المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الطيب زين العابدين
آن للحركة الشعبية أن تتحلى بالحكمة
آن للحركة الشعبية أن تتحلى بالحكمة
09-05-2010 01:46 PM

الرأي23

آن للحركة الشعبية أن تتحلى بالحكمة

أ.د.الطيب زين العابدين

اقترب موعد إجراء استفتاء تقرير المصير لأهل جنوب السودان فليس بيننا وبينه سوى أربعة أشهر، والمؤشرات تقول بأن النخبة السياسية الجنوبية التي تقرر مصير الاستفتاء تقف مع الانفصال بصورة واضحة وأن الحركة الشعبية المسيطرة على مقاليد الأمور في الجنوب تقف في مقدمة هذه النخبة المؤيدة للانفصال، وأنها مطمئنة إلى أن نتيجة الاستفتاء ستأتي لمصلحة الانفصال بنسبة عالية حددها دينق ألور وزير التعاون الإقليمي في حكومة الجنوب ب 70% بناءً على مسوحات في الجنوب قامت بها الحركة الشعبية وبعض منظمات المجتمع المدني، وأحسب أنه مصيب في تقديراته. ولكنه أخطأ القول حين قال إن تطبيق الشريعة الإسلامية تعتبر من أكبر المشاكل التي تحول دون تحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب وذلك للأسباب الآتية: لم تأخذ قضية الدين والدولة في اتفاقية السلام الشامل أكثر من صفحة ونصف لتقرير حريات وحقوق أصلاً كانت موجودة في كل دساتير السودان السابقة خاصة دستور 1998م ومطبقة في الواقع الاجتماعي، واستغرق الحديث عن العاصمة القومية صفحة ونصف ركزت أساساً على تمثيل الطرفين بدرجة كافية في إدارة العاصمة القومية وأن تكون أجهزة تنفيذ القانون ممثلة لجميع السودانيين بتنوعهم الثقافي والديني والاجتماعي وأن تعين رئاسة الجمهورية مفوضية لحماية حقوق غير المسلمين. وكانت هذه المفوضية محل إهمال تام من الحركة الشعبية فلم تلتقي بها إلا مؤخراً في هذه السنة ولم تساعدها بأي قدر في تنفيذ المهام الموكلة إليها فالنيابات الجنائية المتخصصة والمحاكم المتعلقة بالجرائم ذات الطابع الديني التي نصّت عليها الاتفاقية لم تنشأ حتى يومنا هذا ولم تحتج الحركة على هذا الإهمال مرة واحدة مما يدل على عدم أهمية هذا الأمر في أولويات الحركة. ولأن تطبيق الشريعة الإسلامية في الحقيقة لا تتأثر به إلا شريحة محدودة من الجنوبيين الذين يقطنون في الشمال ومعظم هؤلاء يعرفون الوسائل والأساليب التي تجعلهم يمارسون حياتهم الخاصة وأعرافهم القبلية في طلاقة دون مضايقة من شرطة النظام العام، وليس صحيحاً بحال أن يقال إن غير المسلم هو مواطن من الدرجة الثانية في ظل التطبيق الحالي للشريعة بل هناك حجة لمن يقول إن المواطن الجنوبي تحديداً أكثر جرأة في تحد القانون العام من المواطن الشمالي وأن الشرطة تغض الطرف عنه في كثير من الأحوال. ولكن التحجج بتطبيق الشريعة يقال في معرض المزاودة السياسية مع المؤتمر الوطني حتى يتحمل وحده وزر انفصال الجنوب، ولا شك عندي لو أن المؤتمر الوطني أعلن بملء فيه التخلي التام عن تطبيق الشريعة الإسلامية لما غير ذلك شيئاً من توجه الحركة الشعبية نحو الانفصال! وبالطبع فهذا لا يعفي المؤتمر الوطني من أخطاء أخرى كثيرة أضعفت من موقف الوحدويين في الجنوب داخل الحركة الشعبية وخارجها.
ومع قرب موعد الاستفتاء يلاحظ المراقب أن الملاسنة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية تزداد يوماً بعد يوم، وأن درجة الاختلاف بينهما تكاد تشمل كل قضية يتفاوضان حولها، وأن الطرفين حتى الآن لم يتجاوزا النواحي الإجرائية في مفاوضات ترتيبات ما بعد الاستفتاء لأنهما لا يكادان يتفقان على قضية من تلك القضايا وهذا مؤشر خطير لأنه يعني ببساطة أننا قد نقبل على انفصال متوتر ربما يقود إلى نزاعٍ وحرب بين الدولتين. وقد ضحى السودانيون بالوحدة حين قبلت القوى السياسية بحق تقرير المصير للجنوبيين من أجل تحقيق السلام بعد حرب أهلية استمرت لعقود ، ولكن إذا جاءت الحرب مع الانفصال فذلك هو الخسران المبين لأنها ستكون حرباً مختلفة عن حروب العصابات السابقة وترمي بالبلد في أتون الجحيم. وإذا قامت الحرب فلماذا تقوم على قضية أو أكثر من قضايا ما بعد الاستفتاء مثل الحدود أو المراعي أو أبيي؟ لماذا لا تقوم إذن حول جدوى مبدأ تقرير المصير نفسه لأنه لم يحقق السلام الذي كان مرجواً منه؟ ولا شك عندي أن كلا الطرفين لا يريد حرباً وليس مستعداً لها ولكن ديناميكية المشاكسة والنزاع ستقودهما نحو الهاوية مهما كانت النوايا. ولكن لماذا نطلب التحلي بالحكمة من طرف واحد؟ يكمن السبب في الموقف السياسي وتداعياته لكل طرف عند إمضاء قرار الانفصال.
فالحركة الشعبية الحريصة على الانفصال تستطيع أن تدعي لقواعدها الجنوبية بأنها توجت نضالهم الطويل ضد الحكومات (العربية المسلمة) في الخرطوم بالحرية والاستقلال، وأنها كسبت لهم دولة مستقلة على قدم المساواة مع سائر الدول الإفريقية المعترف بها في المجتمع الدولي، وأنها حركة التحرير الوحيدة في إفريقيا التي استطاعت أن تحرر شعبها من استعمار إفريقي بعد الاستقلال الوطني (ارتريا ليست سابقة لأنها لم تكن جزءً من أثيوبيا بل وضعت تحت وصايتها بعد هزيمة ايطاليا في الحرب العالمية)، وأنها أعادت لهم نصف عائدات البترول التي كان يأخذها الشمال من بترول الجنوب. وأحسب أن مثل هذه الدعاوى يسهل تسويقها لمعظم النخبة الجنوبية في ظل الشك وعدم الثقة وسجل الحكومات الوطنية مع مشكلة الجنوب. وفي المقابل ماذا سيقول المؤتمر الوطني لأهل الشمال أنه كسب لهم بعد أن اختطف السلطة بقوة البندقية واحتكرها لمدة عشرين عاماً وانفرد بوضع اتفاقية السلام الشامل وتطبيقها دون مشاركة القوى السياسية ثم كانت النتيجة هي الانفصال والحرب؟ وإذا امتدت جرثومة الانفصال والعنف إلى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق فتلك مصيبة أخرى سيتزلزل ويتساقط لها كيان السودان القديم! عندها ستسقط ورقة التوت ولن يكون لدى المؤتمر الوطني ما يدفع به عن نفسه ولن يجديه صنعاً التهجم على القوى السياسية الأخرى أنها لم تستجب لدعواته البروتوكولية الفارغة. وفي ظل احتمال هذه التداعيات السياسية الخطيرة على رأس الحزب الحاكم في الشمال، لا غرابة أن يشعر المؤتمر الوطني بالتوتر والهياج يبحث عن مخرج من هذا المأزق السياسي الذي اكتشف أبعاده الحقيقية فجأة بعد أن أوشك موعد الاستفتاء أن يحل. ولا ينبغي للحركة في هذه المرحلة الحساسة أن تتوقع أي تساهل أو مجاملة من المؤتمر الوطني، وربما يتوارى أهل العقل والحكمة من ساحة التفاوض لينبري لها أهل العصبية والثأر الذين يردون الصاع صاعين ولا يهدأ لهم بال حتى يأخذوا رطل اللحم المطلوب لهم كاملاً غير منقوص! لقد وجدت الحركة الشعبية أثناء التفاوض على الاتفاقية وتطبيقها دعماً من المجتمع الدولي الذي مارس ضغطاً كثيفاً على الحكومة لتستجيب لمطالب الحركة وبعضها غير معقول، وقبلت حمائم المؤتمر الوطني المتنفذة أن تستجيب إرضاءً لتلك الضغوط وأملاً في أن تحقق انجازاً غير مسبوق في تاريخ السودان. ولكن الأمر انتهى بنا إلى حائط المبكى وهاوية السقوط فعلى الحركة الشعبية أن ترد ما سلف من جميل وتتحلى بأكبر قدر من الحكمة والصبر، وأن تنأى عن المجابدة السخيفة وغير القانونية التي مارستها في تكوين مفوضية الاستفتاء والتأثير على عملها بتصويت أعضائها كتلة واحدة في كل كبيرة وصغيرة. وليس صحيحاً ما يقول به بعض قادة الحركة الشعبية بأن لديهم خيارات أخرى كثيرة إذا تعطلت عملية الاستفتاء بأسباب سياسية، إن نتيجة ممارسة أي خيار غير الاستفتاء سيقود إلى احتكاك ونزاع وحرب وسيفتح ذلك علينا أبواب جهنم في الشمال والجنوب. وأشهد الله أن الشعب السوداني أفضل وأطيب من أن يستحق ذلك المصير القبيح الذي يصنعه سياسيون غير منتخبين وغير أكفاء!

الصحافة


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1517

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#21804 [قاي جاك]
1.00/5 (1 صوت)

09-06-2010 03:47 PM
اما ان لامثالك ان يتحلوا بمكارم الاخلاق ؟


#21544 [ابن طرشان]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2010 06:13 PM
أين الشريعة ؟سلب ونهب لأموال الشعب وأسراف بزخي دون مراعاة للفقراء والمساكين 0يسكنون في الفلل والعمارات الشاهقة 0أين هيئة علماء المسلمين من كل ذلك0أم الشريعة صماء علي أهل السلطة 0ربنا بسألكم يوم القيامة 0اي حركة مناهضة لحكومة الانقاذ اذا أتتها فرصة الانفصال لن تتواني ولن تتهاون فيه0لن يلدغ الجنوبيين مرة أخري حتما الانفصال أتي لامحالة0لان السودان أصبح حكامه بسنس شركات ومصانع وعقارات وأشياء يشيب لها الرأس وماأخفي أعظم0بتأكيد السودان بهذه الطريقة سيكون ممزقا ولكم في الصومال عبرة!!


#21522 [abdelmonem musa]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2010 04:54 PM
تعجبت كثيرا وانا اقراء المقال من الطلب الذي تقدم به الدكتور الطيب للحركة الشعبية للتحلي بالصبر والحكمة!!!! أي صبر وأي حكمة تريد من الحركة التحلي بها بعد الأفعال التي يقوم بها المؤتمر الوطني ؟وفي ظني كان الاجدي ان تقدم طلبك للحكومة ولكن لأنك تعلم إنه الكلام مع الحكومة ما منه فائدة فقلت أخير تشوف الجنوبيين يمكن يكون عندهم وطنية أكثر ولكن أظن أملك سيخيب لان مافي سبب يخلي الجنوبيين يتنازلوا عن مطالبهم في دولة الظلم التي أقامها هولأء الذين يدعون أنهم يريدون إقامة دولة الاسلام والاسلام برئ منهم كبراءة الذئب من دم آل يعقوب.


#21521 [عبد الحق ]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2010 04:50 PM
دكتور الطيب يكتب من برج عاجى .. ارجو ان يسأل عن قصة الفتاة الجنوبيه الشهيره التى تحرش بها احد النظاميين فى المواصلات ولما صدته قبض عليها بتهمة اللبس غير الشرعى .. وقدمت لمعالى السيد قاضى المحكمه الذى حكم عليها بالجلد والغرامه .. تنفيذا للشرع .. من هنا من القاع تتشكل الاراده الثوريه للشعوب المحبه للحريه والتى لا ترتضى بغير مجاراة العصر ... فالعمر واحد ولا يرضى عاقل ان يمضيه فى زريبة التوجه الحضارى التى لا تعرف الا حكم الجلد بالسوط ..زريبة دكتور الطيب وقبيله ..


#21516 [عبدالمنعم ]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2010 04:27 PM
دكتور الطيب سلام وتحية

هل وضع العاصمة في صفحة ونصف او وضع الاقليات غير الدينية في صفحة او صفحتين بالاتفاقية عني لك ان الامر مهم او غير مهم !!! وهل عدم اهتمام الحركة بمفوضية غير المسلمين او اهتمامها سيغير من الوضع الكثير ؟ لا والف لا، ما هذه السطحية التي تبسط بها الامر !!!!
وهل يوجد عقل اليوم لايتحدث عن تمييز الشريعة بين البشر رجل وامرأة حتى بين المسلمين ورجل شمالي مسلم واخر جنوبي مسيحي ورجل لاديني ؟ ؟؟؟ ليست العبرة في كيفية ممارسة المسيحين لحياتهم بعيدا عن النظام العام حتى يكون مبررا لك ، ان الجنوبيين اذكى كثيرا من هذا القول الفطير ، هم يتحدثون عن حقوق اساسية في القانون كمواطنين سودانيين كاملي الدسم تمكنهم قوة المواطنة المحمية بالقانون والدستور ان يحلموا برئاسة السودان وتولي قيادة الجيش ورئاسة القضاء والبرلمان وووو الخ هل يمكن لهم ذلك في ظل الشريعة اللاسلامية ؟؟؟ ان قلت نعم فقد خالفت النصوص الصريحة وما هو معروف من الدين بالضرورة ولا يمكن تغييره !!!!! وستنزل عليكم الفتاوى من كل حدب وصوب !! اما ان قلت لا فسيقول لك ابناء الجنوب وغيرهم من ابناء السودان الواعيين بحقوقهم والواعيات وحتى من غير ابناء الجنوب ،، قف قف قف ... لماذا نحن نعيش في ظل نظام يريدنا ان نكون من الدرجة الثانية نساء ومن الدرجة الثالثة مسيحيين ومن الدرجة الرابعة غير دينيين ؟؟؟؟ دكتور ،،، الشريعة شئنا ام ابينا هي احدي اسباب الانفصال الكبرى ، اما انفصال بقية السودان وتشظيه فهي مسألة وقت ان انفصل الجنوب !! اما المؤتمر الوطني الذي قدم لنا حكاما غير منتخبين على حد قولك فهو احدي ثمرات الحركة الاسلامية عبر التاريخ التي تحاول جهد المستطاع ان تتحرر منها بلا طائل لان حبال الماضي المتشابكة والمتينة اقوى من ان تنمحي بمقال هنا او انتقاد هناك !!! احترم عقلنا عزيزي الدكتور فنحن نقرأ ونقرأ ونتابع ونفهم ، اما الاخوة في الجنوب فهم يقرأون التاريخ ويعلمون المواقف ويعرفون ما معني الذميين وما معنى المشركين وما معني الجزية والزكاة والفرق بينهما !
هذه الزكاة التي تؤخذ من مرتبات المواطن قبل ان يستلمها (مقدما) وتورد مالا حلالا لديوان الزكاة وياله من حلال !!!1


أ.د.الطيب زين العابدين
أ.د.الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة