المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية

03-24-2012 09:27 AM

حذاء اسماء الاسد

عبد الباري عطوان

لا نعرف ما هو الضرر الذي سيلحق بالسيدة اسماء الاسد زوجة الرئيس السوري اذا مُنعت من دخول دول الاتحاد الاوروبي، والشيء نفسه ينطبق على حماتها السيدة انيسة التي لم نسمع او نقرأ انها غادرت دمشق طوال الاربعين عاما الماضية، وربما اكثر. فبعض قرارات الحظر الاوروبية تبدو بلا معنى على الاطلاق.
السيدة اسماء الاسد وجدت نفسها، وبمحض الصدفة زوجة رئيس سورية، وعندما اصبحت كذلك لم يكن زوجها مطلوبا، او مكروها، بل كانت معظم الدول التي تعاديه حاليا يفتخر حكامها بصداقته، ويفرشون له السجاد الاحمر، ويعتبرونه زعيما للممانعة، رغم انهم كانوا يعرفون جيدا انه ديكتاتور، وان سجل نظامه هو الاسوأ في المنطقة العربية، وربما العالم بأسره على صعيد قضايا حقوق الانسان.
زوجة الرئيس السوري التي صدر قرار يحظر دخولها الى الجنة الاوروبية كانت حتى اقل من عام تحتل اغلفة جميع المجلات النسائية العربية، ومعظم الاوروبية، وتدبج المقالات حول اناقتها وجمالها، وتقدم على انها الوجه الحضاري للمرأة العربية الجديدة، ولم يحاول أحد من الذين يطاردون سيدة سورية الاولى ووالداها طلبا للقائها، ان يتوقف لحظة عند ديكتاتورية النظام السوري، وانتهاكه لحقوق الانسان واهانته لكرامة اكثر من عشرين مليونا من مواطنيه.
لا نعرف لماذا تعاقب السيدة اسماء الاسد على وجه الخصوص، فهي ليست جنرالا في الأمن السوري تشرف على تعذيب المعارضين او تصدر الاحكام بإعدامهم، انها لا تستطيع تطليق زوجها او الهرب من سورية لو ارادت الهروب، مما يؤكد ان هؤلاء الذين اصدروا مثل هذا القرار لا يعرفون سورية اولا، ولا يعرفون قوانين الاحوال المدنية ثانيا، ولا احكام الشريعة الاسلامية ثالثا، والاكثر من ذلك يغلقون ابواب النجاة في وجه امرأة، في حال قررت ان تترك زوجها واطفالها، وهذا ما نستبعده كليا.
ربما تكون الرسائل الالكترونية (ايميل) التي جرى تسريبها اخيرا الى بعض الصحف الغربية، ومنها الى نظيراتها العربية، قد كشفت عن استهتار السيدة اسماء بمعاناة الشعب السوري الذي يواجه القتل يوميا، من خلال اقدامها على شراء احذية او مزهريات مرتفعة الثمن، وهذه مسألة قابلة للنقاش على أي حال، لان حمى التسوق هذه كانت موضع اشادة قبل الاحداث الدموية السورية، ولكن لم يتوقف احد، او ربما القلة، عند امور اكثر اهمية وخطورة كشفت عنها الايميلات نفسها، وابرزها غياب دولة المؤسسات في سورية، وتركيز السلطات كلها في يد شخص الرئيس ومجموعة صغيرة من مستشاراته ومستشاريه، الذين يقررون كل شيء دون الرجوع الى اي مرجعية مؤسساتية في البلاد.
' ' '
كنا سندين بشدة مسألة تسريب هذه الرسائل، والسطو بالتالي على بريد الكتروني خاص، حتى لو كان لزعيم ديكتاتور، فهذه سرقة مخالفة للقانون، وتتساوى مع فضيحة التنصت التي هزت الصحف البريطانية التابعة لمجموعة روبرت مردوخ الاعلامية الضخمة، وهي فضيحة طالت تسجيل مكالمات مئات الاشخاص من المسؤولين الكبار، ومشاهير الفن وكرة القدم. وما يجعلنا نتحفظ على الادانة، او مواجهة الحد الادنى من شبهة الدفاع عن نظام ديكتاتوري، ان هذا النظام لم يحترم مطلقا خصوصية الكثير من اصدقائه وخصومه على حد سواء، وكانت عمليات التصوير والتنصت وفبركة الافلام من ابسط ممارسات بعض اجهزته الامنية، فكم من انسان، بمن في ذلك بعض رجالات الحكم، تعرض للابتزاز بسبب هذه الممارسات وغيرها؟
ندرك جيدا ان النظام السوري تجاوز كل الخطوط الحمر في حربه الدموية للسيطرة على الانتفاضة، مثلما ندرك ايضا ان هناك حوالى عشرة آلاف شخص فقدوا ارواحهم برصاص حلوله الامنية، ولكن للحرب اخلاقياتها ايضا، فمشكلة الشعب السوري مع النظام ليست في شراء السيدة اسماء الاسد حذاء بثلاثة آلاف دولار، وانما في ديكتاتوريته ودمويته وقمعه، فهناك آلاف السيدات، خاصة من بنات وزوجات الاثرياء العرب ،والسوريات منهن خاصة، المحسوبات وازواجهن على المعارضة للنظام يشترين احذية بأضعاف هذا المبلغ، ونحن نعيش في لندن ونعرف قصصا يشيب لها شعر معظم ابناء الشعب السوري المحاصرين، او الذين يتعرضون للقصف في حمص وادلب ودير الزور وغيرها، ولا يجدون الماء او الكهرياء او ابسط انواع الدواء لعلاج جرحاهم، او الامان لدفن شهدائهم.
' ' '
نحن هنا لا نتحدث عن زوجات الحكام العرب وبناتهن، كما اننا لا نشير الى بريدهن الالكتروني الخاص، وما يتضمنه من رسائل وصور، وفواتير تسوقهن في لندن وباريس وجنيف، فقط نردد المثل الذي يقول 'عندما تسقط البقرة تكثر السكاكين'.
الشعب السوري الذي يواجه القتل لاكثر من اثني عشر شهرا لوحده، دون ان يتعب او يتراجع مليمترا واحدا في اندفاعاته المشرفة لتقديم التضحيات من دمه وارواحه، يتعرض الى خديعة كبرى من العرب والغرب على حد سواء، فهناك الكثيرون الذين يبيعونه الوهم، ويسطّحون قضيته، ويصعّدون آماله في قرب النجاة على ايديهم، وهنا تكمن الفضيحة الحقيقية، وليس الرسائل او الصورة اليتيمة لامرأة شبه عارية جرى العثور عليها وسط هذا الكم الهائل من الرسائل الالكترونية.
التغيير الديمقراطي الحقيقي سيصل الى سورية حتما في نهاية المطاف، ليس لانه تغيير مشروع، وانما لان الشعب السوري لن يوقف مسيرته وتضحياته حتى يفرضه بكل الطرق والوسائل، مهما كان الثمن، اما من يتوقفون عند حذاء او حقيبة او فرض حظر على امرأة، فهؤلاء لا يمكن ان يفيدوا الشعب السوري او هكذا نعتقد.

القدس العربي


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2718

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#315582 [محمد العوض]
0.00/5 (0 صوت)

03-24-2012 10:19 PM
تحليلاتك كلها صائبة يا استاذ عبد البارى


#315486 [حسن]
0.00/5 (0 صوت)

03-24-2012 05:42 PM
الاستاذ/ عبدالباري
لايشك أي عربي شريف أن النظام السوري نظام ديكتاتوري .. وقد كان حبيبا للغرب لما يقوم به
من حماية للعدو .... ولكن دخول القوة الايرانية علي الساحة السياسية جعل الغرب يدير ظهره
للنظام السوري .. وسوف يعملون بكل الطرق الشرعية وغير الشرعية لقيام نظام في سوريا
يحمي لهم ابنتهم المدللة ( اسرائيل)
اٍن الوهم الذي يعيش فيه بعض المثقفون العرب أن الديمقراطية والرفاهية والتقدم يأتي لنا من
الدول الغربية هو وهم كبير ... وكل هم الغرب هو حماية ربيبتهم اسرائيل
سوف يستمرون اللعب علي عقولنا حتي يأتي لنا صلاح دين جديد لاخراجنا من هذا المستنقع.


#315383 [أشرف دهب أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

03-24-2012 01:50 PM
الأستاذ الكبير عبد الباري عطوان،

تحية كبيرة و إحترام

لدي شك يؤرقني منذ إندلاع الربيع العربي، و بالذات في مصر. أما عند إندلاع الثورة السورية الشجاعة أصبحت شكوكي تتزايد. لا أخفيك سراً أنني من المؤمنين بنظرية المؤامرة، و هذا يكفي لتقديم خلفية كاملة عن شكوكي لناشط و مثقف في مستوى شخصك.

لا يختلف إثنان أن النظام السوري من اكثر الأنظمة الدكتاتورية العربية ظلاماً و ظلما. كما لا يختلف إثنان على أن الثورة، بصورة عامة، على الظلم و السعي للتحرر و الديموقراطية مطلب مقدس لكل الناس. و لكني أجد صعوبة بالغة في (بلع) ما يحدث في سوريا الآن على أنه من تدبير حكومة الأسد و أجهزتها الأمنية!!

كنت قد قرأت قبل فترة كتاباً صدر من (حمعية التجديد الثقافية الإجتماعية) بالبحرين، و عنوانه (مسخ الصورة - سرقة و تحريف تراث الأمة). رغم الإختلاف بين موضوع الكتاب و مقالك هذا، إلا أن هنالك بعض نقاط الإلتقاء قد ألخصها في الآتي:

1) في عام 2003، و قبل أيام من القصف الأمريكي على بغداد في الحرب الشهيرة، قام المفكر الفرنسي بيير روسي بإطلاق صرخة شهيرة لقادة العالم العربي، قال "إنتبهوا إلى ما تلحقه الحرب من أذى في آثار بابل و الرافدين، إحرصوا على متحف بغداد و مكتبتها كي لا تعاد صورة هولاكو إلى قرننا"!!!

2) صبيحة القصف حدث (الإنفلات الأمني) المشهور في شوارع المدن العراقية، و منها بغداد، فامتدت أيادي الناس بالسرقة و النهب في ظل إنعدام أي سلطة. و طالعنا على قنوات التلفزيون كيف تعرض متحف بغداد للنهب!!

3) ظهر على قناة الجزيرة مدير متحف بغداد في تلك الأيام قائلاً: (لكن
هناك مجموعة ثانية دخلت إلى قاعات المتحف العراقي ، ومجموعة
ثالثة دخلت إلى مخازن المتحف العراقي . هاتان المجموعتان، بعد
التدقيقات التي أجريناها، ثبت لنا أن لد يهم معلومات دقيقة عن الأماكن
التي دخلوها، وهم على دراية جيدة بالآثار أيض ا. وهم مهي ؤون
للدخول إلى هذا المكان، فالجماعة الذين دخلوا إلى قاعات المتحف
كسروا شباكا نحن أغلقناه منذ سنين . وفي مكان لا يشاهد من الشارع
العام. أعني شباكا مبنيا بالطابوق الزجاجي، بنينا ه منذ سنين ..
كسروه.. ودخلوا إلى القاعات وكان معهم قاطعات الزجاج لقطع
خزانات المتحف الزجاجي، لتصورهم أن الآثار ما زالت في
الخزانات الزجاجية . دخلوا وعندهم دراية جيدة بالآثار الموجودة في
المتحف العراقي، لأنهم مروا مرور الكرام على نسخ جبسية موجودة
لدينا في الم تحف.. لم يلمسوها أبد ا. إذن عندهم دراية كبيرة بالآثار،
ويعرفون جيدا أن القطع الأصلية موجودة في الداخل، وأن النسخ في
. الخارج)

4) يعتقد المفكر الفرنسي أن في متاحف العالم العربي القديم وثائق باستطاعتها إحداث بلبلة دولية كبيرة فيما يختص بتاريخ منطقة الشرق الأوسط، و بالذات ما يختص منها بالصراع العربي-الإسرائيلي و إدعاء الاخير بحق تاريخي في فلسطين

5) لا يخفى على أحد مدى أهمية سوريا كعمق ثقافي عربي، و مركز للدولة الأموية في دمشق، و ما قد تحتويه من وثائق، ناهيك عن قيمتها لدى الوجدان العربي المسلم

6) كما لا يخفى على أحد مواقف سوريا المتشددة في وجه أمريكا و إسرائيل عبر التاريخ


لا شك أن نظام الأسد فاسد في أصل تكوينه، كنظام شمولي دكتاتوري، و لكن هل هذا كل ما هنالك؟ لقد شعرت بنفس الشكوك تساورني في حالة الثورة الليبية، رغم جنون القذافي، رحمه الله، الظاهر للعيان! هل يمكن أن يصل جنون السلطة بهؤلاء القادة لدرجة عدم فهم ابسط ديناميكيات الثورات الشعبية؟ و بالذات في ظل أمثلة قريبة زماناً و مكاناً؟!!!

و لماذا ليبيا و سوريا؟! و قبلهما العراق؟

بريدي الإلكتروني موجود على هذا الموقع، و سوف أسعد كثيراً بتواصلك


#315300 [abuyara]
0.00/5 (0 صوت)

03-24-2012 12:02 PM
كلام حقيقي وصحيح ولك التحية على هذا المقال
كيف من يريد ان يطبق القانون ويدعو للعدالة والحرية هواول من يخالفه
لابد ان تكون الثورة طاهرة ولاتنجر لهذه الاساليب
حتى لاتصبح مثل من تحاربه خلقا


عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة