نقد: محطات مهمة
03-25-2012 09:47 PM

أفق بعيد

نقد: محطات مهمة

فيصل محمد صالح
[email protected]

حين تفتح صفحات التاريخ لمراجعة صفحة محمد إبراهيم نقد، من مبتدأها وحتى النهايات، سيعرف الناس الدور الذي لعبه الرجل في تاريخ حزبه ووطنه. المقارنة بواقع الحزب الشيوعي اليوم مع المحطات القديمة مسألة ظالمة للحزب وللرجل، المقارنة المنطقية والموضوعية لا بد أن تستصحب الظروف التي جاء فيها محمد إبراهيم نقد لسدة القيادة، ونوع التحديات التي واجهها.
انتخبت اللجنة المركزية محمد إبراهيم نقد سكرتيرا عاما في 1971 ولم تجف دماء قيادات الحزب بعد المذبحة التي نفذها نميري، وكانت سيوف النظام وأسلحته لا تزال مشهرة تطلب المزيد. تقدم نقد في بسالة وبطولة نادرتين ليتقدم صفوف الحزب، وهو يعلم أن رأسه ستكون المطلوب الاول في أجندة النظام الأمنية.
كان عليه أن يلملم أطراف الحزب التي تمزقت، أو ما تبقى منها، وأن يعالج جسد الحزب المثخن بجراح الأعداء وذوي القربى، وأن يجمع مالم يصل ليد النظام من اسرار الحزب ومعلوماته الداخلية وتاريخه الطويل. لكن المهم أن نعرف أنه كان يفعل ذلك في الاختفاء، ويدير العمل من تحت الأرض، وما تبقى من عضوية الحزب معلومة ومعروفة لأجهزة النظام بفعل من انضم لصفوف النظام من قيادات الحزب السابقين.
ظل نقد ورفاقه يعملون تحت هذه الظروف لمدة 14 عاما كاملة، تتبدل فيها الظروف وتتغير، يدخل التجاني الطيب وبعض قادة الحزب الآخرىن السجون ويظل وحيدا يعافر الأمر إلا من قلة قليلة من الذين أدمنوا الصمود.
هكذا ظل الأمر حتى حدوث الانتفاضة الشعبية في ابريل 1985، حينها تنفس نقد هواء الأرض من فوقها للمرة الأولى، وواجه تحيات العمل العلني والمكشوف بكل ما يتطلبه من امكانيات وقدرات هائلة لم يكن الحزب يملك منها شيئا، دور للحزب في كل مكان، صحيفة تنافس عشرات الصحف اليومية، مرتبات واحتياجات الكوادر المتفرغة، وعمل فرعيات الحزب وسط النقابات والمدارس والجامعات، ثم انتخابات عامة بعد 12 شهرا.
رغم كل هذا دخل الحزب الشيوعي الجمعية التأسيسية بثلاثة نواب، وكان هذا حدثا معجزا في حينه. دخل البرلمان الحزبان التقليديان الكبيران بثقلهما التاريخي ومراكز تأييدهما التقليدية، والجبهة الإسلامية التي بنت نفسها من داخل نظام نميري، ولم يدخل من دوائر الشمال بعد ذلك إلا الحزب القومي صاحب النفوذ التقليدي بين أبناء جبال النوبة والحزب الشيوعي.
ولم يهنأ الحزب الشيوعي وبقية الشعب السوداني بالنظام الديمقراطي كثيرا، إذ جاء انقلاب الإنقاذ، وعاد الحزب للعمل تحت الأرض مرة أخرى. بمعنى أنه ومن بين 40 عاما تولى فيها نقد قيادة الحزب الشيوعي، ظل مختفيا فيها يعمل من تحت الأرض حوالي ثلاثين عاما. وحتى في العشر التي تبقت فإن منها ست سنوات منذ خروجه عام 2005 يمكن اعتبار المساحة التي تحرك فيها الحزب محدودة ومقيدة.
ثم إن الحزب واجه زلزال انهيار المعسكر الاشتراكي وتبعاته الكثيرة، ولولا جذوره السودانية القوية، وعمله الدائم على توطين نفسه في هذه التربة لأخذته الرياح بعيدا مثلما أخذت غيره من الأحزاب الشيوعية.
وغير ذلك فإن محمد إبراهيم نقدا ظل زعيما سودانيا جدا، في سلوكه وتصرفاته وفي لغته وحكمته في التعامل مع الظروف السياسية المختلفة. لهذا أجمع الناس بمختلف انتماءاتهم وأحزابهم على تقديره ومحبته. لا تحتاج أن تكون عضوا في الحزب الشيوعي لتعرف قيمة ومكانة محمد إبراهيم نقد في الحياة السياسية السودانية، لكن تحتاج لبصيرة قوية وحس إنساني وموضوعي.
رحمه الله وأحسن إلية بقدر ما قدم لوطنه وشعبه.


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1902

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#316367 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2012 09:10 AM
النقطة او المحطة الثانية عندما إنهارت منظومة الدول الإشتراكية . الهزة العنيفة التي

أصابت الفكر هذه المرة وللأسف فقد كان الشيوعيون السودانيون من المصنفين كتوابع

للحزب الشيوعي السوفيتي بكل إرثه الستاليني المتحجر، مما يعني أدى الى حالة من الإرتباك

والشلشل أصابت الحزب كما أصابت الكثير من الأحزاب الشيوعية العالمية والتي إنتهى الكثير منها

إما الى الصمت المطبق أو البلبلة وشرود وضياع الفكر. لكن قيادة نقد أحدثت توازن

داخل الحزب نفسه فلمت شمل ما تبقى على ما يمكن التوافق عليه وعقدت المؤتمر فباعدت خطوات

الحزب من الضياع النهائي.


#316312 [كمال بولاد]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2012 12:47 AM
بالاضافه لكل تعقيدات العمل الحركى هذه وتحدياته يا استاذ فيصل مما ذكرت والسيطره على خيوط التنظيم وحركيته باعتباره الرجل الاول بالحزب لم تقف حدود امكانياته الى هذا الحد بل اسهم فى انتاج ملامح افاق جديده عبر كتابات فكريه وانتاج فكرى وثقافى لا يتوفر الا الى شخص متفرغ لهذا النوع من الكتابه والتفكر بالاضافه للانتاج الفكرى والمرشد للحزب وعضويته تنظيرا سياسيا وتنظيميا داخليا لملائمه مشروع الحزب اليوميه للتطورات والتحديات التى تواجه الحزب ... حقا يا فيصل هذا طراز فريد لا تجود به حواء السودانيه الا فى حالات استثنائيه


#316299 [منار الدين]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2012 12:08 AM
أوجزت .. فأوفيت


فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة