المقالات
السياسة
الأجيال الجديدة و التغيير و الثورة المستمرة
الأجيال الجديدة و التغيير و الثورة المستمرة
03-05-2016 03:40 AM



الثورة المستمر أو الثورة الدائمة، أول من نادي بذلك هو المفكر كارل ماركس، عندما قال إن البوليتارية " العمال" يجب عليهم الاستمرار في نضالهم المتواصل دون توقف، حتى ينجزوا مهمام الثورة في كل العالم. من هذه المقولة حاول تروتسكي تطويرها و يجعلها نظرية، بأن تستمر الثورة ضد البرجوازية و الامبريالية حتى الوصول إلي المجتمع الاشتراكي، باعتبار إن تروتسكي كان يعتقد إن استحالة نجاح الاشتراكية في بلد واحد، مخالفا استالين الذي كان يعتقد أن الاشتراكية يمكن أن تتم في بلد واحد و هو الخلاف الفكري الذي نشب بينهما، و جاء موقف تروتسكي لاعتقاده إن طبيعة الاقتصاد العالمي و التقسيم العالمي للعمل و السوق الدولية تتجاوز حدود القومية، لذلك هناك استحالة أن تكون نهضة اقتصادية في حدود الدولة القومية، و عندما استلم ستالين السلطة بعد فلادمير لينين، شن هجوما عنيفا علي تروتسكي الذي هرب من بلاده و وصلته أيادي ستالين في منفاه في المكسيك و اغتالته هناك.
و بعد عقود سقط الاتحاد السوفيتي، و لم يستطيع ستالين و تلاميذه أن يحققوا الاشتراكية و الشيوعية في حدود القومية، و لا ثورة تروتسكي استمرت. و بعد ثورات و انتفاضات الربيع العربي، بدأت تظهر هناك رؤى و تصورات جديدة، تتحدث حول استمرارية الثورة، و هذه المرة ليست من بنات أفكار الفلسفة الماركسية، و لكن من التيارات الديمقراطية و شبه الليبرالية، إن تخضع للدراسة و البحث ثورات و انتفاضات الربيع العربي، و التي حدثت في بعض الدول، و علي الرغم من عدم نجاحها، و تسببت في عدم استقرار تلك الدول، و تحولت إلي حروب مدنية داخلية خاصة في سوريا و اليمن و ليبيا، إلا إن الدراسات و الأبحاث تؤكد إن الثورة لم تنطفئ، لأن المنهج الذي قامت عليه ما يزال مستمرا، و أيضا إن المثقف الذي برز من خلال الثورات هو مثقف فاعل و ليس مثقفا من النوع التقليدي، قادر علي تجديد أفكاره و أدواته و معرفة الأسباب التي أدت لإجهاض الثورات.
قال الدكتور المغربي أحمد شراك المهتم بتطور حالة المثقف في الوطن العربي، في محاضرة في صالون منظمة " مؤمنون بلا حدود" إن ثورات الربيع العربي أبرزت مثقفا جديدا هو " المثقف التأسيساتي " الذي يجمع بين دور المثقف التقليدي و نهاية المثقف، الذي أظهر قدرات عالية في الثقافة و إدراك للمجتمع و تطوره و ميكانزماته، مثقف قادر علي استخدام أدوات التكنولوجيا و توظيفها توظيفا إبداعيا لمناصرة مشروعه الثقافي السياسي، مثقف مؤمن بقضية التحول الديمقراطي و الحداثة، مثقف ليس باحثا عن السلطة، قنوع بدوره، لذلك يقدم أعلي درجات العمل الإبداعي و الثقافي، قادر علي التعبئة و التحريض، لا يكتف بالتنظير، إنما يتبعه نشاطات مختلفة من خلال المسرح و الشعر و القصة و كل وسائل الإبداع وسط الجمهور، لكي يكتشف العنصر الفاعل المبدع، و جذب قطاعات واسعة من القوي الفاعلة في المجتمع، و قال الدكتور شراك هذا المثقف قد ظهر بشكل واضح في ميدان التحرير في مصر أثناء التورة، حيث أصبح الميدان رغم الهتاف السياسي الداعي للتغيير، و لكن كانت هناك إبداعات تقدم في الميدان، تؤكد بظهور هذا المثقف الجديد. ثم انتقل إلي تكملة دور المثقف حيث قال ظهر إلي جانب "المثقف التأسيساتي" المثقف التقريراتي، الذي يدون كل ما يصادفه أي كتابة التقارير التي تشكل رأيا عاما، و أيضا تقارير تؤثر في المجتمع الدولي و الإقليمي، من خلال المنظمات العديدة المنتشرة، و التي تهتم بحقوق الإنسان و مناصرة حقوقه، و منظمات الدعم الديمقراطي، و هؤلاء بأعمالهم يزيدون عملية الوعي الجماهيري، و في ذات الوقت يحاصرون النظم الشمولية و الديكتاتورية.
إن الدكتور شراك، يشير إلي إن المثقف الجديد قادر علي تغيير أدواته باستمرار، لكي تتلاءم مع الرسالة التي يريد تبليغها، عكس المثقف التقليدي الذي يقف في حدود الإنتاج المعرفي و الثقافي، و لكن المثقف الجديد هو ذات المثقف الذي كان قد أطلق عليه الدكتور المصري السيد يسن الناشط السياسي، الذي تجاوز المثقف التقليدي، كما قال الدكتور يسن لأن لديه القدرة و المعرفة، و مدرك لدوره في المجتمع، و لديه إلمام كامل بوسائل الاتصال الحديثة، و قادر علي استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي في تعبئة الجماهير و تحريكها، و معرفة اتجاهاتها، كما يعرف كيف يستنبط الشعارات من الأحداث الجارية، و كيفية تغيرها حسب الحاجة، هو الذي أنتج ثورات الربيع العربي. هذا المثقف يجدد دوره في المجتمع، و قادر باستمرار علي تغيير منهجه لما يتوافق مع رسالته، و واحدة من قدرات هؤلاء إن أدواتهم غير قابلة علي الاختراق من المؤسسات الشمولية، بل هم القادرين علي عملية الاختراق، هذا الدور الجديد سوف يغير في المعادلات الأمنية و يعيد النظر في الإستراتيجية القديمة القائمة علي القمع و المطاردة و استخدام أدوات القمع، و بالتالي هو يمزق ثوب الشمولية و الديكتاتورية، في أن تقدم بتنازلات باستمرار المصلحة التغيير و الديمقراطية.
و في لوحة أخرى أيضا يتحدث المفكر اللبناني الدكتور علي حرب عن هذا المثقف الجديد، من خلال كتابه " ثورات القوة الناعمة في العالم العربي من المنظومة إلي الشبكة" حيث قسم الكتاب إلي قسمين، الأول الذي يوضح كيف يستطيع هؤلاء المثقفين الجدد، تفكيك النظم الديكتاتورية الشمولية، التي لم ترتق بدور الفرد فيها، و أهملت المجتمع، و أيضا الإنسان و يقول أن الثورة تقوم بفعل فكري ثقافي، ثم تتحول لنشاط فاعل في وسط المجتمع، و قال أن مجموعة الشباب المثقف الواعي القادرين علي إجراء تحولات في الفكر و الثقافة هي التي تنتج الفعل الميداني المبدع، أي البعد عن القوة المسلحة، و الاعتماد الأساسي علي القوة السلمية الفاعلة في خلق الوعي و تحريك الجماهير، بهدف توسيع دائرة الحرية و صناعة الديمقراطية، صناعة ليست من قبل فئة بعينها، أنما من قبل أية فرد ما يطلق عليه حرب ثورة "كوجيطو" و هي ترجع للمفكر و الفيلسوف ديكارت" أنا أفكر إذا أنا موجود، و يصبح الكل فاعل و قيادي في العمل. و الجزء الثاني يتحدث عن كيفية الانتقال من الشمولية و الديكتاتورية، إلي المجتمع الديمقراطي ألتعددي، من خلال الفعل التنويري و يعتقد أن التحول الذي جري في العالم العربي و أحدثته الثورات، شبيه بالثورة الفرنسية، التي أنتجت الطبقة البرجوازية التي قادت عمليات النهضة و الليبرالية، و عملية التنوير.
و أشار جميع هؤلاء المفكرين، إن الثورات قد أظهرت دور المرأة كعامل مهم في عملية التغيير، و قد برز هذا الدور بصورة واضحة في مصر و تونس و اليمن، حيث لعبت المرأة دورا مهما و بارزا مما يؤكد أن الدور للمثقف الجديد قد تبلور في أذهان النخب المفكرة، و الذي برز من داخل دائرة الأجيال الجديدة، بقدم رؤية جديدة في عملية فعل التغيير، لذلك كانت الخطوة الأولي: عند هؤلاء الأجيال الجديدة، إنهم تجاوزوا المناهج القديمة، التي كانت معتمدة عند الأحزاب القديمة التقليدية، و تجاوزوا عملية أن تكون الفكرة من قبل مثقف أو مجموعة محددة من المثقفين، إلي إن تكون الفكرة مخدومة من كل الأعداد المشاركة في عملية الحوار، الذي يعد مطبخا للفكرة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، التي مكنت من تحطيم القيود في نقل المعلومة، و تحول المعلومات المجمع عليها إلي أفكار، تتوالد من خلال صور أبداعية مختلفة، استطاع كل واحد أن يستخدم فيها قدراته الإبداعية، في التأثير علي الناس و جذبهم إلي المكان، ليس للفرجة بل أن يتفاعل مع الفعاليات المختلفة و كلها تعبر عن التغيير، و لكن من خلال رموز و إشارات ثقافية مختلفة، تقدم تساؤلات جديدة علي الواقع، يتجاوز ما هو معروف من قبل، هذا هو الذي أرهق العقل الأمني المطبوع بإشارات و رموز قديمة تجاوزها العقل الجديد.
هذه القضية، إذا بحثنا عنها في السودان، نجدها بدأت تظهر في الأجيال الجديدة، و لكنها بسرعة بطيئة، و في أحدي برامج الصباح التي تقدمها القنوات السودانية كان هناك حوارا في " قناة الشروق" مع عميد كلية الدراما في جامعة السودان سيد احمد أحمد، يتحدث فيها عن إشكالية الدراما و الإخراج، و قال إنه لا يستطيع أن يقوم بدور المخرج، باعتبار إن الدراما السودانية تعاني من إشكاليات كثيرة، و هي تحتاج إلي ثورة في مجال الدراما، و قال إن وسائل الاتصال بدأت تقدم مقطوعات درامية جاذبة، ربما تحدث ثورة بطريق غير مباشر في العملية الدرامية. هذه المقولة تؤكد أن العقلية السودانية مدركة للتغييرات التي تحدث في مفهوم المثقف التقليدي، و تبديل وصف غرامشي المثقف العضوي أو المثقف الملتزم عند جان بول سارتر، إلي المثقف الشامل الفاعل، الذي لا يتقيد فقط بتقديم الرؤى و طرح الأسئلة، من أبراجه العاجية كما يقول الدكتور علي حرب، إنما المثقف الذي يستطيع أن يوظف وسائل الاتصال الاجتماعي في خلق حوارات في موضوعات شتي لخلق ثقافة التغيير، و هذه الحوار يشارك فيها كل المستخدمين لوسائل الاتصال كل بإبداعاته، و لا يصبح هناك زعيما أو قائدا إنما الكل يقدم عطائه و يسهم في عملية الوعي الجماهيري، هذا هو التحدي في تغيير وسائل التعاطي مع عملية التغيير.
و إذا نظرنا لهذه الرؤية الجديدة في العمل السياسي المختلطة بالإبداع، و هي تحتاج إلي خيال موار و فاعل و منتج. فهل القيادات السياسية التقليدية و التاريخية التي تتحكم في المؤسسات السياسية، قادرة علي مجارات هذا العمل؟ الجواب حتما سوف يكون لا، إذا عملية التغيير التي سوف تطرحها الأجيال الجديدة سوف تتجاوز ما هو مطروح في الساحة، إذا كانت مؤسسات سياسية أو أحزاب، و حتى منظمات مجتمع مدني، عجزت علي مسايرة الدور الجديد للمثقف الفاعل في المجتمع، و استدامة الأزمة السياسية السودانية، هي أزمة العقل السياسي السوداني الذي لم يستطيع بقدراته المحدودة و فاعليته التي تتراجع في استيعاب التغييرات التي تحدث، و في جانب أخر إن الأحزاب السياسية أيضا عجزت عن تقدم مناهج جديدة تتجاوز من خلالها أزمتها، الأمر الذي يؤكد إن الأجيال الجديدة سوف تفاجئ المجتمع بابتكاراتها و إبداعاتها، في كيفية خلق أطروحاتها الجديدة، التي تعيد فيها ترتيب الساحة السياسية علي أسس جديدة. نسأل الله التوفيق.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1998

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة