخر فكرى أو أخر ثقافي ويجب وقف منهج الرفض والتكفير الذي تمارسه كل الفئات من إسلاميين إلى علمانيين. فإذا نقدت الفكر الإسلامي فأنت علماني وإذا نقدت الفكر العلماني فأنت إسلامي فيجب وقف كل ذلك لعدم وجود الواحد الصحيح فالكل نسبي أمام الحقيقة. وإذا كان هنالك من بداية للتلاقي بين النخب الثقافية فيكون المجتمع الحقيقي وليس المجتمع التخيلي فمن هنا يمكن ان نصيغ إنسانية سودانية تعبر عن أفراد الثقافة التي أنتجت مجتمع الوسط كمعبر عن الكلية الثقافية.
ان المجتمعات تخضع المقولات والمفاهيم لإحالاتها المادية السلوكية ولذلك نجد في التغيير الأعمى الذي تقوده الشعوب يتم ترميز تلك المفاهيم من خلال الأشخاص والسلوكيات المحددة بأنهم سبب الأزمة التي يمر بها ولذلك يكون تغيير الشخص أو شكل الحكم هو الهدف وليس سبب قصور ذلك الشخص. وعلى النخب ان تعي ان الترميز الذي تمده بها المجتمعات هو ترميز تاريخي يخضع للتحولات الاجتماعية فالدفاع عن الرمز يعني دفاع عن الإنسانية التي يجسدها ذلك الرمز فتداعي الرموز يعني تداعي الإنسانية تاريخيا لؤلئك الأفراد ولكن مع التحولات الاجتماعية ولاختلاف أفراد الثقافة يمكن ان يتحول الرمز من الدلالة الإنسانية إلى الدلالة على الأخر إذا تقاطعت رؤية ذلك الرمز مع إنسانية المجتمع في تحولاته.
ان التحولات الاجتماعية كانت دائما ترتفع في المنحي المعنوي مع استصحاب النخب لنوع الترميز ففي كل مرحلة كان يتم ترميز جديد يستوعب ما سبقه كانت المجتمعات تتجاوز الاثنين معا في سعيها البنائي لقيم محددة تتجاوز بها قيم سابقة وتفرض على النخب بالتالي التعاطي مع واقع جديد. فنجد محاولات الاستيعاب التي تقوم من داخل رؤى مسبقة تتحول من مدرسة إلى أخر في سبيل استيعاب تلك التحولات، مثل بروز الماركسية في فترة ما والقومية والديمقراطية والمدنية الإسلامية من جانب النخب في محاولة لاستيعاب تحولات المجتمع.
ان اللغة كاداة من أدوات اعادة الاستيعاب وصياغتها داخل مقولات ومفاهيم من قبل والنخب تسعي لصياغة وعي بكلية اجتماعية اكبر واستيعاب لقيم الاخر ومحاولة بلورتها داخل المجتمع (وذلك عند التحول من النخب المجتمعية إلى النخب الثقافية) وعند اكتمال تلك الكلية يتم تجزئة العديد من النخب داخل الثقافة للغوص داخل قيم محددة وتجزئتها باعتبارها كلية في ذاتها. وهو ما استوعبته الثقافة الغربية والعربية فدفعت بنخبها داخل تلك الكلية فتفرعت إلى جزئيات يمكن رؤيتها من الخارج باعتبارها كلية قائمة بذاتها ولكنها في أساس جزء من الكلية الثقافية. ففي الثقافة العربية نجد علوم اللغة والفقه والحديث والتفسير والتاريخ كل تلك جزئيات لكلية اعم، اما في الثقافة الغربية فنجد علوم الإنسان التي اتجهت إلى الفلسفة وعلم الاجتماع والنفس وغيرها ولكن وفق كلية ثقافية محددة مسبقا. اما على مستوى الثقافة السودانية لم نصل إلى كل ثقافي يمكن ان يقود تلك النخب إلى بلورة ثقافة عالمية فكان التقاطع الداخلي بين النخب والمجتمعات والذي أدي إلى بحث النخب عن كلية من خارجها ومع كل مرحلة تحولات تتساقط قيم أو تتحور لتقريب المجتمعات والوعي الداخلي وهو تساقط قسري نتيجة لضغط قيم المجتمع وقيم الاخر الثقافي دون وجود استيعاب حقيقي يؤدي إلى تحور لتلك القيم حتى لا تأثر سلبا على الكل المجتمعي هذا على مستوى المجتمعات الحقيقية في الاطراف ونوعا ما في الوسط، اما على مستوى المجتمع التخيلي (الدولة السودانية) فنجد تساقط أو عدم استيعاب قيم المجتمعات الحقيقية يؤدي إلى رفض الأخر من جانب من يحملون الرؤى الايدولوجية للثقافة الغربية والعربية.
ان تمدد الثقافة يفترض المرونة على مستوى القيم الداخلية وتكون تلك المرونة في أكثر صورها على مستوى النخب والتي فقط تنطلق من داخل قيم المجتمع للخارج لذلك يكون هنالك نوع من التوازن بين المقولات والمفاهيم والإحالات المادية ولكن ذلك ما لا يحدث على مستوى النخب السودانية لضغط التحولات مع ثقافات تمتلك هوية داخلية في شكل قيم كمحددات للحفاظ على ذاتها مع ضغط الأخر فنجد على مستوى الثقافة الغربية العلم كمحدد لا يمكن تجاوزه رغم البعد الظاهر ما بين العلوم الطبيعية والإنسانية ولكن تم تجاوز ذلك بابتداع نظرية النشوء والتطور التي أوجدت مخيل اجتماعي للإنسان الغربي كرائد للثقافات ونظريات فرويد الغريزية وليست الإنسانية فتم تكوين علم إنساني في سبيل الحفاظ على الهوية الغربية لإنسان تلك الثقافة ولصياغة تلك الرؤية بناء على الأنا والأخر وهو ما افقدها استيعاب الأخر على أساس إنساني لجأت في المحاولات الاستيعابية لفائدة إنسان الثقافة الغربية إلى العلوم الجزئية كاستيعاب التحولات الداخلية وتصدير الرؤية الكلية من غير تلك الجزئيات إلى الثقافات الأخرى.
اما على مستوى الثقافة العربية فنجد الاعتماد على الميتافيزيقي في بقائها بتأسيس ذاتها كأفضل الثقافات ليس علميا ولكن إلهيا ولذلك فقيمها هي الحل لكل ازمات الثقافات الأخرى وتم احاطة ذلك أيضا بجزئيات ما يسمي بالعلوم الشرعية وتم تسوريها بإطار من الترميز الذي تشكل في صورة القدسية إلهية التي هي فاعلة على مستوى الواقع الثقافي وتتجاوزه إلى الثقافات الأخرى كمحددات سلوكية وتبقي عند الثقافة العربية كهوية فقط مع استمرار التحولات التي تقودها المجتمعات. وكما بنت الثقافة الغربية العلوم الإنسانية على قدسية العلوم الطبيعية (التي تلاشت مع النظرية النسبية ونظرية الكم وغيرها).
وعند دراسة التحولات والاستيعاب نري من حيث الدراسة الثقافات في صورة منفردة مثل ضغط وتحولات الثقافة الغربية وكذلك الثقافة العربية ثم تأثير كل ذلك على الثقافة السودانية ولان ما يهمنا هو المجتمع السوداني فنري في التحولات احتكام النخب الاجتماعية في فترة من الفترات على المجتمع في تقييم تلك النخب ووصل ذلك الضغط ما بين تلك الثقافات والنخب إلى تبني النخب لتلك الرؤى والسير على أسسها لرؤية مدى تحقيق تلك القيم لإنسانية الفرد وكانت المجتمعات هي الحكم فمدي مساهمة تلك القيم في جعل ذلك الفرد (النخبوي) فاعل على مستوى الواقع الاجتماعي كان ترميز تلك القيم كقيم ايجابية ومع ذلك استمرت القيم الاجتماعية ولكن بصورة ما يمكن ان تكون خارج التاريخ نسبة لعدم اعتمادها من قبل النخب لدراستها ورؤية مساهمتها في الكل ولكن تجاوزتها النخب وتحولت إلى قيم أخرى بعيدا عن بناء كلية للثقافة السودانية.
الأحادية الثقافية التي بنتها الثقافة الغربية في الفصل ما بين الاجتماعي والفردي وتركيز المجتمع على أساس أفراد منفصلين وتحول السلطة الاجتماعية إلى سلطة دولة كل ذلك اثر على المجتمعات الأخرى التي تم اقتيادها في صراع التحولات الاجتماعية عن طريق النخب إلى محاولة المزج بين رؤية تلك الثقافة ووهم نقل ثقافاتها في درب التطور وهو ما أنشاء الصراع داخل تلك المجتمعات بين النخب وممثليهم لاستعصاء المجتمعات على التجزؤ إلى أفراد بعيدا عن كليتهم الإنسانية المجتمعية فكانت التجارب التي نعيشها حتى الآن بين النخب والمجتمعات في بلورة رؤية حقيقية يمكن ان تمزج بين التحولات الاجتماعية نحو وضع أفضل للمجتمعات وبين محافظة تلك المجتمعات على هويتها الحقيقية وهي التي تعرف إنسانيتها من خلالها. ولان استيعاب النخب للتحولات لا تاريخي فكان نتاج ذلك حلقات دائرية داخل رؤى محددة فكل نخب تأتي لا تستفيد من جزئيات الأخر ولكن تلغي الأخر كليا من تاريخ المجتمعات.
يقول غوتة على لسان إحدى الشخصيات في مسرحيته فاوست: إننا عندما تعوزنا الفكرة نستعيض عنها دائما بكلمة تحل محلها. ولا يصح هذا القول عندما تشح الأفكار فقط بل يصح أكثر ما يصح عندما ترتبك الأفكار وتربك إذ تصبح الكلمة عندئذ كالعصا المتينة نتكي عليها تعويضا عن عدم الأمان الذي قد يجلبه اتكاؤنا على أفكار فارغة كالقصب الهش الذي يستحيل الاستناد عليه. (البدائية – اشلي مونتاغيو – ترجمة د. محمد عصفور). وهذا ما تفترضه النخب في قمة هرمها عندما تفترض وصولها إلى الحقيقة الكاملة فيتم تسوير تلك الأفكار لتصبح ايدولوجيات مفارقة للواقع رغم محاولتها ان تحل محل قيم المجتمعات تلك فتصبح كما ذكر غوتة الاتكاء على القصب الهش عند أول تصادم لتلك الأفكار مع الواقع فتلجا النخب إلى تغييب الواقع باللجوء إلى المخيل الفكري لتلك الأفكار باعتبار ان الواقع هو الأزمة وليست الفكرة التي اصطدمت بالواقع وادي إلى فشلها.
ان نظرة النخبويون التوصيفية التي تنتمي إلى الأخر وليس إلى الذات هي التي أدت إلى عدم الغوص داخل قيم الثقافة السودانية فالبعد عن القيم الإنسانية والاجتماعية وكيفية تشكل تلك المجتمعات واللجوء إلى الوصف الخارجي للمجتمع فالتعريف الوصفي الغالب للثقافة كمحددات لا يؤدي إلا إلى تجميع مفردات مجزئة لا يمت احد الأجزاء إلى الاخر بصلة ولكن دراسة الثقافة تعني دراسة إنسان ومجتمع فالمحددات هي أدوات ذلك الإنسان في تغلبه على الطبيعة وفي تحولات واستيعاب مع الاخر الذي يفرض عليه قيم أخرى لذلك كانت التحولات التي تستوعب من قيم الاخر ما يوافق انسانية تلك الثقافة ويحافظ على اكبر قدر من الكلية الاجتماعية التي تعني تحقيق انسانية عبر رؤية الفرد لذاته في ظل اتزان قيمي بين الافراد. ولكن عند التحولات يتم تفكيك المجتمع لاجزائه في عملية فعل ورد فعل لاستيعاب قيم الاخر ومحاولة تبيئتها وهذا إذا كان هنالك استيعاب تاريخي من جانب النخب ولكن الأزمة السودانية هي نتاج لصراع لا يمت للثقافة السودانية بصلة فصراع الثقافة العربية في هويتها الايدولوجية الاسلاموية مع الثقافة الغربية لا يمس السودان إلا جزئيا ولكن عن طريق النخب أصبح السودان مسرح لذلك الصراع وأصبح المجتمع السوداني هو الأداة التي يجرب فيها النخب افكارها وفي امكانية تحور تلك الأفكار دون المساس بالجوهر الايدولوجي لذلك نجد فترة الديمقراطية هي سيدة الموقف وفي مرة أخرى نجد الشريعة الإسلامية تتسيد دون كنه تلك الأفكار في تحولاتها التي استطاع المجتمع منفردا دون نخبه ان يستوعب ما يحقق به الكلية الإنسانية لأفراده ولكن مع وصول الثقافة الغربية لقمة ايدولوجيتها وهي الدولة الحديثة وفرض تلك القيمة على مختلف الثقافات كآلية لإدارة افراد وليس مجتمعات تم إلغاء دور المجتمعات التي كانت تستطيع ان تقف في مواجهة الثقافة الغربية والعربية كما وقفت أول مرة عند الاستعمار وفصلت نفسها عن كل ما هو أجنبي وبدت مرحلة الاستيعاب جزئيا أو كما فعلت مع الثقافة العربية ورضت باتفاقية البغط على دخول الجيش العربي مستعمرا واستلمت النخب زمام الأمر. ولذلك مع عدم تبلور مفاهيم كلية الثقافة للثقافة السودانية على مستوى النخب والمثقفين ستظل التشوهات الاقتصادية والاجتماعية هي السائدة بغض النظر عن نوعية الحكم إذا كان إسلامي أو علماني فالتعبير الجزئي عن الهوية الإنسانية هو ما ينتج عن رؤية الثقافة العربية اما الثقافة الغربية فتتقاطع تماما مع تجسيدات الإنسان السوداني على مستوى مجتمعي.
ان النخب في اعادة استيعابها لمجتمعاتها تحاول صياغة قيم كلية تستوعب كل ما هو جيني على أساس انساني وكذلك الاستفادة من تحولات الاخر الثقافي وذلك يتجسد عند النخب في المتخيل الإنساني فيصبح السلوك مفصول عن كليته واثراه الايجابية والسلبية. مثل تحديد النسل والاجهاض وغيرها من السلوكيات التي عبارة عن جزئيات داخل كلية ثقافية محددة ولذلك نجد ان الاحكام التي تطبق نتيجة لهوية الاخر الثقافية تكون عرضة لتفسير المجتمع عن الانا والاخر. فالتواصل الإنساني إذا تجاوز مرحلة الإدراك العقلي باعتباره ادراك بكليات الإنسان يلجا إلى وعيه البيولوجي الذي لا يستسيغه العقل نسبة لاشتمال العقل البيولوجي على جزئيات جينية إذا لم يتم استيعابها على أساس كلي فذلك يدفع الفرد الى تبني فعل جيني مضاد لاخر. فتحول ذلك الإدراك والارادة عندما تتقاطع الهوية الايدولوجية مع الوعي انساني إلى تجاوز الواقع إلى المتخيل في المساحة التي تتركها النخب باطلاق مفاهيم دون احالات مادية مباشرة مثل الصدفة والحظ والضرورة وغيرها فكل ذلك عبارة الوعي الكلي الذي تمتلكه المجتمعات في تفاعلاتها ولا تمتلكه النخب في ايدولوجياتها المغلقة. ووصول النخب إلى انسانيتها يعني تلاقح بين القيم البيولوجية والقيم العقلية وترتكز القيم البيولوجية على ثقافة محددة اما القيم العقلية على عدة ثقافات.
ان وجود طبقة الوعي العميقة البيولوجية والتحولات التي حدثت ما بين الانا والاخر كذات والطبيعة كاخر أو كموضوع إلى اعتبار الانا والطبيعة كذات والاخر كموضوع ونتج ذلك عن الثبات النسبي للطبيعة في مقابل ضغط تحولات الاخر والتي كان يقابلها ثبات نسبي للاخر الثقافي في مرحلة ما قبل التحولات في مقابل تقلبات الطبيعة. لقد تم استقطاب العقل من قبل النخب والنخب الوسيطة لتلك التحولات التي تمت ما بين الطبيعة والاخر في مقابل مجتمعات لازالت تقف في مرحلة ما من التحولات فهي تمتلك مجتمع تحولي ومجتمع حقيقية وهي المجتمعات التي توصف بالتعاون والترابط الوثيق على المستوى الوصفي.
لذلك كان على النخب في حالة استيعابها لمجتمعاتها المحلية المحافظة على تلك المجتمعات التي استمرت على مستوى التحولات هنا في السودان كقبائل وغيرها حتى تؤدي دورها الإنساني فرؤية الإنسان في مقابل الدولة يجب ان يتحول إلى رؤية الإنسان والمجتمع في مقابل الدولة إلى ان يكون المجتمع التخيلي يعبر عن كل الهوية الإنسانية السودانية وكذلك الاستفادة من النخب الاجتماعية وطريقة استيعابها للتحولات في صياغة ذلك الاستيعاب في صورة قوانين تستوعب قصور الفرد والمجتمع.
وإذا كان هنالك امكانية فهي في الاستيعاب المتبادل بين النخب والمجتمعات والافراد في صياغة رؤية انسانية تتجاوز الفرد ومجتمعه إلى كل المجتمعات وكذلك تتجاوز رؤية الإنسان الفرد التي تتيح للنخب ان تغرد وحيدة فامثلة ذلك من هرم الدولة المعتمد على الرئيس الفرد إلى القاضي إلى كل أجزاء المنظومة فحتي عمل تلك الأجزاء في المجتمعات ما قبل التحول الثقافي قد تم دعمها بمجموعات عمل حتى تغطي القصور الحاصل في المجتمع التخيلي. وعلى النخب ان تبني المجتمع التخيلي الذي يستوعب كل افراده ليس كافراد متمايزين ولكن كانسان يحمل كلية قيمية وهوية ذاتية في داخله ينتمي بها إلى مجتمعه الحقيقي وهذا ما لم يحدث إلى الآن فالدولة التي هي عبارة عن مجتمع تخيلي لا تدري عدد افرادها فما بالك بدراسة هؤلاء الافراد ومحاولة تلبية انسانيتهم وغيرها. فالبعد عن ان المجتمع الحقيقي يهدد حياة الفرد أو حريته هي البداية التي من المفترض ان نبداها فلا يوجد ما يهدد حياة الفرد أو حريته غير المجتمع التخيلي الذي هو الدولة وذلك لعدم وجود أو وضوح ابعاده الحقيقية من قبل النخب التي استسلمت لايدولوجيات تم صياغة كلياتها بعيدا عن المجتمع السوداني. فالذي يحدث هو محاولة المحافظة على المجتمع التخيلي وليس المجتمع الحقيقي ولذلك كل المشروعات التي يتم صياغتها عبارة عن مشروعات تخدم تلك الرؤيا وهي ضمنيا رؤية تخدم النخب فقط ومجتمعاتها الوسطية وذلك لاستسلام تلك النخب للرؤية العربية عن الهوية الذاتية التي تتجسد فقط في الفرد ومجتمعه الحقيقي ولا تستصحب معها الكلية الإنسانية التي تم تخليقها على المستوى السوداني فكل المشروعات من الامن والاقتصاد والبنية التحتية واولويات التنمية والصحة ليس للمجتمعات الحقيقية بل هي لمجتمع التحولات فقط.
ان ضغط التحولات الذي تمر به المجتمعات الجزء عربية لا يحدث للفرد على مستوى الجزيرة العربية نسبة لعدم خضوعه للضغط الجيني الذي تعرضت له بقية المجتمعات التي تلاقحت جينيا مع الثقافة العربية وبالتالي اختلاف الرؤية الإنسانية، ومن ضمنها السودان فلا نجد على مستوى الجزيرة العربية مثل محمد عابد الجابري أو محمد اركون أو برهان غليون أو الطيب تيزيني ليس لانعدام العقل ولكن لعدم اشتمال العقل الجيني على انسانية كلية تتخطي المجتمع الواحد إلى مجتمعات متعددة ولذلك نجد ان الهوية العربية تعبر عن المحمول التاريخي للفرد بشكل كامل وكذلك التوازن الثقافي لدي المجتمع والنخب اكبر من بقية تلك المجتمعات التي تخوض معركة التحولات على عدة مستويات لمحاولة استيعاب كليتها الثقافية والتي من ضمنها الجين العربي. ولذلك نجد تفوق النخب الاجتماعية على النخب الثقافية في الثقافة السودانية مثلا لوجود الأولي في مساحة اجتماعية ورؤية إنسانية محددة اما النخب الثقافية فالمجتمع بالنسبة لها هو مجتمع تخيلي تتقاطع داخله كل جينات الانا والاخر الثقافي فكان اعتماد رؤية احادية الجانب مثل اعتماد الايدلوجيا العربية أو الغربية على مستوى المجتمع السوداني يؤدي لتلك التقاطعات وهو ما أدي إلى بعد النخب الثقافية عن دورها الاجتماعي في احتواء كل تلك المجتمعات واستيعاب انسانيتها وإمكانية خلق روابط دفع لكل تلك الانسانيات. فاعتماد المنطق الغربي وفلسفته في رؤية الإنسان الفرد أو رؤية الثقافة العربية في صياغة المجتمعات كل ذلك أدي إلى عدم دراسة المجتمعات المحلية في السودان إذا كانت قبائل أو عشائر ومجتمعات مدن وكيفية تجاوز تلك المجتمعات لضغط التحولات والمحاولات التي تم استيعابها من قبل المجتمع ودور النخب المجتمعية في ترسيخ السلام الاجتماعي بين افراد المجتمعات المختلفة.
والذي ينظر للثقافات من الخارج يري قوة ضغط المجتمعات على الافراد أو القهر والالزام الذي يسيطر على الافراد من قبل تلك المجتمعات ولكن الناظر من داخل المجتمع يري التعريف البيولوجي للانا المجتمعية وان الالزام يتم عن طريق الذات وليس المجتمع الخارجي فتعريف الانا لذاتها هو تعريف داخلي أي الانا المجتمعية هي انا داخلية للفرد يمكن مع التحولات البيولوجية أو التحولات النخبوية ان يري الفرد انسانية الاخر. والمجتمعات لا تكون في درجة واحدة من التحولات لذلك نري الضغط الاجتماعي وهي محاولة لتثبيت تعريف الإنسانية بين الذات والذات الاجتماعية والاخر في عالم متحول باستمرار وهنا نحن نتحدث عن ثبات لحظي لقيم محددة عند التحولات أو ما يسمي بالعرف. ولذلك نجد النخب الاجتماعية والتي كانت سائدة ما قبل النخب الثقافية قدرتها على المحافظة على مجتمعاتها المحلية نسبة لاعتمادها باستمرار على مجتمع محدد في تعريف الانسانية. وهنا نتحدث عن المجتمعات التي لم تمتلك كلية ولذلك هي في تحولات مستمرة دون اعادة استيعاب عكس ما يوجد لدي الثقافة العربية التي اوقفت التحولات الاجتماعية لدي نخبها في مرحلة محددة فالناظر إلى المجتمعات العربية الآن في مركزية الثقافة العربية يجد عمق التحول ولكنه تحول اعمي أي دون اعادة استيعاب نتيجة لتكوين الكلية التاريخية بناء على المجتمع التاريخي. لذلك نجد ضغط المجتمعات عبارة عن ضغط ترميزي فالخطأ الواحد في العرف الاجتماعي يوجد له عدة تعريفات مختلفة نتيجة لاختلاف تعريف الانسانية بين الوعي الاعمي الذي يتحكم بتمييز الانا والوعي النخبوي الذي يصيغ الخطاب. فصياغة المقولات هي صياغة نخبوية ولكن احالاتها المادية هي احالات مجتمعية لذلك ينشا الاختلاف بين المفهوم المجتمعي المعبر عن الانا والمفهوم النخبوي المعبر عن الانا والاخر ومثلا عند صياغة القوانين تصاغ باعتبارها تعبر عن الانا الكلية ولكن عند الاحالات المجتمعية يعبر الفعل الايجابي عن الانا والفعل السلبي عن حالة نقص داخلية في الانا نتيجة مغريات أو نتيجة للاخر إذا كان إنسان أو اخر ضد، فمن السهو والنسيان إلى الفعل المتعمد يكون تعريف الإنسانية بين الانا والاخر.
وعلينا ان نتجاوز ما تطرحه الثقافة الغربية من: هل السلوك موروث ام مكتسب؟ وفي نظرنا ليس السلوك في حد ذاته ولكن هوية الفرد هي التي تحدد الثبات النسبي بين المفاهيم وإحالاتها المادية لذلك نجد أولئك الأفراد لا يفكرون ولكن يمارسون حياتهم بناء على تلك الهوية ويكون السلوك تعريف لتلك الهوية من مرحلة لاخرى في التحولات بناء على التزامن الترميزي السلوكي. اما ذلك السؤال فهو يثير أزمة في الكلية الغربية كما في الخريطة الجينية في علم الأحياء وتأثير الجينات على الفكر والسلوك فكل ذلك يعارض الكلية القيمية التي قامت على التطور الفردي وعلى الغريزة دون ان تكون هنالك كلية داخلية تقود الفرد في سلوكياته ولذلك نجد ان وجود الانسانية الموروثة والمحققة على مستوى المجتمع الحقيقي هي التي تحدد شخصية الفرد ووجود ذلك المجتمع يؤدي إلى ثبات نسبي في الاحالات المادية للقيم في شكل سلوك محدد والتماهي بين المفاهيم والاحالات المادية في السلوك.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 993

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد يس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة