نقد : قنديل سماوي
03-26-2012 05:29 AM

نقد: قنديل سماوي

د. عبد الله علي إبراهيم


من أدق ما وُصف به الراحل محمد إبراهيم نقد أنه راهب سياسي. وتنبع قيمة هذا الوصف من أنه يوطن الفقيد في الجيل اليساري الأربعيني. وهو جيل "مفطوط" في التأرخة للفكر السوداني. فمؤرخو الفكر ينطون من جيل الثلاثينات، جيل الهوية، إلى جيل الستينات، جيل الهوية الآخر. وجيل الأربعينات أخطر وأنفذ. فهو الذي جاء بسنة التفرغ لوجه القضية الوطنية من موقع الكادحين. افترع السكة أستاذنا عبد الخالق محجوب وهو ابن اثنين وعشرين عاماً في 1949. وتنادوا لنار القضية كالفراشات. وتميز عنهم نقد، الذي أعقبهم بسنوات، بأمرين. فقد جاء للتفرغ ولم يعلق بجيبه وضر "الماهية". فحتى عبد الخالق انحنى للوظيفة إكراماً للأسرة وذاق مرتب شهرين أو شهرين اشترى منهما جهاز راديو لها وشهلهم للعيد. ثم امتعضت نفسه وعاد لنار الشعب المقدسة. وعمل المرحوم التجاني الطيب بالأحفاد نوعاً ما. أما الأمر الثاني، الذي ربما شاركه فيه واحد أو اثنين، فهو طول تخفيه بتحت الأرض الشيوعي حتى بلغ نحو ثلث القرن. ولم يأذن العمر بالطبع لآخرين بهذه الخصيصة.

وفر جسد نقد المسجى الآن، وجسد التجاني قبله، للسودانيين أن يقرأوا كتاب ذلك الجيل بما لم توفره مذكراتهم الغائبة إلا التي لكامل محجوب وعلي محمد بشير ومصطفى السيد. ولا حملت فدائتهم للناس أدوات الفن والتسجيل التي يبرع فيها الشيوعيون غالبا. ووجد الناس على بينة الجسد المسجى في الشيوعيين ما عرفوه عنهم من وطنية في قرارة أنفسهم وأنكروه لجاجة بالخوض في "عمالتهم" و"غربة" أو استيراد فكرهم. واللجاج حبله قصير. فجسد نقد المسجي يشع الآن كالقناديل السماوية على خلفية ظلام مطبق لاقتصاد للباطل: " لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ" استعبد فيه "القرش" من ولدتهم أمهاتهم أحرارا. ولا مهرب من هذه القراءة المنصفة الآن لنص جسد نقد والناس يرونه يترك الفانية ولم يعلق به منها شيء بينما يتفانى فيها القوم ويفنون: يتطاول المعمار ويشحُب الوجدان. وجعل سادة هذا الاقتصاد منها حقاً "داراً للخنا والتبذل" في قول عبد الله الطيب.

الجسد نص قح في معنى أنه سيد الأدلة في القضية. وسبق لي في هذا السياق أن عرضت جسد المرحوم محمود محمد طه كمحكمة لقتلته. فليس منهم من ترهبن رهبنته في طلب الحق وجهر بما عرف منه. وتدلى جسده من المشنقة كالمانجو لمعة ونضجاً فأخذى مغتاليه إلى يوم الدين. كذلك ينصب جسد نقد (الذي لم يدخل غمده بعد) مجتمع اقتصاد الباطل في محكمة. فيرى سادة هذا الاقتصاد بأم عينهم جسداً، رقيق خيط شلة، احتسب (في عبارة موفقة لمحمد عبد الماجد) عمره للكادحين. لم يضق بعقيدته 60 عاماً حسوما بينما يخلع آخرون عقائدهم عند كل بارقة.

بزهادة نقد المبدئية والتزامه المستضعفين لعقود استطالت صاهل أقانيم الصوفية العتيقة:

دنيا يملكها من لا يملكها

أغنى أهليها الفقراء

طبت حياً وميتاً يا رفيق


[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 1198

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#316382 [Gallup]
0.00/5 (0 صوت)

03-26-2012 09:48 AM
لم يضق بعقيدته 60 عاماً حسوما بينما يخلع آخرون عقائدهم عند كل بارقة

قول والله ...وانت من ياتو معسكر

في الكتابة مافي زول بلحقك لكنك في المبدأية الطيش بمزيكا


ردود على Gallup
Saudi Arabia [ود موقة] 03-27-2012 03:33 PM
الأخ Gallup أحييك على التعليق الذي خامر لبي وأنا أقرأ المقال


د. عبد الله علي إبراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة