فيل الإنقاذ
03-20-2012 08:35 AM


فيل الإنقاذ

عبد الله مكاوي
[email protected]

ظل الأستاذ الجميل الطاهر ساتي يشرع رماح الحقيقة طاعنا بها فيل الفساد الإنقاذي الذي ماتت فيه كل الأعصاب الحسية وتحول الي كتلة من الجلد السميك والميت وتاركا الظل ليمرح فيه كتاب النظام الذين يوجهون النقد المبطن بالخوف علي المصالح، وهم أحسن حالا من أولئك الذين يطالبون بإحضار فيلة أخري لتؤانس وحشة الفيل الإنقاذي ونقصد بهم الذين يطالبون ببقاء النظام الحالي متحججين بأنه ليس هنالك أفضل من هولاء الحكام وقد جربنا غيرهم ولم ينجحوا والمشكلة لدي هولاء أنهم يعتقدون ان الإشكالية تكمن في الأفراد الذين لا يحسنون الحكم وهم ينسون او يجهلون أن المشكلة المزمنة التي عانينا منها طوال الماضي الحزين هي كيفية حكم البلاد؟ وغياب او تغييب دولة المؤسسات والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية وغيرها من سمات الحكم الحديث وليست من يحكم البلاد! ومن خلال السعي الحسيس للأستاذ الطاهر للبحث عن الحقيقة أثيرت الكثير من القضايا و تكشفت الكثير من ملفات الفساد التي تم نشرها علي الملأ ، وإذا كانت جهات الاختصاص والرقابة علي تلك الجهات لم تتابع هذه الملفات فتلك مصيبة أما إذا علمت بها وغضت الطرف عنها فالمصيبة هنا أعظم وأنا أكثر ميلا للتفسير الثاني وذلك بحكم ان هنالك ملفات تم فتحها وكونت لها اللجان ثم ما لبست ان اهملت وقبرت حتي طواها النسيان لتستمر الساقية في الدوران غير آبهة بصرخات الصحافة والمعارضة والمغرضين الخونة. ومن خلال المتابعة المتقطعة( بحكم الظروف) لكتابات الأستاذ الطاهر ساتي لاحظت ان هنالك قاسما مشتركا بين كثير من تلك الملفات وهو الطريقة التي يتم بها تعين رؤساء الهيئات والمؤسسات التي تمت بها تلك التجاوزات وطريقة اتخاذ القرار داخل هذه الجهات وتركيز كل السلطات لدي جهة محددة او فرد محدد مع غياب أي آلية للرقابة او المحاسبة وتداخل الاختصاصات او بالأصح تغول الرئيس علي كل الاختصاصات وكل ذلك لم يحدث من فراغ وإنما كان انعكاس مباشر للطريقة الاحتكارية والاستبدادية التي تدار بها الإقطاعية اقصد الدولة السودانية الشئ الذي يمثل حاضنة للفساد ومساعد اكبر علي التجاوزات، ولذلك اذا لم يحدث تغيير جذري في بنية الدولة السودانية والخروج بها الي بر المؤسسية والحكم الرشيد واذا لم يتم لجم عقليات التمكين وأهل الحظوة ستذهب كل محاولات الإصلاح أدراج الرياح وتصبح هباءً منثورا وسيعاد اختراع العجلة باستمرار في شكل مبادرات ومؤتمرات وهلمجرا. وفيما يتعلق بالشق الإداري نحتاج الي ابتكار حلول عملية تسد منافذ الفساد حتي لو كانت ذات صبغة تطويل او بيروقراطية بمعني اتخاذ القرارات الهامة (بعد تحديدها مثل العطاءات ) ليس عبر الرئيس وخاصته فقط ولكن عبر لجنة مكونة من رؤساء الأقسام والوحدات أي ان تكون هنالك مشاركة فعلية في اتخاذ القرار من جانب اكبر قدر من المشاركين الملمين بتفاصيل الموضوع المحدد وتحت إشراف جهة قانونية محائدة واذا كانت القضية حساسة او ذات صبغة مرتبطة بأرواح المواطنين يتاح للبرلمان الإشراف عليها او متابعتها او تعديلها اذا لزم الأمر بما يتوافق مع المصلحة العامة علما بأن للبرلمان لجانه المتخصصة في كل فرع ومن حقه الاستعانة باي جهة فنية أخري تملك أجوبة للموضوع المحدد، بالإضافة لتمكين الإعلام من القيام بدوره في الرقابة والتنبيه والتقصي وطرح التساؤلات وتتبع القضايا وتسليط الأضواء علي مكامن الخلل بحرية تامة، وأيضا الطريقة التي يتم بها اختيار الرؤساء يجب ان تخضع لضوابط محددة وصارمة وقاسية بالإضافة للكفاءة والسيرة المهنية الجيدة يجب علي الرئيس ان يبتعد نهائيا عن الأعمال التجارية التي تتضارب مع منصبه او خلق علاقات خاصة مع أي جهات يمكن لها ان تستفيد من منصبه وذلك بعد تحديد واجباته واختصاصاته وحدود وظيفته بصورة جلية لا لبس فيها ولا دغمسة وكل من يتقدم للمنصب او الوصول اليه بحكم التراتبية المهنية يكون معرض للتنقيب عن تاريخه المالي والمهني طوال مكوثه في المنصب او بعد مفارقته لمنصبه لمدة عامين علي الأقل ومن يرفض ذلك عليه ألا يتقدم للمنصب او يعتذر عنه. واستكمالا للموضوع هنالك جانب اجتماعي يتعلق ايصا بشبهة استغلال المنصب وهذا الجانب يشترك فيه الجميع وهو ينشأ من العلاقة الإشكالية بين تقاليد وعادات مجتمعنا المحلي والقوانين واللوائح بحكم ان هذه القوانين واللوائح غريبة عن البيئة المحلية ومصدرها الثقافة الغربية او منتجات الحداثة عموما ولذلك يتولد حاجز نفسي وكثير من الحرج عند تطبيق القوانين واللوائح علي الأهل والأصحاب والعشيرة وذلك بالنسبة لأصحاب الشخصيات القوية والشجاعة أما الغالبية العظمي فتسقط في هذا الاختبار الشديد علي النفس وتلجأ للحلول السهلة والسباحة مع التيار بخدمة الأهل والأصدقاء والعشيرة اوعلي الأقل تسهيل الإجراءات لهم داخل الاختصاص او الجهة المعينة او تفضيلهم بأي صورة من الصور من غير عذاب او تطويل يعاني الآخرون منه ومما يساعد علي الانجراف في هذا التيار ان المجتمع نفسه يفضل هذه النماذج ويفتخر بها علي اعتبار ان من يخدم أهله وأصحابه هو إنسان جيد بغض النظر عن الكيفية! ومن يتصدي لهم ويطبق فيهم القوانين واللوائح او يعاملهم كالآخرين من غير تمييز يعتبر( زول ناشف وكعب وما فيه خير) ويشكون منه ويتمنون ويسعون لإبعاده ويفرحون برحيله ولسان حالهم يقول تستاهل (والله لا عادك)، والخلاصة ان سلطة التقاليد والعادات اقوي من سلطة القوانين واللوائح وهي قضية شائكة و معقدة يحتاج علاجها لتضافر مجهودات علماء المجتمع والتربية والنفس و البيت والمدرسة والمجتمع والإعلام لتسكين مسالة احترام القوانين واللوائح في عقول وقلوب الجميع لتنعكس في شكل رقابة ذاتية وسلوك عفوي يمارسه الجميع دون تكلف او مجهود . وتكامل كل الأدوار المذكورة سابقا يقلل كثيرا من مخاطر الفساد والتجاوزات ويفتح طاقة أمل ليوم باكر.
وبالرغم من قتامه الواقع وكثرة الأخطاء إلا ان هنالك نماذج مشرفة تدل علي ان المجتمع ما زال يحتفظ بالخير وأهله وهي نماذج تستحق الاحتفاء بها لأنها تمثل قدوة للآخرين وتدل علي ان التربية الجيدة والتمسك بالخلق القويم والاستقامة قادرة علي إكساب صاحبها الحصانة ضد الانزلاق في بركة الفساد الآسنة، وقد تختلف درجات البشر في مقاومتهم للفساد واستعدادهم للبزل والتضحية باختلاف شخصياتهم ومدي تحملهم للتبعات، وفي هذا المقام لابد من الإشادة بلجنة ترخيص مصانع الأدوية والمستحضرات الصيدلانية بالمجلس القومي للأدوية والسموم برئاسة البروف أبوبكر عثمان محمد نور، عميد كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم فقد قامت بواجبها خير القيام ونخص بالشكر البروف أبوبكر عثمان علي مواقفه الشجاعة وانضباطه الذي أكد به ان الوطن ما زال جميل بأبنائه والتحية للكاتب المميز الطاهر ساتي حفظه الله .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 688

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله مكاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة