المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
سلطة الشعب اعلى مراحل الديمقراطية
سلطة الشعب اعلى مراحل الديمقراطية
03-20-2012 07:28 AM


سلطه الشعب اعلى مراحل الديمقراطية

أ. محمود عابدين صالح
elthwar@yahoo.com

الشعوب الواعية والمدركة لما يدور حولها والواثقه بتواجدها على الارض وتحت الشمس لممارسة حريتها كامله, والتى تمتلك قناعات راسخه بانها الاصل والعنصر البشرى الرئيسى فى تكوين الدوله القديمه والحديثه والمستقبليه, والمكتشفه لزيف النخب والصفوه والطلائع التى تدعى احتكارها للسلطه عبر تكليفات سماويه بأختصاصها فى اداره شئون الناس بأعتبارها الطبقه المختارة والشريحه المميزه عنصريا والفئه المكلفه للقيام بهذه المهمه عبر الزمان, مثل هذه الشعوب تكون مؤهله عبر تجاربها التاريخيه المتعددة لمعرفه حقيقيه واقع السلطه واحقيتها الاكيده فى ممارستها كامله بدون انابه او تفويض او تعاقد مع سماسره الحكم ,وذلك بأستطاعتها فرز التعريفات الحقييقيه لمعنى ومفهوم وتطبيق "الديمقراطيه", والانحياز الى المفهوم الحقيقى وعدم الانقياد للتعريفات الصفويه التى تسعى باستمرار لتمكين القله على الاغلبيه والتى غالبا ما تسعى لامتلاك عناصر القوة فى المجتمع لصالحها كأسلحه فاعله لفرض سيطرتها وهيمنتها الارهابيه على باقى افراد المجتمع , وتعانى البشريه منذ بدايه ظهور المجتمعات الاولى من هيمنه القله الصفويه على السلطه حيث يدور الصراع الدائم والمتناميوالدامي على استحواذها تجاوزا لحقيقة ان السلطة ملك للشعب ولا سلطه لسواة. بالرغم من ان المفهوم المتفق عليه لمعنى الديمقراطيه يتلخص فى "من الشعب والى الشعب ولاجل الشعب"الا ان هذه المفهوم غالبا من يطبق على انه "من الشعب الى الصفوه لاجل الصفوه" ودور الشعب مختصر فى مباركة سلطه الصفوه عبر انتخابات زائفه او تفويض او انصياع للقوة الماديه او طاعه للقوة الروحيه او اختيار لاسوء العروض وفقا لثقافه "اللامبالاه" المفروضه عليه,ثم الانصراف تماما عن الامر للتفرغ للانصياع لتعاليمها والعمل وفق دساتيرها ولوائحها والامتثال لعقوباتها, وبالرغم من تنوع النظم السياسيه السائده قديما وحديثا الا انها وبدون استثناء لاتتعدى من ان تكون انظمه صفوه ونخب تختلف فى وسائل انتزاعها للشرعيه الشعبيه سواءا بالاكراه او بالاغراء.
من المؤكد انه ليست هناك "دوله بلا شعب وانما هنالك شعب بلا سلطه" وان المجتمع له اسبقيه على الدوله حيث لا يمكن تأسيس دوله فى غياب الشعب , وبالرغم من اختلاف الاراء حول تعريفات الدوله ومصطلحاتها بأعتبارها, قد ولدت طبيعيه بوسائل "الوهيه" ,او انها صناعه بشريه واختراع انسانى لتأطير الجماعات البشريه ولتنسيق التعاون فيما بينهم,او لتحقيق السيطره من الاقوياء على الضعفاء,او انها اداة قهر وعنف تستغلها الطبقه الحاكمه لفرض سيطرتها على باقى افراد المجتمع ,اوانها فكرة معنويه لادارة شئون المجتمع والامه, او انها من صنع الشيطان والخطيئه, او انها نابعه من الغريزه الاجتماعيه للانسان, الا انها سلطه تمارس من خلال السيطره " لفرد او جماعة" يمتلكون عناصر القوة فى المجتمع الذى ينقسم الى " حكاام ومحكوميين",الا ان الصفوه قد فرضوا انفسهم على التعريف القانونى لتكوين واعلان والاعتراف بالدوله الحديثه بانها تتكون من " الارض والشعب والحكومه" , ولما كانت الحكومه من البشر الذى ينتمى للشعب وانهم افرادا من جنس عنصر الشعب المكون للدوله, فلا يجب ان يكونوا عنصرا متفردا وثالثا فى التعريف الذى يجب ان يكون مختصرا على ان " الدوله هى الارض والشعب " وللشعب ان يختار حكومته بحريه , واذا تم الامر بهذا الشكل الطبيعى والموضوعى والعملى فسيتم القضاء نهائيا على الصفوه المدعيه بانها صاحبت السلطه " الحكومه" وستتخلص البشريه من قرصنه النخب وسيفتح الطريق امام الانعتاق النهائى للشعوب .
الا ان امل البشريه فى الانعتاق لم يتحقق وتمسكت الصفوه وهى الواضعه للوائح والقوانيين والدساتير بأن تفرض وجودها على مكونات الدوله الاساسيه وتفسح لوجودها المجال ,لتكون المكون الرئيسى المسيطر على الجهاز الفوقى للدوله والمهيمين على عناصر القوه فيها, والمحرك للشعب السياسى المحيط بها والمسخر من جانبها لخوض معارك صراعاتها السياسيه حول السلطه وديمومه الاحتفاظ بها ,وتهميش الشعب الحقيقى واستبعاده تماما عن دائره التواجد السياسى وحرمانه من حقه الطبيعى فى ممارسةالسلطه., حيث اجهضت الدوله الحديثه امتيازات مجتمعات ماقبل الدوله , وجردت مكوناتها القبليه من الاستمتاع باختيار قيادتها الاليه وما تتمتع به من قيم معنونيه واعراف ايجابيه وحقوق مشروعات فى ممارسه السيادة والمشاركة السياسيه الجماعيه والحق فى اتخاذ القرارات , والتى كانت تتخذها تلك المجتمعات بشكل جماعى ومباشر وفى الهواء الطلق , وقد دمرت الحقبه الاستعماريه الموروث النموذجى للتشاور والمشاركة فى اتخاذ القراربشكل جماعى دون عزل او اسقاط اومنع لاحد من افراد المجتمع , كما دمرت القيم النبيله والاعراف الايجابيه عبر تخريب القيم الماديه والمعنويه للمجتمع الذى اصبح اسيرا لثقافه المستعمر ولسانه ولغته وعاداته وتقاليده ولوائحه وقوانييه وبرامجه , واستنساخ نوعا من النخب منفصم الشخصيه موالى للمستعمر طمعا فى ان يكون وريثا له بعد مغادرته للبلاد , وقد كان هذا الصنف من الناسى معاول هدم اى نوعا من التحركات الشعبيه نحو الحريه والمساواة والعداله وترجمه شعار دوله القانون المستقله للواقع المعاش .
ولما كانت النخب الناشئه فى حاضنه المستعمر هى وريث له وتحمل صفاته فقد روجت لنظام سياسى لايتجاوب مع الواقع, لانه نسخه مترجمه لتجربه سياسيه تتطابق مع واقع اخر , وارضاءا لبريطانيا العظمى والتى كانت تسعى لتكوين اكبر دائره دوليه حولها من مستعمراتها السابقه والتى استقلت اسميا عنها وارتبطت بها عضويا فى " كمونولث"معلن واخر خفى , فقد استجلبت تجربة " الوست منستر " البرلمانيه المستوحاة من تجربه "الهنود الحمر" لتفعل وفقا لعوامل تحمل بذور انهيار التجربه السياسسيه والتى اعتمدتابتداءا بتزوير الانتخابات العامه , ومنافسه بين احزاب اسست على اسس الطائفيه الدينيه والتى تحولت قيادتها للعمل السياسى طمعا فى التربع على عرش السلطه بعد مغادرة المستعمر , وكانت قنوات جماهيريه ذات نفوذ كمى واسع وعناصر فى معظمها لا تعى ولا تدرى الا القليل عن معنى انتائها لهذه الاحزاب ,فهى لم تتطلع على برامج او كان لها حق الاختيار والمفاضله بين ما هو مطروح من تكتلات سياسيه , فلم تكن تنتمى لفصائل الاحزاب الايدلوجيه بل كانت( افرازا سياسيا لوجود اجتماعى طائفى دينى), ونقلت الصفوه المايويه تجربه الحزب الواحد عن " الاتحاد الاشتراكى " من مصر وبالرغم من تصفيته واعلان المنابر والاحزاب المصريه الا ان النخب السودانيه تمسكت به حتى سقط نظام مايو وحزبه الواحد فى انتفاضه ابريل 1985,وكانت القوى الوطنيه الفاعله والمبدعه محاصرة تماما من العناصر التقليديه التى لا ترغب فى التمرد على القيادات الطالئفيه الدينيه من جهه ومن الصفوه المتطلعه التى احتضنت النظام المايوى لملىء الفراع والبحث عن السلطه من جهه اخرى, ونتج عن استجلاب نظام سياسى( تعدد حزبى وحزب اوحد) غير ملائم لواقع وسيكولوجيه وتجربه المواطن السودانى و الدخول فى تجربه عرجاءو نظام سياسى " كسيح" عجز عن المواجهه لتحديات مابعد الاستقلال ووصف زورا بانه " نظام جمهورى ", والغريب ان الاصوات الوطنيه التى كانت تتصدى للصفوه المستورده لهذا النظام البريطانى الغير صالح للتطبيق لاختلاف الطقس السياسى السودانى عن البريطانى , كانت تهاجم وتحاصر وتعاقب احيانا وتلفق لها تهم " اثاره الكراهيه ضد الدوله " . وبفشل النظام السياسى ابتعدنا عن الممارسه الحقيقيه للديمقراطيه والتى كانت من اهم احلام وامال المواطنيين بعد الاستقلال .وخصوصا بعد ان قادنا هذا الفشل لاستعمال المعالجات الخاطئه عبر تدبير الانقلابات العسكريه والتى اعتبرت فشل نظام الحكم الحزبى هو المبرر الرئيسى لاستيلائها على السلطه .
فى 6اغسطس عام 1990 تم افتتاح (مؤتمر الحوار القومى حول النظام السياسى) بقاعه الصداقه بالخرطوم من اجل صياغه نظاما سياسىا,حيث اشار رئيس مجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطنى وبشكل مباشر الى فشل كل من تجارب الحكم السابقه سواء كانت تعدديه حزبيه او حزبا واحدا , واضاف بأن الثورة قد اكتشفت بفطرتها ودون سابق تدبير " نظام المؤتمرات" اسلوبا للاتصال الشعبى الواسع وللتداول المثمر قى القضايا القوميه ,ووفقا لهذه الرؤيا تم طرح التجربه الجديده لنظام المؤتمرات . وكانت عملية طرح نظام سياسى جدبد مبادرة جريئه تجاوزت فكرة طرح " تنظيم سياسى"., وكانت المسائل المحوريه المطروحه بغرض التفاكر حولها متعددة لاستدراك عيوب النظم السابقه ذات الاشكال الفوقيه او الصفويه او الجزئيه وتوفير الرقابه الشعبيه, وكيفيه التعجل ببسطه السلطه بين الجماهير , وكانت هناك اشارات بالنسبه للاصول الهاديه لطبيعه النظام السياسى من قيم المجتمع وتراثه ومعتقدات الشعب ومكتسباته وحاجته لتعدد المضمون الفكرى ليكون ميثاقا لولاء مشترك ودليلا لعمل هادف ودستورا للحياة العامه مع الاخذ ببعض المعانى مثل( ان تعاليم الدين وقيمه جزءا اصيل من بناء الشخصيه القوميه )و( طبيعه السودان المترامى الاطراق المتعدد الاعراق والثقافات مما يجب تأكيد الولاء القومى والوحده الوطنيه والسلام بين افراد المجتمع وقطاعاته)و(رفع شعار الثورة منهجا وفكراوالاستهداء ينهجها لتأسيس قواعد السودان الحديث). واستمر انعقاد ملتقى الحوار القومى حول النظام السياسى فى الفتره من 6 اغسطس حتى 21 اكتوبر عام 1990 ولمده تقارب الثلاثه اشهر متواصله وقد جمع المؤتمر فى عضويته الاشكال المتنوعه من اصحاب التجارب السياسيه والعديد من الهيئات بالداخل والخارج وبهذا المدخل عبرت تجربه نظام المؤتمرات لحيز التطبيق ليصبح بديلا لنظتام التعدد الحزبى والحزب الواحد.
لقد كان الحوار مبادرة للبحث عن صيغه لنظام سياسى ملائم بعد فشل النظم السياسيه السابقه وقد اجتهد المشاركون فى عرض وجهات نظرهم والدفاع عنها فكانت الاوراق المقدمه ثريه وواقعيه كما كانت الخيارات معروضه للنقاش الحر والنقد المباشر والمعارضه والتأييد وفقا للقناعات وتم الاعلان عن تكوين المؤتمرات واللجان الشعبيه بالاحياء والقرى والفرقان والقطاعات المختلفه حتى وصل عدد المؤتمرات الشعبيه واللجان الشعبيه والامانات الى 17413 مؤتمر حسب التقرير المقدم للامانه العامه للنظام السياسى فى دورة الانعقاد الثالثه فى عام 1996. وبهذا اضيف للتجارب السياسيه السودانيه تجربه جدديدة بعد تجربه التعدديه الحزبيه وصيغه الحزب الواحد وهى تجربه المؤتمرات الشعبيه.
لم تشارك فى المؤتمر قوى المعارضه الحزبيه لسلطة الانقاذ حيث تم الاعلان عن تكوين التجمع الوطنى المعارض بالقاهره بغرض اسقاطها وفقا لشعار تم التمسك به طويلا (سلم تسلم) ولم يكن "حاور تسلم", حيث ضاعت على الحركة الوطنيه >حكومه ومعارضه اوسع مساحه للحوار بين الفرقاء والتى كان من الممكن الخروج منها بنتائج اعجازيه لمصلحه استقرار الوطن, ولكن طريق الصراع على السلطه دائما حافلا بالمهددات والمخاطر التى تؤثر سلبا على مسيره الثوره الوطنيه (فلا الانقاذ استمرت وفقا لنظام المؤتمرات الشعبيه ولا المعارضه اسقطت الانقاذ), ولكن معظم ابناء الشعب السودانى بمختلف اتجاهتهم السياسيه استطاعوا ان يضعوا بصماتهم فى بناء اللجان الشعبيه التى تحررت من الوصايا بالضم والتعيين حتى فرضت نفسها تراثا سياسيا مبدعا واطارا تصدى للكثير من تحديات الحصار والمقاطعات الدوليه بانجاز العديد من المؤسسات التحتيه ذات العائد المباشر للجماهير . وان كان الحال قد تبدل بعد تحول النظام السياسى الى تنظيم لحزب حاكم واختطفت اللجان الشعبيه من حالات التصعيد المباشر من الجماهير الى اداة من ادوات الحزب الحاكم لا يدخلها الا اعضاؤه المحترفون لنشاط الحزب السياسى واكثرها قد عين شكاليا اوفى الظلام اوفى غرفه مغلقه بعد ان كانت ثمره من ثمرات الديمقراطيه المباشره "لديمقراطيه تمارس شعبيا فى الهواء الطلق", حيث فقد الناس نقطة هامه من نقاط الانطلاق نحو ديمقراطيه حقيقيه عندما ابتلعت المقولات الجماهيريه المحرضه على ممارسة العداله والحريه والمساواة.وتحول العديد من القيادات البارزة لمنظرين ومنظميين للحزب الحاكم.
بالرغم مما نسب لبعض من اعضاء اللجان الشعبيه من انحرافات " استغلال النفوذ" الا انها فى مجملها كانت تعبر عن يقظه الرقابه الشعبيه المباشره والمجاهره بنقد اخطاء السلطه والتحذير من المخاطر والتنبيه بالاهميات والضروريات لانها كانت تحشد ثقافات وخبرات المواطنيين والذين كانوا على قناعه بأن العمل الكلى من اجل الجماعه له فائدة اعظم من العمل الجزئى لصالح اى تكتل سياسى او قبلى او قطاعى محدود, وظهرت المبادرات الجريئه وتعدد القيادات الشعبيه وانكسر حاجز الطاعه السياسيه التقليديه العمياء واعتبر سكان الريف انفسهم احرارا من كل القيود وتزعزع السند المادى الشعبى للاحزاب التقليديه بتحويل قطاعات واسعه تنتمى اليه نحو التجربه الجديده لممارسه نوعا من الديمقراطيه هو فى الاصل يتناسب من الطبائع والسلوك والاعراف الريفيه , فقد وحدتهم المؤتمرات الشعبيه صوب العمل المباشر لتحقيق طفرات تنمويه لمناطقهم , كما اكدت على القيم المعنويه الجماعيه التى يمتازون بها . وفرزت منهم زعامات وقيادات شعبيه لعبت ادوارا وطنيه جليله فى المحافظه على السلم الاجتماعى ومحاصرة النزعات الاهليه المسلحه المعتادة والدفع بحالات الوعى السياسى مسافات واسعه للامام , والاستمتاع بنوع من الحريه الحقيقيه بالمشاركه فى اتخاذ القرارات دون وصايا .
لم يكن نظام المؤتمرات نظاما مستوردا وانما كان " صناعه سودانيه" متوافق مع الطبيعه السودانيه وسيكولوجيه المواطن والدروس المستفاده من التجارب السياسيه السابقه والاقرب لتطلعاته نحو ممارسه حياة سياسيه معافه من جرثومه المناورات السياسيه, فكان اقرب الى الوفاق بين المكونات السياسيه (كنظام سياسى مختلط) يجمع بين "الديمقراطيه المباشرة" التى اتاحت للقواعد الشعبيه فى الاحياء والقرى والفرقان الحراك المباشر و فتحت امامها الطرق لممارسه ديمقراطيه حقيقيه ونمط من انماط الشورى الكليه والجماعيه بدون اسقاط او تجاوز او عزلا لاحدالا لمن فضل الانزواء والابتعاد والتنازل عن حقه فى المشاركة, و"ديمقراطيه نيابيه" متمثله فى انتخابات مجالس الولايات والمجلس الوطنى عبر الدوائر الجغرافيه والقطاعيه, "وتظام جمهورى" وفقا لمؤسسات النظام الرئاسى, على ان تتفاعل تلك الاشكال المتنوعه لنظم الحكم لينتج عنها حراكا سياسيا يحدد مسيره ومستقبل الخيار الوطنى لتطبيق ديمقراطيه تهدف لتحقيق " سلطه الشعب " وفقا للتنوع الايجابى الذى تم الاستناد عليه .
الا ان تجربه بناء نظام سياسى قد انهارت عندما تم الاعلان عن (التوالى السياسى) وطرح دستور عام 1998 حيث تعرضت التجربه للضغوط الداخليه من انصار التيار الاسلامى الحاكم والخارجه عنه من القيادات الحزبيه السياسيه ولكل منهما مبرراته والتى تتلخص فى-
• ان التجربه من شأنها الغاء دور الحزب السياسى وحرمان صفوه الحزب الحاكم من ميزات الحكم فى مواقع متعدده من الممكن ان يصل اليها عناصر اخرى متفاعله ايجابا بالتجربه وخصوصا وان اهم شروط القياده هو اختيار " القوى الامين " وهى صفات متوفره بكثره وتشمل عناصر وطنيه غير منتميه" لحزب الجبهه الاسلاميه القوميه " الذى بدأ فى التعريف عن نفسه كصانع للانقلاب العسكرى والمفجر لثوره الانقاذ الوطنى, وان استحقاقات الاستمتاع بالسلطه لابد وان تكون قاصره على عناصره ورفع شعارات " الولاء قبل الخبره." و"التمكين "و"التأمين"......الخ. .
• ان التجربه ايضا من شأنها ان تلغى ادوار الاحزاب التقليديه وتعلن استنفاذها لاغراضها , لان اعضاء الاحزاب التقليديه يجدون مساحات للحريه ومناسبات لابراز قدراتهم الثقافيه والحركيه اوسع داخل نظام المؤتمرات وفرص اكثر لممارسه القيادة , وان الصفوه والنخب والطلائع الحزبيه من الممكن ان يضمحل دورهم , وخصوصا بعد ان تم اكتشاف امكانيات كسر احتكارهم للقيادة.
• ومن الاشياء الموضوعيه ان الحزب الحاكم والاحزاب المعارضه له تديرهاعناصر من الصفوه ذات اصول طبقيه واحده وشرائح اجتماعيه متقابره وتقافات متناغمه وانهم فى صراع سياسى على السلطه سيفرض عليهم الوفاق فى احدى محطاته وسوف يشهد اتفاقا بين الحكومه واجزاء واسعه من المعارضه , وان مقولات الوحده الوطنيه والضغوط المختلفه الخارجيه والداخليه والازمات التى يمر بها الوطن تستدعى التطلع لنظام سياسى يضم ائتلاف حزبى حاكم وائتلاف حزبى معارض فى اطار فكرة " التوالى السياسى ".
• كما وان اللجان الشعبيه والتى تم اختيارها فى الدورة الثالثه اختيارا حرا مباشرا بدون ضم او تعيين اصبحت تمثل مركزا مهما من مراكز القوة الفاعله بعد ان استصدمت الحركة الاسلاميه من جراء اسقاط العديد من قيادتها على المستوى الشعبى وعدم اختيارهم فى اللجان الشعبيه للاحياء والقرى حيث اصبح من غير الممكن تكوين "لجان شعبيه سريه " او موازيه لما تم اختياره بواسطة جماهير المؤتمرات الشعبيه مما قد يؤدى لاحداث مفاجأة "اى بناء نظام سياسى بدون انصار الحركة الاسلاميه الحاكمه" , لذا قررت الحركة الاسلاميه اقتحام نظام المؤتمرات وتعيين امرائها امناء لكل المستويات " الاحياء– القرى– المحليات- الولايات–القطاعات ......الخ,وتراجعت العناصر الانقاذيه ومنها من عاد الى مواقعه السابقه مجترا للتجربه الحزبيه حيث اصبحت الهيمنه للعناصر الاسلاميه على نظام المؤتمرات والذى تم ذبحه قربانا لاعلان تنظيم المؤتمر الوطتى عند انعنقاد المؤتمر العام الثانىوالذى اعتبر تطورا لتنطيم " الجبهه الاسلاميه القوميه والذى كان تطويرا لجبهه الميثاق الاسلامى والذى كان تطويرا لحركة الاخوان المسلمين والتى كانت تطويرا للجماعه الاسلاميه " واصبح المؤتمر الوطنى حزبا جماهيريا حاكما تديره الصفوه والطليعه والنخب السياسسيه المحترفه من عناصر الحركة الاسلاميه .
لم يوفق المعارضون لنظام المؤتمرات الشعبيه عندما وصفوه بانه نظاما شموليا , لان النظم الشموليه لاتعترف بأى نوع من الممارسات التى تنسب للديمقراطيه المباشره بل هى على تناقض معها وانها تقوم على قاعده الحكم المطلق, وان شكل المؤتمرات واللجان الشعبيه اكد بأن سلطه اتخاذ القرار من صنع المواطنيين حتى ولو كان ذلك على المستوى الخدمى, وكان من الممكن تطوير التجربه حتى تكون على مستوى القرارات السياديه, لقد حاولت المعارضه تبخيت التجربه لافساح المجال امام عودتها لممارسه السلطه دون حدوث اى مؤشرات على حالات التغيير على انصارها والذين استمتعوا بثمرات ممارسه السلطه بعيدا عن احزابهم , وخصوصا وان الاحزاب التقليديه لاتحمل رؤيه غير فكرة لجان الحزب بالاحياء والقرى والتى تكرس فكره الطليعه والنخبه والصفوه والتنظيم الجزئى , وهى فى مجملها افكار جزئيه لان الحزب جزءا من الشعب وليس هناك حزبا لكل الشعب , وان لجان الاحزاب على مستوى الاحياء والقرى تنقل حالات التناحر التى تتم بين صفوه ونخب وطلائع تلك الاحزاب على مستوى القياده مما يعد من المسائل السلبيه,
ومازال الصراع قائما بين انصار نظام المؤتمرات على الاقل فى شكله القاعدى"المؤتمرات واللجان الشعبيه" والذين يهدفون لتجويد وتأصيل التجربه واعادة قرائتها لتطوير محاسنها والتخلص من سلبياتها, وانصار التجربه التعدديه الحزبيه والتى تروج لها القوى المعارضه من الاحزاب التقليديه ومن المؤتمر الوطنى الحاكم وان شبهه التنظيم الشمولى تلتصق اكثر فى الدعوه المعلنه للاصلاح السياسى حيث تتبنى تلك القوى السياسيه " نظام ديمقراطى شمولى " وليس ديمقراطى حقيقى بمعنى ان (النظام السياسى الذى تروج له يعتمد على الانتخابات العامه والتى بالرغم من انها شعبيه الا ان الشعب نفسه لايملك سلطة دستوريه تسمح له بالمساهمه فى اتخاذ القرارات الحكوميه والفوقيه حيث تنعدم الشورى بين الجماهير المحكومه والصفوه والنخب والطلائع الحاكمه).
لم تتصادم المؤتمرات واللجان الشعبيه فى ممارستها مع مفهوم الشورى فى الاسلام والتى تهدف لتأليف القلوب واشاعه المودة بين الناس نتيجه المشاورة والتعود لاتباع هذا النهج فى معالجه كافه الامور , وبحيث عدم الاعتراف بأى توصيه تبيح ما هو باطل شرعا أعتبارها احد الدعائم الهامه التى يقوم عليها المجتمع الاسلامى, حيث تعتبر عنصرا من عناصر الشخصيه الايمانيه الحقه , ولما كانت الممارسه من خلال نظام وليس تنظيم فكانت السياده لتكليفات الشريعه الاسلاميه حتى ولو خالفت الاغلبيه وبهذا التناغم فكان التطبيق يؤكد على( ان الشورى مبدأ والمؤتمرات الشعبيه واحده من تطبيقاته وجزا من الوسائل والادوات التى يسخرها الشعب لبناء نظام سياسى عادل , على ا ن الديمقراطيه المباشرة تهدف فى الاساس لتطبيق صحيج لمنهج الشورى والتى هى امر قرأنى فى قوله تعالى بسورة ال عمران ايه 159(فيما رحمه من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعف عنهم واستغفرلهم وشاورهم فى الامر فأذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين )وقوله تعالى من سورة الشورى ايه 138(والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).
ان الحاجه ضروريه وماسه فى الاستفادة من تجربه المؤتمرات واللجان الشعبيه واعادة قراتها (بواسطه كافه التكتلات السياسيه)حتى تكون احد الوسائل لتفعيل الحراك الشعبى وترسيخ قواعد واسس الوحده الوطنيه ومبادىء المشاركة الجماعيه فى مواجهه عناصر التخلف بتداول كافه الاراء والبرامج والخطط وفقا لايدلوجيه خارطه طريق مستقبليه تتجاوز صراعات الفرقاء حول السلطه وتدعو لطريق ثالث للحوار والاستماع للاخر والتعامل وفقا لاحسن وانجح الاراء بدون تحييز لمن هم فى السلطه او المعارضه وان تكون المصالح القوميه والوطنيه العليا مصانه شعبيا وان تحقق الجماهير دورها فى الرقابه الشعبيه والمراجعه الديمقراطيه ومواجهه الفساد بكافه اشكاله والدعوة والتبشير بديمومه ممارسه للديميقراطيه الحقيقيه التى تهدف لتحقيق سلطه الشعب وفقا لمؤسساته المختلفه وسيطرته على السلطه والثروه وتعهده بحمايه الوطن.ذلك بأعتبارها اعلى مراحل الديمقراطيه .
لقد مضى حوالى ال22 عاما على انعقاد مؤتمر الجوار السياسى الذى انعقد عام 1990 واصبح من الضرورى بعد تلك الفتره الطويله وتجاربها السالبه والموجبه, ان يعقد حوارا اخر تشارك فيه كافه القوى الحيه بالمجتمع مع احزاب الحكومه والمعارضه للاتفاق على رؤية استراتيجيه لمستقبل السودان فى كافه المجالات , بدلا من تبادل الاتهامات والدعوات الهلاميه حول التغيير والاصلاح السياسى والتراوح فى المكان دون تحقيق اى خطوات للامام بل والتراجع المستعمر وفقدان الارض والثروات وازهاق الارواح فى الاقتتال الاهلى واحتراق الاجيال جيل بعد جيل والاستسلام واللامبالاه وانتظار الانهيار وترقب السقوط وتعمييق الاحباط وفقدان الامل فى تحقيق السلام والاستقرار والتنميه . ان المستقبل يجب ان يكون للبرنامج الوطنى والذى يحمل فى طياته الحفاظ على المصالح الوطنيه والقوميه العليا , بحل كافه الاشكاليات والعوائق والتصدى للمهددات والمخاطر بشكل وباسلوب وادوات جماعيه متكامله ومتناغمه حيث لن يسمح الزمن للصفوه اى كانت بالتلاعب والمناورة والتحايل وممارسه الدجل لعرقله المسيرة.
ان من الممكن والمفيد تجاوز تلك الحلقه المفرغه التى صنعتها الصفوه بصراع الفرقاء حول السلطه والحيلوله دون استمراريه هذا الصراع الدامى والمتنامى من خلال حوار وطنى شامل كعصف ذهن ومخاطبه العقول بمسئوليه وطنيه واسبعاد المصالح الذاتيه والشخصيه , وبدون جدول اعمال مسبق وبدون سقف زمنى محدد انما وفقا لاستخلاص النتائج والاتفاق على تعميمها وتنفيذها واخضاع عمليه " تداول السلطه" لتتابع التنفيذ بواسطه من يتواجد بشرعيه جماهيريه عبر انتخابات نزيهه وحره فى ممارسه الحكم تحت المراقبه الشعبيه المباشرة ,وذلك فى ظل مبادرة للتواثق الوطنى التى ستكون بحق من اعظم المبادرات التاريخيه والمواطره فى دستور يوافق عليه الشعب ويتعهد بحصانته والدفاع عنه كلما تعرض لاى من حالات التعديل الفوقيه او التجميد او الالغاء.
اننا ندعو لطريق ثالث يجمع بين العناصر الوطنيه فى الحكومه والمعارضه للمشاركة الفوريه لبناء ملتقيات جماهيريه فى القرى والفرقان والمدن حيث تتم مصالحه الجماهير مع نفسها بعيدا عن التناحر المدمر فيما بينها لتأطير جميع المتواجدون فى هذه الاوساط الجعرافيه بدون فرز او عزل او اسقاط للحوار والنقاش والمشاركة فى اتخاذ التوصيات والقرارات واختيار عناصر منهم بالاختيار الحر المباشر لتنفيذ تلك التوصيات و اختيار امانه للملتقى ذات طابع ادارى لمتابعه تنفيذ ماتم الاتفاق عليه ودعوه الملتقى للانعقاد للمراجعة الديمقراطية ومحاسبه اللجنة الشعبية المختارة , وتكون للملتقى شخصيه اعتباريه سيادية وحصانه جماعية بحيث لايمكن حله او تجميده الا بواسطة المنتمين اليه او ارتكابه لما يهدد امن الوطن عبر ادلة وبراهين ثابته وغير قابله للشك لانه يجمع كل المواطنين بالاضافة الى انه يعالج المشاكل الخدمية والتنموية ويمارس الرقابة الشعبية . وان يتحول صندوق الاقتراع لاداة ايجابيه لاختيار القوى الامين عبر الدوائر الجغرافية للمجالس المحلية والولائية والمجلس الوطنى وان يعاد بناء المؤسسات القطاعية المختلفة على أسس ديمقراطية حقيقية وذلك كبداية للسير فى طريق الديمقراطية الحقيقية والله المستعان


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 670

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمود عابدين صالح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة