المقالات
السياسة
إصلاح الخطأ فى تعامل قيادة الحزب الشيوعي السوداني مع الرفاق
إصلاح الخطأ فى تعامل قيادة الحزب الشيوعي السوداني مع الرفاق
03-04-2016 10:30 AM


المحاكمة (the trial) من اجمل ما كتب فرانز كافكا وهى قصة رجل تتم محاكمته من قبل سلطة بعيدة وغير معروفة ويحاكم بتهمه لا يعرفها. وهى قصة مع جمال سردها وحبكتها الا انها تبعث على القلق والتوتر لان تهمة الرجل غير معروفة حتى نهاية القصة.
وهى تشبه الى حد كبير المحاكمة المستمرة لمجموعة الخمسة او مجموعة الشفيع كما يطلق عليهم. فقيادة الحزب او لنقل مجموعة من قيادة الحزب الشيوعي السودانى ولتوخى الدقة أصدرت أمرا بإيقافهم للتحقيق معهم وعندما انتهى التحقيق وبراءتهم اصرت هذه القيادة على رفض الحكم وصوتت لاستمرار "المحاكمة".
لقد تفوقت قيادة الحزب على خيال فرانز كافكا عندما قامت بتنفيذ" المحاكمة" على ارض الواقع ولكن ليس من قبل سلطة بعيدة او وهمية بل من قبل من يفترض ان يكونوا رفاق النضال معك ضد الظلم بكل اشكاله.
وقبل ان ادخل فى التفاصيل أودّ ان ألفت الانتباه وحتى لا يقفز أعداء الحزب لإدانته بما اكتب ان هذه المحاكمة الكافكية او الكافكاوية كما يحلو للبعض هى اول سابقة فى تاريخ الحزب حسب علمى. لم يحدث فى تاريخ الحزب القريب ان كونت لجنة تحقيق فرفضت القيادة حكمها وصوتت على الادانة.
وللامانة هناك الكثيرون من الأصدقاء من أعضاء الحزب يقفون ضد هذا الاستخدام السئ والمسيىء للسلطة وينظرون للامر من زاوية المبدآ وهوءلاء يمتازون بفضيلة المبداءية وروءية الأمور بحجمها الحقيقى دون ترك الاتهامات الانصرافية بالخيانة والتصفوية تغبش روءيتهم وتصرف أنظارهم عن الجرم الحقيقى وهو إساءة استخدام السلطة.

وحتى تكتمل الصورة سأقدم خلفية مختصرة جدا للجو الذى تم فيه البلاغ والإيقاف وبداءت فيه "المحاكمة". ففى اخراغسطس وفى اجتماع اللجنة المركزية أعلن السكرتيرالسياسي السيد الخطيب عن امر خطير يهدد أمن الحزب وانه لا بد من اتخاذ قرار عاجل. والامر الخطير هو ان هناك "بلاغ" بقيام مجموعة من خمسة أعضاء من الحزب عقدوا اجتماعات خارج الهيئات الحزبية.
لاحظ ان ما أعلن مجرد بلاغ والبلاغ وكما يعرف الجميع قد يكون صحيحا وقد يكون كاذبا وقد يكون كيديا ايضا. ولان البلاغ قدم من قبل السكرتير السياسي فلا بد ان يكون قد قام وبحكم مسؤوليته ليست السياسية فحسب ولكن الاخلاقية والمهنية ببعض التحقق من المعلومات التى وضعت بين يديه. او ان لم يسمح الوقت بهذا التحقق المبدئي فلا بد من استخدام ابجديات القيادة بعدم التعجل لان روءية مخاطر الاتهام فى امر كهذا ان ثبتت عدم صحته لا تحتاج الى كثير ذكاء.
وللمقارنة اذكر حادثة بلاغ اخطر من هذا ضد احد القياديين بالخارج. السيد السكرتير السابق اصر على عدم طرح الامر وعلى عدم التسرع باتهام الزميل حتى يتحقق من الامر وقد حدث وأمر بأبطال البلاغ وتوخى الحذر. وحينها لم يتسرع نقد باتخاذ اجراء او التصريح للصحافة لانه وبحس السياسي المحنك اشتم الفبركة وهشاشة الاتهام.
ومقارنة بسيطة بحياتنا اليومية توضح خطورة ما سمحت به قيادة الحزب. تخيل ان يطرق بابك منتصف الليل لتفاجاء برجل بوليس يريد ان يقتادك الى السجن لمجرد فتح بلاغ ضدك.
هذا ببساطة ماتم فى حزب له تاريخ ناصع فى الدفاع عن الديمقراطية وتكاد بياناته لا تخلو من المطالبة بإطلاق سراح او محاكمة من هم فى حراسات أمن النظام. بل دفع خيرون من أبناء شعبنا فى عضويته ثمنا للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان. انه انتكاس وخيانة لتاريخ الحزب وبصق على تراثه وثقافته.
ولكن دعونا نغمض عيوننا ونعطل عقولنا لبعض الوقت ونمشى الهوينا مع الذين يدافعون عن مثل هذا السلوك بحجة "حماية جسد الحزب" من الأعداء. انها مقولة يرددها بعض الرفاق ولا اغالى ان قلت دون التامل فيها وتقليبها. أهو حماية "الجسد" فى مقابل اضاعة "الروح" من التمسك بالديمقراطية وعدم إشاعة جو من التخويف والتفكير الحر ومساءلة قرارات القيادة؟
ان حماية جسد وروح الحزب هى فى التمسك بالشفافية والعمل الصارم بالديمقراطية ووضع سياسات لا تسمح بإساءة استعمال السلطة وتحمى عضو الحزب الجديد وسكرتيره السياسي بذات المعايير ونفس القدر. هذه هى الحماية الحقيقة والتى تقدم لجماهير شعبنا نموذجا يدعم ثقتهم فى الحزب ويلتفون حوله. اما حماية "جسد الحزب" بتعطيل الديمقراطية والتامر والتحايل فهى حماية لجسد بلا روح.

ولمعرفة مدى خطورة البلاغ وتهديده لأمن الحزب المزعوم فقد تم تكوين لجنة التحقيق فى هذا الامر الخطير وقامت بعملها مباشرة وقدمته للجنة المركزية فى شهر او اكثر بقليل ولكن اللجنة لم تنظر فى التقرير رسميا وتناقشه الا بعد مرور ما يقارب الخمسة أشهر ! وهذا يطرح عددا من الأسئلة منها عدم جدية قيادة الحزب فى امر هام كامن الحزب. وهو يطرح سؤالا هاما فى كفاءة القيادة ان كانت تحتاج الى خمسة اشهر كاملة لتنظر فيما وجدته لجنة التحقيق فى امر خطير يهدد أمن الحزب. وخلال كل هذه الفترة ازداد نشاط السيد السكرتير العام لا فى العمل ضد النظام او تجويد ملفات العمل الجماهيرى بل فى التصريحات المتواصلة ضد مجموعة الخمسة والتى تبين ان احد هؤلاء الخمسة ليس عضوا فى الحزب على الإطلاق.
ترى هل اطلع السيد السكرتير وكل او بعض قيادة الحزب على تقرير اللجنة عندما اجرى حواراته الشهيرة مع الصيحة وعندما صرح بمعدل تصريح كل أسبوع عن مجموعة الخمسة. ان كان قد اطلع على التقرير وقال ما قاله للصحافة وهو يعلم قرار اللجنة فهذه مصيبة وهى خير برهان على عدم احترامه لمؤسسات الحزب وطريقة عمله وانه كان يسعى لادانتهم فى الصحف عندما لم يفلح فى الادانة باستغلال موءسسات الحزب، وان لم يطّلع على التقرير فهى مصيبة اكبر تدل على معرفته بعدم جدية البلاغ وعدم خطورة الاتهام. وانا فى هذا لا الوم او أشير الى السيد المسؤول السياسي وحده بل كل القيادة. فالسكوت على الممارسة الخاطئة خطاء فى حد ذاته.

ان النهاية الكافكاوية لهذا الامر توضح ان الهام فى الامر هو الإيقاف والادانة لا التحقيق والتحقق. فقرار اللجنة أوضح خطل البلاغ وشكك فى مقدرة من قاموا بأمره.
وفى تقديرى وأتمنى ان أكون مخطئا ان فشل قيادة الحزب على الصعيدين الادارى والفكري قد شكل التربة الخصبة لنمو شجرة التامر. فالحزب بعد وفاة سكرتيرة السياسي الاستاذ محمد ابراهيم نقد ظل فى حالة اقل ما توصف به هو حالة عدم الكفاءة فى الفعل. فسياسيا ظلت كل ملفاته الهامة من التحضير لمؤتمره السادس وعمله السياسي الجماهيرى وتحالفات المعارضة وتكتيكاتها معطلة لا يتم فيها اتخاذ قرار.
وعلى المستوى الفكرى فهناك شبح طرح آراء تجديد الحزب وقضايا فكرية اخرى تعلم قيادة الحزب او على الأقل بعض القيادة عدم القدرة على إدارة وكسب هذا الصراع المشروع والصحى فى نظرى. وهو صراع تتمناه وتخطط له القيادة ذات المقدرات العالية وتهرب منه وتتآمر عليه القيادة التى لا تملك أدوات ادارته.

ان تاريخ البشرية فى كافة مجالاته هو تاريخ تعلمنا من الخطاء وهو امر سهل الترديد من الجميع ولكن الحظ يحالف فقط من يصرون على التعلم من الأخطاء وجعل الدروس جزاء من الممارسة فى المستقبل. ونظرة بسيطة لكافة المجالات فى حياة الدول المتقدمة توضح ذلك. فالطيران والصحة والقضاء وكافة المهن الهندسية وإدارة المشاريع والأحزاب السياسية تنجح بقدر تعاملها مع الخطاء.
والتعامل لايعني توجيه اللوم ولا البحث عن شخص او أشخاص لنلقى باللوم عليهم ثم نعود لذات الممارسة الخاطئة والتى لن توقف تكرار الخطاء بالتخلص من شخص او مجموعة أشخاص.
لقد أخطأت قيادة الحزب فى حق الحزب اولا وأساءت استعمال السلطة. لنفترض حسن النية فى توجههم رغم كل الموءشرات التى تشير الى غير ذلك. يجب التحقيق الدقيق مع من قدم البلاغ ومن دعمه ومن اصر على التصريحات المتكررة للإدانة فى الصحف اليومية. يجب ايضا وضع الضمانات الإدارية والإجراءية حتى لا تتكرر هذه الحادثة ولا أقول الجريمة مرة اخرى.
كما يجب التأكد من قدرة من قام او قاموا بها على المقدرةعلى الحكم على الأمور الحزبية ومدى إمكانية الثقة فيهم لإدارة شؤون الحزب والائتمان على حياة وارواح من يعملون معهم.
اصر هنا على التمسك بمفهومى المسؤولية "responsibility" والمساءلة "accountability". القيادى بالحزب مسؤول عن ما أوكل اليه من مهام ومسؤول عن من يعملون تحت قيادته ولكن ارجاء المساءلة للموءتمر غير ناجع وغير فعال فى مثل أمور إساءة السلطة وتحقيق ثقافة عدالة يحس الجميع فيها بالثقة فى ان مصيرهم لم ولن يكون معلقا بأهواء او تطلعات او أمراض شخص او أشخاص.
السلطة المطلقة مفسدة غض النظر عن نواياك وتطلعاتك ولن يعصمك حسن النية او نبل الهدف عن الفساد ان لم تكن هناك رقابة ومساءلة. واتهام من يمارس ضدهم سوء استخدام السلطة فى كل مرة مما يؤدى الى خروجهم عن الحزب بأنهم يمينيين تصفويين او ببساطة ثمار فاسدة يؤدى الى تساوءل كل من له عقل بفساد الشجرة كلها.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1902

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1424900 [مهدي إسماعيل مهدي]
0.00/5 (0 صوت)

03-07-2016 10:37 AM
عدم المصداقية + عدم المبدأية + ضعف الأساس الأخلاقي+ غياب الفكر= أزمة القيادة

كُل الأحزاب السياسية السودانية متشابهة الأداء .

بانت علل الحزب الشيوعي من زمان، ولكن؟! مين يقدر يقول البغلة في الإبريق.

رُب ضارة نافعة، فلربما ينجح الحزب الشيوعي في إجتياز هذا الإختبار .

[مهدي إسماعيل مهدي]

#1423930 [صديق عيدروس]
0.00/5 (0 صوت)

03-05-2016 06:25 PM
لقد اسمعت لو ناديت حيا


--
تحليل وتقويم راقي ورفيع ،، مفروض يعمم على صحافتنا وصحفيينا لتعم الفائدة

[صديق عيدروس]

احمد الفكى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة