المقالات
السياسة
يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب: عزائي وبكائي في عزيز ففدته: مصطفى محمد النور
يفرقنا انقلاب.. يجمعنا واتساب: عزائي وبكائي في عزيز ففدته: مصطفى محمد النور
11-16-2015 01:20 PM

* أجيال ثلاثة من اسرتين جمعتهما صداقة أجداد ووثاق مصاهرة وخدمة سكك حديد السودان

* من قصيدة للشاعر حسام قنديل:
ابوي محجوب زول سكة حديد..
في السكة عديل، دغري، موزون
فاتح "صنفور" الريد..

ابويا السيل.. ابويا كريم
ابويا الليل.. ابويا نسيم
ابويا رصيف "للما بلحق"
ابوي الكلمة وقولة الحق

ابوي اشارة وتلغراف..
ابويا نخيلنا وتبلدي وشاف..
ابوي غير درب الخير ما شاف..
ابويا طريق.. ابويا ضفاف..
___؛؛؛___
رفعت يوم الاربعاء 4 نوفمبر الجاري "لقروبين" متجاورين حقيقة ومجازا، أي واقعا و"اسفيريا"، لأسرتي ال الماحي وال النور، الرسالة التالية:

حياك الله أخي الحبيب أبو الدرش وأنت بين يديه بعد حياة عشتها على السجية والطيبة وحب الناس. جميع الناس. يا سيد الناس. يا وناس يا ود الناس. من غيرك كان يبادر الناس بعبارة حياك الله؟ ممن اسمعها بعد هذا اليوم؟ حزني عليك عميييييق يا مصطفى، وشديييييد يا ابن خالي العزيز محمد النور، يكاد يفطر قلبي، ولا املك وأنا بعيد وحيد، ليس لي من يقاسمني الحزن، إلا ان ادعو الله ان يلزمني الصبر بعد ان اكرمني بأطول وأجمل وانقى وألطف حديث معك مساء يوم الاحد مطلع نوفمبر الجاري، وها انا اتفاجأ بنبأ وفاتك صباح اليوم الاربعاء بعد يومين فقط. لله ما اعطى ولله ما أخذ، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انا لله وإنا اليه راجعون.

منتصف ظهر ذاك الأحد، اتصل علي حبيبنا مصطفى وكنت وقتها في طريقي خارج من بوخارست، فلم ارجع له الى ان عدت للمنزل. عدت وكلي شوق لسماع صوته، فقد تعودنا على التحدث هاتفيا على الاقل مرة في الاسبوع.

وفي الوقت بين المغرب والعشاء اتصلت عليه وجاء صوته وعلى غير العادة قال لي: فينك انت ياخي لماذا لم ترد علي أو ترجع لي؟ لم استغرب وإنما ابتسمت وتوقعت بذلك المدخل والسؤال انه يريد ان يزف لي خبرا سارا. عودني على ذلك الاسلوب الذي صار اشبه بورق "سلوفان" يغلف به هداياه المفرحة لي. فمن غيره كان يتفقد الاهل والأرحام وينقل الي كل الاخبار؟ كان يختار اسلوبا اخر عندما يضطر لنقل المحزن من الانباء.

واصل مصطفى حديثه ولم يكن اصلا في انتظار اجابة او توضيحا مني، وقال: كنت أريدك أن تشاركنا الذكريات الجميلة ومعي أحمد الامين طه.

لم يترك لي فرصة رد وأردف في نفس واحد: شرفني احمد اليوم و"َقيَّل" معي وتناولنا الغداء معا فقد كان قادما من عزاء في وفاة أحد أقرباء له من ال القدال يسكنون قربنا في ود البنا.

عندها قررت ان أوقِفَه لأصححه، فقلت له: ربما من ال الدابي.

قال لي: اه صحيح.. أنه الزهايمر يا عزيزي فعل فعله فينا خلاص وبقينا نلخبط.

قلت له: بدري عليك يا حبيب. وأضفت: أسعدني أن أبو الأمين كان معك اليوم فقد كنت إلى فجر اليوم الأحد في سيرته مع شريط ذكريات طويل عن اجدادنا وآبائنا والأجيال الثلاثة من اسرتنا الكبيرة التي خدمت في السكة حديد. أرجو أن تكلم بنتك تقرأ لك ما كتبته في قروب ال النور عن والدك ووالدي وخالك حسين عبد الرحمن وأعمامك.

بدأ مصطفى سعيدا وهو يروي لي بالتفاصيل كلما دار من حكاوي بينه وأحمد الأمين وكلها كانت ايام الصغر في مثلث السكن في حي السكة حديد. مثلث قاعدته بيتين، عند كبري المسلمية بيتنا، وعند كبري الحرية بيت الخال العزيز بابكر، ورأس المثلث في بيت الخال الكريم محمد، وقد كان احب البيوت الى نفسي للحميمية التي فيه وبما كانت تشيع فيه الخالة فاطمة بت عبد الرحمن من الفة ومحبة اجدهما ايضا في حضن الخال محمد النور.

حكى لي مصطفى انه روى لأحمد الامين حكايتنا ونحن صغار مع مكتشف المهربين الذين يدخلون السودان او يخرجون منه بالعملات الصعبة والذهب والممنوعات الاخرى، وكيف كان يكتشف حيلهم في دَسِ الاشياء المهربة. وحكى لأحمد انني في يوم ما خبأت شيئا وطلبت من مكتشف المهربين ان يعرف ما خبأته وأين، فما كان من مصطفى الا ان اطلعه على الحقيقة التي كان يعرفها، فانهزمت امام مكتشف المهربين، فإخذ ما يستحقه مني من "سَكَّةِ" و"شَنْكَّلَة" وهو يقفز كالغزال امامي. كان مصطفى يريد محادثتي لأذكره بالشخص المعني وكان يريدني ان اتحدث مع احمد الامين ليبل كل منا شوقه للأخر، فلأحمد ابن عمتي نفيسة بت الماحي سهما في تربيتي.

قلت لمصطفى: ان من تقصده هو يس عوض الكريم جانقي فقد كان يعمل في الجمارك.
قال لي: ايواااااا.. عليك نور، بس جانقي دي كانت تمشي وتجيني، نعم بالفعل انه شقيق د.عثمان عوض الكريم والد د. محمد زوج دكتورة سحر بت صلاح محجوب.

ضحكنا حتى تبادلت نواجزنا الظهور من خلال شاشة الهاتف، وقلت له: شنو يا صفصف تريد ان تؤكد معرفتك به بكل ذلك الوصف ام لنفي حالة الزهايمر التي قلت انها امسكت بك.

قال لي: ما عندي رصيد الان لكن "بشيل" موبايل واحدة من البنات واتصل الان بأحمد الامين واخبره باتصالك وبتأكيدك ان الشخص المعني هو يس. وأضاف سريعا: اقول ليك.. خليك من ان تقرأ لي احدى بناتي ما كتبته في قروب ال النور ارجو ان تسعدني وتقرأه لي انت. حلو الكلام من خشم كاتبه.

هل كان مصطفى يعرف انه سيفارقنا وأراد ان يذهب بعد ان يستمع لتلك السيرة الرطبة والطيبة من لساني؟ هل كان يريد ان يتعانق صوتانا في محادثة وداع اخير؟ ربما، فمصطفى صالح ابن صالح وابن صالحة.

قلت له: تأمر يا حبيب انا متفرغ لك تماما، ولك كل هذه الليلة الى ان تقول "كفاي خليني" انوم ارتاح من "الرغي بتاعك" الكتير.

قال لي: صف لي جلستك ومكانك ثم اقرأ لي ما كتبته.

وبالفعل استجبت لطلبه الأول وشرعت في الثاني وقلت له ان عبود _عبد الرحمن حسين ابن خالتي صفية بت النور_ كتب لي: اهديك قصيدة خاصة، ولك مطلق حرية رفعها في القروبات. والحق عبود برسالته لي في الخاص، تسجيلا لفيديو برنامج "ريحة البن" يلقي فيه الشاعر حسام قنديل قصيدة رائعة _مقاطع منها في العناوين الجانبية_ عن الذين عملوا في السكة حديد ممكن ان يكون اسمها "ابوي محجوب اصلا زول سكة حديد"، فقد ورد فيها اسمه الامر الذي لَفَت نظر عبود وصلاح _هل الاصح لَفَت سَمَع؟_ وطبعا لَفَت انتباهي انا الذي رفعت القصيدة لقروبي ال الماحي وال النور وكتبت رسالتين منطلقا من رسالة قصيرة وردت مباشرة من شقيقي صلاح وأخرى من كبرى بنات خالي د. ابتهاج بابكر النور.

وبدأت اقرأ له ان صلاح كتب: هديه صباحيه معبره اشعر وكأن الشاعر يتكلم باسمنا جميعا.. واستغربت عندما ذكر ابوي محجوب. وكتبت ابتهاج: قصيدة جميلة معبرة يا عصام. شعرت انها تحكى عن ابائنا فعلا، اعظم اداريي السكة حديد. يا الله، كم اعادت من ذكريات وشريط ﻻ ينقطع منها. لك الشكر على الهدية الرائعة ورحم الله اباءنا واسكنهم فسيح الجنات بقدر ما قدموا لهذا البلد فهم بجد كانوا من جيل فقدناه ولن يتكرر.

وواصلت قائلا له: وعلى خلفية ما كتباه سطرت رسالة قلت فيها:

وهو بالفعل ما تقولين يا بهجة. حقيقة استمعت الى القصيدة اكثر من مرة فمرت شرائط من الذكريات ومشاهد كنت شاهد فيها، فتذكرت خالي محمد في مكتب الحجز وفي مكتبه بكوستي وانا ذاهب بالباخرة كرري الى الجنوب وقادم بها من ملكال. وتذكرت خالي بابكر في مكتبه بعطبره وفي مكتبه بمدني وفي حكاوي رحلاته مع العائلة بالباخرة الى مصر وفي مكتبه برئاسة مصلحة المرطبات في الخرطوم عندما كنت اذهب اليه من مدرسة الخرطوم الاميرية مباشرة وارجع معه بالسيارة الى البيت. وتذكرت عمي بابكر الماحي في اكثر من مدينة ومحطة وقطر، في كوستي وبابنوسة والرهد وام روابة والنهود وسنار التقاطع. وتقاطعت الذكريات مع خالي عثمان في عطبرة وسنار المدينة ومدني والخرطوم وقد أخذ معه للعمل في الري والحفريات نفس تفاني العمل في السكة حديد من والده النور مصطفى وصديق والده محمد احمد الماحي كجيل اول، وأخذ ايضا ذات الإخلاص في العمل الذي كان سمة ﻻخوانه الكبار محمد ومحجوب والبابكرين ابن النور مصطفى وابن محمد احمد الماحي كجيل ثان. ولم ينقطع تواصل الأجيال في سكك حديد السودان فاستلم الراية جيل ثالث، فتذكرت احمد الامين طه في مكتب الكونترول في عطبرة وفي مكتب التلغراف حيث تعرفت على "اشارة موريس" والكتاب الذي يفسرها والذي لم يكن يرجع اليه أحد فقد اتقنوا المهنة، وتذكرته ايضا في مكتب الحجز بالخرطوم وسرحت في ذكرياتي معه في مدني ونادي السكة حديد وسينما الخواجة التي كنت اذهب اليها معه. كنت سعيدا بذلك الشريط فتواصلت تفاصيل الذكريات وكأنها حدثت بالأمس، فعشت من جديد في رحلات وزيارات قمت بها مع الوالد. لم يترك والدي اي خط سكة حديد وإلا مشى فوقه بالصالون رقم 16 ثم الصالون 8 فالصالون 4، وكنت دائما معه عندما يسبق القطار بالاتومبيل الكهربائي متفقدا عن قرب الفلنكات ومسامير الربط وفتح وقفل (الصنفور) في المحطات الصغيرة فيتفقد ناظر المحطة والمحولجي والقطرجي والتلغرافجي وعمال الدريسة ويدخل بيوتهم المخروطية -اب قطية واب قطيتين- وفي المحطات الاكبر كان يتفقد ايضا الخط الاول والخطوط البديلة حتى "نقرش" في خط ميت ينتهي احيانا بفلنكتين على حرف (اكس X) او بردمية ترابية تمكن عربة القطار المكشوفة التي تقل سيارة من انزالها. تذكرت سواق الاتومبيل عم يوسف وتذكرت عربة الدريسة التي كنت اسعد كثيرا عندما اقوم بتحريكها خطوات في الخط الميت وأتعجب من قدرة عمال الدريسة الدفع بها بتلك السرعة. وان انسى لن انسى رحلة قمت بها مع الوالد لوحدنا من عطبرة لبورتسودان لم يكن معنا غير (مرمطون) يخدمنا ويطبخ لنا. فجمعتني بورتسودان من جديد مع أولاد العم محمد مختار والعم صالح محمد صالح، كان الاول مديرا للميناء والثاني نائبا له وقد وضعت تلك الزيارة بصماتها في تطوير علاقة السكة حديد والميناء وحل بعض الصعوبات التي كانت تواجهها، وكانت الثانية تتبع للأولى الى ان فصلهما نظام مايو بقانون خاص عام 1973، وعندها بدأ العد التنازلي لهما معا وكذا لمصلحتي النقل النهري والمرطبات وكانتا ايضا تابعتين للسكة حديد. انها بالفعل قصيدة تحكي اشياء عشناها نحن ابناء السكة حديد. وتحكي عن حياة ابائنا وأمهاتنا فقد كان لهن بدورهن قصص وحكايات في كل محطة من المحطات التي انتقلن اليها مع ازواجهن وتركن فيها احلى الذكريات وأخذن منها اعمق الصلات والعلاقات. نعم انها ذكريات حاضرة وباقية.

كان مصطفى يستمع إلي ويشعرني بان كامل حواسه تجمعت في اذنه. خلته انه يراني منذ ان طلب مني ان اصف جلستي. اراد ان يراني ويبث في نفسي الاحساس بأنني اراه. يراني واراه.

يااااااه يا ابو الدرش.. أذن كنت تودعني وانا ﻻ ادري. حياك الله، حياك الله، حياك الله يا عزيزي. عبارتاك الآسرتان ستبقيان في ذاكرتي. فمن غيرك يعرف ترديدهما بعد اليوم؟

توقفت عن الحديث، فمنحني فرصة لالتقط انفاسي وأواصل قراءة ما كتبت. قلت له: الرسالة الثانية كان مفترضا ان اكتب فيها عنك.

قال لي: اكتب عن ابائنا، فعني ستجد وقتا اخرا للكتابة.. أسعدني بما كتبته عنهم.

قلت له: اقصد انني "جبت" ذِكر لمدرسة الخرطوم شرق الاولية. هل تتذكرها؟ كتبت عن الناظر.....

قاطعني وقال: حسن مصطفى وصديقه المعلم الزائر حسن نجيله؟

قلت له: حيا الله الذاكرة النضرة.

قال: مين ينسى الخرطوم شرق وأيام الصبا الجميلة. اقرأ. اقرأ. اقرأ لي ما كتبت ﻻ تتوقف.

قلت: صف لي جلستك ومكانها.

ضحك وأردف: قل رقدتك ياعم عصام. ليس الان.. اقرأ ارجوك اني في شوق لاستمع.
بدأت من جديد اقرأ وقلت له ان عبود كتب: قصيده رهيبه يا عصام كل واحد فينا عنده فيها ذكريات بطريقته.

واصلت قائلا: أرسلت للقروب رسالتي الثانية وقلت فيها:

اي نعم أخي الحبيب عبود. لكل منا ذكرياته التي يحي بها وتعيش فيه ويأخذ منها زاده لمشوار الحياة، ومع ذلك لدينا ذكريات مشتركة. ومنذ أن استمعت لتلك القصيدة "تاورتني" الذكريات فقضيت مساءا سعيدا معها، وظللت استعرض اشرطة من الذكريات والأحداث وليس شريطا واحدا. ينتهي واحد ويدور فيني أخر، وهكذا انتقلت من محطة لأخرى أتذكر الأيام. والأيام عندي، مكان وناس وأحداث وأشياء كثيرة تبدأ بالمشاعر ولا تنتهي إلا بالمشاعر. فالمشاعر هي التي تعبر عنا فهي ذاتنا، وهي نحن، ونحن بها نكشف عن أنفسنا وإنسانيتنا وعلاقاتنا وما فعلناه وما تبادلناه مع الآخرين. ومن المراحل العالقة في ذاكرتي، السنتين الأخيرتين لمرحلة الكتاب، وقد درستهما بمدرسة الخرطوم شرق الاولية. وفي تقديري انها فترة اثرت في تشكيل كثير من الاشياء في عقلي واختزنت منها ما استدعيته وأفادني في علاقتي مع الأشياء التي تعاملت معها لاحقا، صحافة كانت أم سياسة أم علاقات اجتماعية. كان موقع تلك المدرسة متميزا في شارع القصر يمين ميدان أبو جنزير، مكنني من الإلمام بكثير من المواضيع والمسائل التي استفدت منها وقتها وبعد ذلك. كنت اذهب مبكرا للمدرسة ومع تباشير الصباح وحتى يدق جرس الحصة الأولى، وفي الفسحة الدراسية الاولى ايضا، اجلس في "دار الندوة" حيث كان يلتئم أمام مقر صحيفة "الرأي العام" المجاور للمدرسة نفر من نخب ذلك الزمان: العتباني وبشير محمد سعيد وغيرهم من الصحفيين والكتاب الصحفيين امثال حسن نجيلة وكان يشاركهم الجلسة من حين لآخر الصديقان حسن عبد القادر والخال بابكر النور مصطفى وناظر المدرسة حسن مصطفى الذي كان يشجعني على الجلوس على مقربة من المجموعة للاستماع لحديثهم وكان يود أن يكون معي ابنه مصدق _اذا لم تخني الذاكرة في اسمه_ وقد كان صديقي ودفعتي وجاري في الكنبة، بيد أنه لم يكن مهتما بذلك وكان والده الذي يحضره معه مبكرا بالسيارة يتركه في حاله ولا يفرض عليه ما لا يريده. ومع ذلك كان الاستاذ حسن مصطفى يعاقبنا عندما نخطئ وكان مصدق اول المعاقبين. كثيرا ما تبادلنا الزيارات فقد كان صديقي مصدق يسكن في آخر "الخرطوم 2" عند حدودها الجنوبية ومنزل والده الناظر فاتح على مقابر فاروق. كنت عند انتهاء اليوم الدراسي أما أن أتوجه مباشرة إلى الوالد في مكتبه بالسكة حديد مرورا بمكتب الخال محمد النور وهنالك أحمد الامين ثم بعد ذلك الى المنزل، وأما أن أذهب لمكتب العم حسين عبد الرحمن في مصلحة المساحة وكانت شرق القصر الجمهوري، وغالبا ما يحدث ذلك يوم الخميس حيث كنت أقضي وقتي متنقلا داخل المكاتب وأكثر ما كان يثيرني مكتب رسم الخرط وكان الموظفون لا يبخلون علي بالمعلومات وبشرح وتعريف لأجهزة القياس والمسح. علقت في ذهني كلمتي "تبوغرافي وكنتور" وتعلمت كيفية "تزويق" خرائط الجغرافية التي كنت ارسمها في كراس المدرسة. كنت اجلس وأحل واجب الحساب الأسبوعي في مكتب عمي حسين وكان ومساعديه عون لي، وفي نهاية يوم العمل كنت استقل معه سيارته إلى أم درمان حيث أقضي عطلة نهاية الأسبوع في ود البنا وبيت المال والملازمين، وهي ثلاثة إحياء سكن فيها عمي حسين وأسرته إلى أن انتقل لمنزل حكومي بالخرطوم شرق ثم إلى الدامر ومنها لمدني مديرا لمصلحة المساحة فيهما. كان عمي حسين متميزا في توصيل المعلومة وشرحها وتبسيطها وكان يقرب اليك لغة الارقام ويحببها اليك ولاحقا استعجبت مزجه للغة الارقام مع الادب والشعر وقد كان يحب القصيدة التي تغني نفسها بنفسها. وﻻ زلت اتذكر انني تعرفت على رائعة ابو فراس الحمداني "اراك عصي الدمع" وقرأتها فيما وفره لنا من كتب ومجلات ادبية وثقافية قبل ان استمع اليها لحنا عذبا من الكابلي الذي كان فنانه المفضل، او حتى من ام كلثوم، في جهاز كان يملكه ماركة "قرونديق" للتسجيل على اشرطة في اطارات كبيرة. استحضرت ذلك الشريط من الذكريات وحاولت أن أتذكر المدارس التي كنا فيها جميعا خاصة من يكبروني سنا في الأسرة الكبيرة الذين كنت اسير في خطاهم محاولا تتبعها، وتوقفت عند حبيبنا فيصل حسين الذي افجعني رحيله المبكر، فحملتني ذاكرتي لمدرسة الكتاب ابوروف الاولية بل وقبلها روضة ست عاشة على ما أظن ثم اختلط علي الأمر بين أمدرمان الأميرية أو الأهلية الوسطى، لأنها الأقرب إلى البيت، ثم راهنت دون أن أكون متأكدا على أنه واصل سنة أو سنتين في الخرطوم الأميرية مع شقيقي صلاح قبل أن يكمل مرحلة الوسطى في الدامر الأميرية حيث كان يتقدمني بعامين دراسيين فترافقنا في رحلتي الذهاب والاياب للمدرسة بعجلتينا ماركة "فيلبس"، ثم توجه لعطبرة الثانوية الحكومية وزامل فيها ايضا صلاح فانتقلا سويا منها إلى مدني الثانوية. انها ذكريات جميلة. رحم الله جميع موتانا وتقبلهم قبوﻻ حسنا.

وأضفت وقلت لمصطفى بعد تلك الرسالة الطويلة، كتب عبود: هيجت الاشجان يا عصام والذكريات صادقه وجميله مهما تجافينا بنقول حليله. عندما سمعت تلك القصيدة قبل 4 أيام، وكنت أقرأها أكثر من مره في اليوم، شدني فيها اسم العم محجوب رحمه الله. صدفه عجيبه لكنها قدر مكتوب. أدركت أن آبائنا جميعا خالدين بأعمالهم رحمهم الله جميعا.

صَمَتُ وبادلني صفصف الصمت، فقلت سريعا: اخشى ان اكون قد ساهرت "بيك".
لم يرد علي ولكنني كنت متأكدا انه على الخط ﻻ زال مع الذكريات التي سردتها فامسك به الحنين لكل من ذكرتهم.

انتبهت الى انني لم اسأله عن صحته في بداية حديثنا ليقدم لي كالعادة تفاصيل تفاصيل تطور علاجه. فقلت مستدركا: اخذتني بحديث الذكريات ولم اسألك عن الصحة والعلاج والتحاليل وقد كنت اتحدث مع النور وقلت له انني اتصلت عليك ووجدتك نائما وتحدثت مع زوجتك سوزان، فقال لي النور ربما يكون قد اخذ الجرعة الاخيرة.

فقال لي مصطفى: بلغ النور شكري الكثير على تسهيله توظيف ابنتي فقد بذل وصلاح جهدا في ذلك.

وروى لي مصطفى القصة منذ ان وعد شقيقي النور بالاتصال بأحد معارفنا وكيف ذهب له في منزله وبماذا وعده الى ان استلم صلاح المهمة بعد سفر النور، فذهب دون اتصال للسكرتيرة التي قالت له انها أخذت تعليمات بما عليها ان تفعله الى ان تمت اجراءات التوظيف سريعا. وواصل مصطفى وحدثني عما اوصيت بنته به بضرورة تأهيل نفسها بالماجستير بعد تخرجها بمرتبة الشرف وضرورة تعلم لغة ثالثة كالفرنسية مثلا والاتصال بالسفير احمد حامد لمساعدتها فهو خبير في مجالها. وظللنا نتجاذب اعذب الاحاديث حول احلى الناس وأعذبهم، زوجته سوزان وبناته وزوجتي ماريانا وابني. واهتز الموبايل في يدي بضحكات مصطفى قبل ان يعنفني عندما عرف مني انني قلت لابني عادل ويسري، والأخير لا يكتمل اسمه في بطاقته وشهادة ميلاده إلا اذا كتبت ايضا محمد محجوب ثم جلست وأخذت نفس ثم تواصل عصام محجوب الماحي ليصبح اسما رباعيا صحيحا. عنفني صفصف لانني اخبرته بانني طلبت منهما ان يدفعا من مرتبهما بعض تكاليف المنزل الذي يشاركوني فيه الاقامة، الى ان قال لي: دعهما يتخرجان من الجامعة اولا وحتى عندها لن اسمح لك بذلك. كنت اكثر من "حبوب" يا ابو الدرش، اذن لن افتقدك لوحدي.

كنت كلما اعيده ليحدثني عن وضعه الصحي كان يفتح موضوعا جديدا الى ان قال لي ان الاطباء طمأنوه بالتحاليل النضيفة وأنهم يريدون ان يعفوه من الجرعة الاخيرة وقال لي: سوف ابدأ قريبا العلاج الطبيعي.

أنهينا حديثنا وودعني مصطفى بذات العبارة التي أحبها وقال: حياك الله يا عزيزي.
---؛؛؛---
..... مضي ليل الأحد ويوما الاثنين والثلاثاء، وصحيت مبكرا كعادتي صباح الأربعاء فوجدت رسالة في قروب ال الماحي تخبرني بأن مصطفى توفاه الله. ذهب مصطفى وغادرنا وتركنا للحزن.

ابكيك بدمع سخين يا مصطفى. ابكيك يا صفصف لوحدي فليس معي في هذه البلاد من يعزيني فيك ويبكي معي فنواسي بعضنا كما سيفعل اخواني وأهلي في مسقط والإمارات وحتى النور شقيقي في جدة معه بنات عمي عديلة وعنايات ميرغني الماحي واسرتيهما ومعه نون وزوجها فرح، وحسام ليس بعيدا منه، وشقيقي عادل رايح جاي، وإحبابنا حسن الأمين وحيدر عبد الرحيم وإخوانهما واهلهما يعزونه مع الاحباء ال عوض مختار الماحي.

محادثة هاتفية لن تواسيني يا مصطفى.. من بعدك لم يعد للهاتف أهمية ولا للاتصال بأحد أهمية، فقد كنت رابطتي ورباطي باحبائي. اجدك مرابطا حيث مطلوب منك أن تكون. تحدثني وتقول لي انك مع عمتك ستنا بت النور امي الحبيبة، فافرح بوجودك معها ومع عادل وبنته فطومه ومع شقيقتي حنان وابنائها وصديقي زوجها ابو بكر مكي. تهاتفني وتقول لي أنكم ملمومين في بيت صلاح محجوب حول مائدة على شرف قدوم عبد الواحد ونعمات ومعهما هاشمية الطريفي من امريكا. تتصل يا أبو الدرش وتقول انك مع اهلنا في مدني.. خذ عزي هذا وبارك لذاك واضحك مع بدوي وتذكر ايامكما في ود البنا. يرن هاتفي فاجدك تقول: كلم ابراهيم الطيب وعبد المنعم محمد الحسن ومجيد الطريفي.

ملمومين تأمين لامين حول "الكنكان" في انتظار ود الأمين ليوزع عليكم ابتسامته التي لا تفارقه مطلقا. لا يرد كمال الاقرع على الهاتف فاتصل عليك وما هي إلا فركة كعب اجدك معه تجسر بين آل النور وال الأقرع كما اعتاد عم معتصم وخالي محمد، فقد كنت خير خلف لخير سلف.

بعدك يا مصطفى من يربطنا نحن المشتتون في عواصم الدنيا العريضة بأهلنا؟ ذهبت وتركتنا في حزن عميق. تركتني حزينا وحيدا وسأظل اشتاق لك ولن تبارحني ذكراك العطرة.

وداعا صديقي وأخي وحبيبي مصطفى.
(عن الوطن)

بقلم: د. عصام محجوب الماحي
[email protected]



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2227

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.عصام محجوب الماحي
د.عصام محجوب الماحي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة