الدستور الظلامي والألفاظ السوقية
03-18-2012 12:53 PM

الدستور الظلامي والألفاظ السوقية

سليمان حامد

المهاترات وسقط القول هي أسلحة العاجز الذي لا يستطيع مقارعة الحجة بالحجة وتستعص عليه الإجابة على الحقائق بالأسانيد والبراهين، لهذا يلجأ إلى ما ينضح به:

هذه العبارات (حنفقع مرارتهم ونحرق فشفاشهم) و (الأحزاب المعارضة ترلة للحركة الشعبية) و (مخطط جنوب كردفان يقوده السكارى والحيارى) و (الشمال حيعمل كشه على الجنوبيين إذا لم يعودوا إلى الجنوب) و (أي جنوبي يشعر بعدم الراحة يتخارج) هذه وما لا حصر له من مثيلاتها لم يتلفظ بها مواطنون – لم ينالوا حظاً من التعليم – . ولم ترد على لسان مجموعة من الصبية المشردين الذين يتعاطون (السلسيون) ليتناسوا البؤس والظلم الذي حاق بهم وهم محشورون في قاع المجاري. بل هي تصريحات تلفظ بها مسؤولون في قمة السلطة وعلى رأسهم نائب رئيس الجمهورية الحاج آدم يوسف ومساعد رئيس الجمهورية د. نافع علي نافع.

نحن في الحزب الشيوعي نربأ بأنفسنا من الخوض في مثل هذه العبارات ولن نجاريها، لأننا نعرف أهدافها ومراميها، فهي من جهة تتعمد عن قصد إلهاء المعارضة عن واجباتها النضالية مع الجماهير وقضاياها ومعاناتها اليومية نتيجة للتردي الذي وصل إليه حال البلاد. وهي محاولة لوقف تصاعد السخط الشعبي وتراكمه ووقفه من الانفجار.

ومن جهة أخرى فإنهم يبحثون عن أطواق نجاة لانتشال نظام الرأسمالية الطفيلية من الغرق. وهم يعتقدون إن الدستور الظلامي المسمى زوراً وبهتاناً بالدستور الإسلامي هو أحد الأطواق المنقذة، قال بذلك رئيس الجمهورية في أكثر من مكان وردده نائباه ومعظم مساعديه في معظم المناسبات التي تحدثوا فيها، وظهرت مقدماته في التبشير بمنع الاختلاط في الجامعات والمركبات العامة. وفي الضرب الوحشي بالرصاص الحي ومواجهة المظاهرات السلمية بأقصى درجة من العنف، وما حدث لطلاب جامعة بحري وضرب الطالبات بالسياط وخراطيم المياه. وليت من فعلها كانت الطالبات ضد بعضهن البعض، ولكن أن يأتي هذا الفعل المشين من عمداء لكليات في الجامعة، فهذا لم يحدث في تاريخ التعليم في السودان. ويا له من منظر قبيح ومعيب أن ترى مربياً يهرول حاملاً سوطه – كما يفعل رعاة البقر – خلف إحدى طالباته. ما أسوأها من مقدمات لدستور تجري صياغته باسم الإسلام يمارس من خلاله القمع الوحشي وحجر حرية التعبير والرأي الآخر وحرية الصحافة وحظر إقامة الندوات السياسية والثقافية في الأماكن العامة، إنه يدوس على كل الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية، بل نص عليها الدستور الانتقالي لعام 2005م بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل. إنه دستور ظلامي، هدفه الأساسي هو المحافظة على الغنائم من قصور وأموال مكتنزة فيها وفي البنوك الخارجية وترف الحياة الدنيوية وملذاتها عبر المحافظة على هذه السلطة.

كيف يستطيع من يعيشون هذه الحياة أن يقنعوا شعب السودان بأنهم زاهدون في الحياة الدنيا بعد أن انكشف شعارهم المخادع (هي لله لا للسلطة ولا للجاه).

ومن حقنا أن نعجب كل العجب ممن لازال يماري في صحة التفسير المادي لتحويل المجتمعات. وممن لازالوا يتمسكون بالتفسير الطوباوي لأحداث التاريخ ويعتقدون حتى اليوم أو يظنون مجرد الظن إن الشعوب تتبدل أحوالها بتمسكها بالنصوص المعجزة. بل هناك من يتمادى فيرى إن التاريخ عملية استردادية، فليس على من يعيشون في المعاناة وشظف العيش إلا استرجاع الماضي الذهبي والاحتذاء به والسير على منواله. وكل المصائب وضنك الحياة ومآسيها ستزول إذا ما عدنا إلى تلك الحقبة المثالية. ولا أحد من دعاة الدستور الإسلامي استطاع أن يوضح كيف يتسنى استرجاع فترة ولّت منذ خمسة عشر قرناً، وكيف يستطيع من هو في القرن الواحد بعد العشرين أن يعيش بالطريقة نفسها التي كانت سائدة في القرون الوسطى؟

وهل سيتنازلون عن قصورهم الشامخة وحدائقهم الغناء وعرباتهم الفارهة وأموالهم المكدسة في القصور والبنوك وترفهم الدائم.

يا هؤلاء، إنكم لا تخدعون الشعب بل أنفسكم تخدعون. فشعب السودان ملامس ومتابع فسادكم الذي تنشره القنوات العالمية والصحف المحلية. ويشهد عراككم على كراسي الحكم في المركز والولايات. وهو عراك لا لإحقاق الحق ولا لنصرة الدين أو لترسيخ العقيدة، إنما ليظفر كل منكم بأكبر نصيب من الكعكة. خاصة بعد أن بدأت تصغر حجماً يوماً بعد الآخر.

ولهذا أصبح التضليل باسم الإسلام هو شعار الساعة الذي يرفعه كل من هب ودب ممن هم أكثر جشعاً وطمعاً في المغانم الدنيوية، وهم الأكثر تفانياً في العمل للإسراع بوضع مثل هذا الدستور الظلامي، وإقراره بعيداً عن مشاركة الشعب السوداني. بل تمادى بعضهم قائلاً: بأن يحكمنا رئيس الجمهورية بالإسلام! ولا داع لتكوين لجان تصنع دستوراً وتقدمه لحاكم مسلم. فإما أن يحكم بالإسلام أو يذهب غير مأسوف عليه.

شعب السودان لم يعرف الإسلام من حزب المؤتمر الوطني. بل ظلت تقابة القرآن متقدة في كافة أركان البلاد منذ مئات السنين وقبل أن يولد أجداد أجداد من نصبوا أنفسهم بأنفسهم أوصياء على الإسلام ومسؤولين عن توزيع صكوك الغفران ودمغ خصومهم بالكفر والإلحاد ووصفهم بالسكارى والحيارى. بينما هم، بممارساتهم في الحياة اليومية أبعد عن الدين وما نهى عنه الشرع الذي عرفه الشعب السوداني منذ القدم.

إن الواجب المقدم والمُلح الذي يقع على عاتق كل رجال الدين المستنيرين الذين يعون ( إن الدين لله والوطن للجميع) صرف النظر عن جنسهم ودينهم ولغتهم، هو وقف تمرير هذا الدستور بكشف وتعرية خداعهم للشعب باسمه.

وهو واجب أيضاً على كل جماهير شعبنا التي ذاقت مرارة الحرمان وشظف العيش والفقر المدقع جراء ما سمي بالمشروع الحضاري والحكم باسم الشريعة.

فلتتحد كافة قوى المعارضة لفرض دستور ديمقراطي يحترم المواطنة وحقها في العيش الكريم دون بطش أو قهر.


الميدان


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2399

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#312100 [حليم-براغ]
4.10/5 (12 صوت)

03-19-2012 01:13 AM
شكراً أخ سليمان حامد علي هذه السطور الرائعة.
عصابة أخوان الشيطان خلاص فقدوا البوصلة , أمس نافع بصرخ في شرق السودان وسط الغلابة وبيشتم في الأمبريالية و الشيوعية والمعارضة السكرانة في حانات لندن وأروبا, ورئيس الجمهورية يصرخ ويبحث عن أطواق نجاة لانتشال نظام الراسمالية الطفيلية , والدستور الإسلامي هو المنقذ , يعني غباء من الدرجة الأولي , وكما ذكرت ياأخ سليمان إنهم يخدعون أنفسهم, السودانيون شعب مسلم بفطرتة ,أما أنتم يا عصابة أخوان الشيطان لا تعرفون الإسلام ويجب تطبيق حد الحرابة عليكم جزاء علي ماارتكبتموه في حق هذا الشعب المسلم الطيب.


#312056 [طارق]
4.14/5 (12 صوت)

03-18-2012 11:18 PM
الاستاذ سليمان حامد تحياتى ان الشعب السودانى ليس فى حاجة الى مثل هذا التنوير عن جديد المؤتمر الوطنى بقدر ماهم ينتظرون القائد والمحرض والشجاع الذى يتقدم المتظاهرين لكنس النظام . فلا يعنينا دستور اسلامى او ماهى التطورات التى يقدم عليها المؤتمر الوطنى بقدر ما نحتاج الى موقف عملى قوى وثابت لا تحركات جبانة لاطفال الجامعات التى لا تستمر لاكثر من ساعة احتجاج وهرولة . فهم بمواقفهم هذه من قووا من شوكة المؤتمر الوطنى المهترى


#312041 [الصادق]
4.12/5 (11 صوت)

03-18-2012 10:47 PM
السودانيين عامة لا ادوهم شكل ولا اسلوب ولا جو سمح ولا ...اللهم موية وارض بلا فائدة


#311773 [صالح عام]
4.10/5 (13 صوت)

03-18-2012 02:42 PM
يا سلام يا استاذ سليمان حامد وضحت كل الحقائق ولكن لمن هؤلاء عميت قلوبهم وبصائرهم لكن هم الواهمون والشعب واعى بحيلهم ولهم بالمرصاد بأذن الله


سليمان حامد
سليمان حامد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة