المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
رباح الصادق المهدي
أم.. زخارف في الواجهة؟
أم.. زخارف في الواجهة؟
03-21-2012 12:32 PM

أم.. زخارف في الواجهة؟

رباح الصادق

استعرضنا في مقالنا الماضي مشروع "قانون سلام وأمن ومحاسبة السودان لسنة 2012م" الذي قدمه للكونغرس الأمريكي السيناتور ابن قوفرن ضمن ستة سيناتورات آخرين، والذي اعتبر مشروع حرب مدنية، أو لغم أمريكي جديد. واليوم نحاول تقليب الأمر ضمن حالنا السوداني الراهن والعلاقات السودانية الأمريكة ليس لتأطير هذه المعاني ووضعها في مقالة تأسيسية ولكن لإثارة أفكار وأخبار متعلقة قد تلقي ضوءا يفيد أي جهد ينحو لدراسة علاقة حكومة السودان بأمريكا في العقدين الأخيرين.

لقد حاولنا من قبل إلقاء ضوء على علاقة حكومة السودان بواشنطن إبان مقتل السيد أسامة بن لادن رحمه الله، وكتبنا بعنوان (بعد الفراق) متعرضين لكتابات أمريكيين هامين في تتبع العلاقة السودانية الأمريكية هما تيموثي كارني سفير أمريكا الأسبق بالخرطوم، ومنصور إعجاز الأمريكي باكستاني الأصل المسلم الديمقراطي الذي ضاق ذرعا بتسويف إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون (1993-2001م) فيما يتعلق بقبول عروض السودان المغرية للتعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة. وسوف لن نعود اليوم لتلك السنوات، سنوات التمنع الأمريكي الذي فاق الحدود، حتى جاءت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش (2001-2009م) واتخذت سياسة جديدة قائمة لدرجة كبيرة على المداراة والالتفاف. فهي تتماشى مع ضغوط لوبيهات كثيرة أمثال لوبي حقوق الإنسان، ولوبي الحقوق الدينية، والكوكس الأسود، والمتحف التذكاري للمحرقة (الهولوكوست)، ولوبي مكافحة التشهير، وجماعة منع الإبادة الجماعية، وحركة كفاية (اينوف)، فتقوم بإصدار عقوبات من وقت لآخر، ولكنها تغوص في التعاون مع حكومة السودان حتى أذنيها.

ولنعود للعام 2006م، ففي هذا العام وما تلاه أحداث وردت كحيثيات في القانون الجديد وهي تصلح لاستصحابها ونحن نحلل حالة قانون سلام وأمن ومحاسبة السودان. ففي 13 أكتوبر 2006، أصدر الكونغرس الأمريكي `قانون السلام والمحاسبة في دارفور لسنة 2006`. وفي 27 أبريل 2007م أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) مذكرات اعتقالها للسيدين محمد هارون وعلي كوشيب. وفي 31 ديسمبر 2007، صدر `قانون محاسبة وسحب استثمارات السودان لسنة 2007`.

قال مؤسس كفاية (إينوف) بالاشتراك، جون برندرقاست، ومدير الشؤون الافريقية في مجلس الامن القومي الاميركي في إدارة كلينتون، والمسئول في مجموعة الأزمات الدولية حينها (2007م): إن العقوبات الاخيرة التي فرضها بوش على السودان عملية استعراضية (وضع زخارف في الواجهة) تهدف الى إظهار انه يتخذ موقفا حازما بينما هي في الواقع تضمّد موقع الضغط (ليكون خفيفا) على الحكومة السودانية. وقال (إن أحد الحواجز التي تمنع ردا حقيقيا على عمليات الابادة في دارفور هي التعاون المتزايد بين حكومتنا والخرطوم في مكافحة الارهاب). وقال: هذا هو السبب في الفجوة الواسعة بين الكلام والعمل. (السودان الشريك السري الأمريكي- مقال قيرق ميللر وجوش ماير نشر في صحيفتي البالتيمور صن، ولوس أنجلوس تايمز سويا في 11 يونيو 2007م).

في مقال ميللر وماير المشار إليه أكد خبراء بالسي أي إيه أن الاستخبارات السودانية أقامت شبكة عملاء للـ«سي آي إيه» للتجسس على المسلحين بالعراق (انظر المقال معربا في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 12 يونيو 2007م). وكذلك في الصومال وغيرها. واعتبر البعض أن الخدمة السودانية لا تقدر بثمن فـ (ليس هناك الكثير مما يمكن أن يفعله أشقر ذو عيون زرق في الشرق الاوسط أو في العراق تحديدا بينما يمكن للسودانيين ان يذهبوا الى اماكن لا نستطيع الذهاب اليها لانهم عرب، ويمكنهم التجول بحرية) بحسب ما جاء في المقال.

هذه الحالة التي ظاهرها عذاب وباطنها رحمة تكررت لدى إدارة أوباما مع التخفيف لمدى أكبر في صيحات العذاب. ونجد أن مقالا آخر نشر في موقع صيحفة الواشنطن بوست عام 2010 أي تحت إدارة أوباما، يكرر الإفصاح عن حالة التعاون الكبير استخباراتيا بينما يظل الخطاب الرسمي (خاطف لونين) كما يقول تعبيرنا السائد، فهناك تصريحات غرايشون ثم لايمان التطمينية، ولكن هناك من حين لآخر تذكير بالإدانات الدولية ومطالبات لحكومة السودان وتهديد بإيصال الإغاثة للمتضررين من الحرب في الحدود مع الجنوب رضيت الحكومة أم أبت.

المقال المذكور الذي كتبه جيف ستين تحت خدمة spy talk "حديث الجاسوسية" في صحيفة الواشنطن بوست يذكر أن مسئولا استخباراتيا أمريكيا يؤرخ للتعاون مع السودان بما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م وآخرون يذكرون أنه سبق الهجمات المروعة بسنوات، إلا أنه «كان سريا جدا، حتى ضباط (سي آي إيه) في السفارة الأميركية في الخرطوم لم يكونوا يعرفون التعاون عندما بدأ". وذلك خوفا من سجل حكومة السودان فيما يخص حقوق الإنسان.

وإن التعاون بدأ في عهد الرئيس السابق كلينتون وكان «مثمرا إلى درجة لا تصدق». وإن التعاون اقتصر في مجال مكافحة الإرهاب "وظلوا شركاء ممتازين في هذا المجال"، وهو الشيء الذي أشار له مسئولون سودانيون كثر في مناسبات متفرقة بعضها علني وبعضها سربته الويكيليكش ومنهم السيد صلاح غوش، والسيد غازي صلاح الدين.
البعض يرى الضغوطات الأمريكية على السودان هي حلقة داخل منظومة سياسية تقوم على الضغط والترهيب على الخرطوم لتقوم بتنازلات معينة مقصودة في حد ذاتها، ثم لا تحصل الخرطوم إلا على غبار صغار شاعرنا محمد المهدي المجذوب الآيبين من ليلة المولد بلا حمّص. وهذا هو مفاد مقال الأستاذ خالد التجاني النور في مقاله "ترويض الخرطوم .. التدخل الأمريكي الأرخص كلفة" المنشور هذا الشهر، قال خالد: (إن محاولة الخرطوم المحدودة للاحتجاج على مسلسل التنازلات بدون مقابل من خلال رفضها للتدخل الإنساني في "الجنوب الجديد"، فتحت عليها أبواب ضغوط أمريكية متزايدة بغرض "ترويضها" مجدداً, ليس الفيتو على مؤتمر اسطنبول أولها، كما أن قانون "سلام السودان" الذي يستدعيه المشروعون الامريكيون كلما احتاجوا لتشديد الضغوط على الخرطوم بالمزيد من العقوبات ليس آخرها).
ولكننا نرى هذه الضغوط مثلما رأى برندرقاست عقوبات بوش قبل خمسة أعوام: زخارف ظاهرية. فقد غيرت واشنطن فيما يبدو خطتها الإقليمية، وصارت برمة بالعملاء واضحي العمالة لأنهم يكلفونها شططا أمام الرأي العام في قهرهم لشعوبهم وبذا تخلت عنهم بسهولة كما فعلت مع مبارك مصر مما أغضب بقية أخوته من الزعماء المماثلين بمنطق: (أخوك لو زينوا ليه بل راسك)، وأمريكا اليوم تنسق جهودها وتبذله كله في إطار التعاون الأقصى ولكن خلف ستارة العداء والشتائم، وقطر هي المثال الأبرز حيث وجهت قناة الجزيرة طيلة عمرها سهامها نحو واشنطن وإسرائيل حليفتها بشكل يتناغم مع وجدان وضمير الرأي العام العربي، في حين أن قطر هي الواجهة التي تتدخل بها واشنطن الآن في بيت كل منا. ومن النسخة القطرية استنسخت واشنطن واجهات أخرى في السودان وفي كازاخستان. يقول مقال ميللر وماير: تظهر هذه العلاقة تعقد عالم ما بعد 11 سبتمبر حيث اعتمدت الولايات المتحدة على حكومات مثل السودان وكازاخستان اللتين تنتقدهما بسبب سجل حقوق الانسان فيهما.
فقد يكون السيناتورات السبعة حملوا في أيديهم سلاحا، وتظاهر بعضهم أمام السفارة السودانية مطلع الأسبوع وعلى راسهم ابن قوفرن وقد قضى حبسه مع الممثل الشهير جورج كلوني الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في سويعات اعتقاله تلك، وكذلك كان ضمن المحبوسين جون برندرقاست، ولكن هؤلاء وغيرهم ممن حملوا سلاح القانون ربما لن يستطيعوا منع القلب الاستخباراتي لبلادهم من أن يفرغ رصاص السلاح أو يجعله فشنك! وإن استطاعوا حمل سلاح حقيقي بالقانون المذكور فإننا لا نعلم مدى مقاصدهم الحقيقية في بلاد ليست بلادهم.
لا يمكن نكران أن هذا القانون وغيره مهما كانت مقاصده يفلح في إلقاء الضوء على القضية السودانية عالميا وإقليميا ووطنيا، ويهيء الساحة أكثر لنقاش الحلول، ويضغط على الحاكمين في الخرطوم ليجدوا حلا وطنيا عاجلا، وهذا كله يجعل القانون مناسبة للتحرك نحو غاية الوطن: السلام العادل والتحول الديمقراطي الكامل وتفكيك دولة الحزب لصالح بناء دولة الوطن. ولكن على الشعب السوداني، أن يعي الدوافع التي يحدث بها التدخل في شئونه، ويدرك أبعادها فالبعض أمّل أن أمريكا هبت لنصرة الشعب وإنقاذه من ويلاته الكثيرة، والآخر من طرف الحكومة هب يشتم أمريكا ويتوعدها، وكلا طرفي قصد السبيل ذميم، أما طريق النجاة فهو إما أن نهب جميعا في فرض حلول الشعب قبل حلول الأجنبي، أو أن نجلس جميعا لوقف دوامة الحرب هذه ونتفق على أسس السلام العادل والحكم الرشيد، إن هذه البلاد لن ينقذها إلا بنوها، فإن تكلسوا وتقاعدوا وانتظروا الغيث من خارجهم وجعل بعضهم يصيح في وجه بعض: يا خائن يا عميل أو يا سادن يا زنيم إذن هي هي الهاوية، وها قد بدأنا السقوط.
وليبق ما بيننا


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2314

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#314102 [أحمد عبد الباري]
4.17/5 (10 صوت)

03-22-2012 10:29 AM
أول مستفيد من التدخل الأمريكي السافر في شئون السودان هي الحكومة نفسها. حساسية وتر الوطنية التي لا يقبل أي منا المساس بها هي ما يدفعنا إلى التحول ضد هذا التدخل وبالتالي الوقوف مع ودعم الإنقاذ شئنا أم أبينا. على أمريكا أن تعي أنها بتدخلها في شئون السودان بأي صورة من الصور أنما تساعد في تطويل عمر الإنقاذ، وعلى قادة الإنقاذ أن يعوا قبل غيرهم أن كانوا حريصين على الوطن خطورة هذا التدخل الذي يشكل وجودهم على السلطة أهم مبرراته الملتوية. يجب على قادة الإنقاذ إحداث اختراق هام (Break through) ، سواء بتشكيل حكومة وحدة وطنية كبيرة أو التفاوض مع (المتمردين) بلقب مفتوح وتقديم تنازلات جوهرية، أم أي صورة لإدارة الدولة يتفق عليها الجميع. وعلى الشعب السوداني من الطرف الآخر أن يدرك أننا وصلنا إلى مرحلة لا تقبل التأخير فأما أن ننزل إلى الشارع أو نسمح بإنزال جوي لذوي القبعات الزرقاء. من المؤسف حقاً أن ينتظر مفجري الثورات العربية أن تأتيهم الانتفاضة من الخارج. نحن أحفاد أول ثورة في تاريخ العرب وأفريقيا (الثورة المهدية)، وتتالت ثوراتنا وهباتنا وانتفاضتنا بعد ذلك على الأنظمة الديكتاتورية في وقت كانت ترزح فيه معظم دول الجوار العربي والأفريقي تحت الاستعمار أو تقبع داخل قوقعة الشمولية في عصرنا الحديث. مبررات التدخل موجودة وعوامل نجاح تقسيم السودان إلى أربع أو خمس دويلات متوافرة إذا نظرنا إلى الفوضى التي تكتنف الدول التي كانت في السابق تقول لا لأي محاولة من هذا القبيل وخصوصا مصر وعلى نحو ما ليبيا. لا أدري كيف تكون علاقة الإنقاذ مع دويلة قطر (City State of Qatar)، على هذا النحو من الدفء وهي التي تعمل ليل نهار كمخلب قط لأمريكا لإعادة تشكيل خارطة المنطقة وتتآمر علينا سراً وعلانية. قد يغضب حديثي كثيرين ولكن يجب على الجميع الوقوف بكل قوة مع الإنقاذ في عبور تلك العقبة ثم الانقلاب عليها أخيراً، أي يجب سقيها شربة ماء قبل أن نطلق عليها نحن (رصاصة الرحمة). لو خير أي سوداني بين بقاء هذا النظام وبين تغييره من الخارج تغييرا يتبعه تقسيم بلد المليون إلا ثلث ميل لاختار بقاء النظام، بل لاختار المحاربة مع النظام، إنها معادلة صعبة بل هي أصعب من قرار أحدنا تغيير ملته إلى المسيحية.


#313632 [khalid m ali]
4.11/5 (10 صوت)

03-21-2012 01:01 PM
السلام على عموم اهل السودان , اسهل الخيارات واثمنها فى ان نختارها نحن لنكون


رباح الصادق
رباح الصادق

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة