المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مشروع الجزيرة \"شوكة\" يصعب \"بلعها\"!ا
مشروع الجزيرة \"شوكة\" يصعب \"بلعها\"!ا
09-07-2010 12:57 PM

مشروع الجزيرة \"شوكة\" يصعب \"بلعها\"!!

صديق عبد الهادي
Siddiq01@Sudaneseeconomist.co m

تمحلت السلطات والحكومات المختلفة، عبر تاريخ طويل، الكثير من الاسباب في سعيها الدؤوب لاجل وضع حد لمشروع الجزيرة وامتداد المناقل، وللخروج به نهائياً من دائرة النفع والانتفاع العام إلى رحاب الخصخصة والتي ما هي في حقيقة الامر سوى دائرة مصممة وبإتقان لكيلا تسع غير مؤسسسات وافراد في نهاية الامر. إشتركت جهات عدة محلية ودولية في نسج تلك الاسباب، وضافرت جهودها في تقوية قماشتها وفي توسيعها، إذ ما أن رأت سبباً او حتى اي ذريعة إلا ووظفت لها \"الخبراء\" و\"الساسة\" و\"القادة المنتفعين\" للعمل على صياغتها وغرزها فتلةً في ذلك النسيج.
الطرف الثابت على مر الحقب في الجهات الخارجية هو البنك الدولي بإعتباره سادن الخصخصة وحاميها على مستوى العالم. اما اطراف الجهات المحلية فقد كان يعتريها التبدل النسبي رغم ثبات جزء اصيل فيها وهو ذلك الجزء المتطلع لاحكام القبضة على الملكية الشاملة للمشروع، وترجع جذور تطلعه إلى التاريخ الذي ذهبت فيه الشركة الاستعمارية البريطانية عندما إنتهى عقدها، وحلت محلها إدارة مشروع الجزيرة قبل سنوات من فجر الاستقلال، أي في بداية الخمسينات من القرن الماضي. إن نهاية الخمسينات وبداية الستينات هي بالضبط الفترة الزمنية التى إلتقت فيها رغبات الاطراف المختلفة وانعقد عزمها على تخصيص مشروع الجزيرة. لا نود تكرار ما هو معروف سلفاً، ولكن لوضع الاساس الذي يقوم عليه هذا المقال لابد من ان نذكر بأن اول تدخل للبنك الدولي في شأن مشروع الجزيرة بدأ اول ما بدأ في عام 1963م بتلك اللجنة التي عُرِفت باسم \"لجنة ريتس\"، وتحت دعوى تقديم المشورة حول التركيبة المحصولية في المشروع وكذلك لتقديم الإستشارة حول الوضع الاداري فيه. كانت هذه اللجنة تضم في عضويتها ثمانية عشر عضو، وتكاد ان تكون قد غطت كل التخصصات من إقتصاديين، زراعيين، وإداريين وغيرهم، فمن بين هؤلاء الاعضاء لا يوجد غير سوداني واحد وهو المرحوم البرفسير النذير دفع الله، والذي كان يمثل مستشاراً دائماً للجنة، اما بقية الاعضاء فكلهم أجانب.
ان التوصيات الاساسية لهذه اللجنة لم يتم قبولها، وقد يكون ذلك بسبب التوقيت الذي تم فيه تقديم اللجنة لتقريرها، وهو العام 1966م، اي بعد ثورة اكتوبر 1964م، حيث كان المناخ العام في البلاد مفعم بالروح الوطنية العالية وبالنزوعٍ الطاغي لإستكمال الاستقلال السياسي بإستقلال إقتصادي، هذا بالاضافة إلى حقيقة ان مزارعي الجزيرة والمناقل وعلى وجه التحديد قيادة إتحادهم، كان لها دور فاعل في ثورة اكتوبر. وهو دورٌ ظل المزارعون يدفعون ثمنه إلى يومنا هذا، بل وانه يقف واحداً من أرأس الاسباب التي دفعت بالقوى المعادية للتطور الوطني المستقل بأن تؤمن بضرورة تصفية مشروع الجزيرة وتعمل على تجفيفه كمصدر من مصادر الريادة في التغيير الإجتماعي والتغيير السياسي، وهما تغييران في الاصل، كما هو معلومٌ، مرتبطان بفاعلية وإستقرارالنشاط الإقتصادي. وسمة الاستقرار تلك هي التي وسمت مشروع الجزيرة طيلة تاريخه.
ما تجدر الاشارة اليه هو ان ما خرجت به هذه اللجنة، إن كان الجزءالذي تمّ قبوله ام ذاك الذي تمَّ رفضه، قد مثلَّ القاعدة الاساس التي لم تحد عنها كل اللجان التي تعاقبت على تناول الشأن الخاص بمشروع الجزيرة، بما فيها فريق عمل البنك الدولي الذي تقدم بالتقرير المشهور الذي صدر على ضوئه القانون الجائر لسنة 2005م، وهو التقرير الذي عرف باسم \"السودان، خيارات التنمية المستدامة في مشروع الجزيرة \" وذلك في اكتوبر 2000م. إن لجنة \"ريتس\" اشارت الى ثلاث نقاط هامة، الاولى حول مسالة محصول القطن وتذبذب اسعاره، إلا انها رأت بان معالجة هذه المسألة تكمن في توسيع الرقعة المزروعة ورفع الانتاجية. والثانية ملاحظتها حول موضوع الحساب المشترك والتخلص منه، اما الثالثة فهي تتعلق بتنويع المحاصيل وتكثيفها ومن ثمَّ حرية إختيارها ولتكون تلك الحرية منوطة بالمزارع!!!. إنه وبالنظر إلى تاريخ الصراع في مشروع الجزيرة نجد انه من ضمن ما تمحور حوله كانت تلك الاشارات الثلاث. والتي كان إنجازها يمثل المقدمة الضرورية لانجاز الهدف النهائي وهو خصخصة المشروع. وبالفعل سار الامر الى هذه النهاية الآن بعد ان تمّ انجاز تلك التوصيات التي كان ان تمت صياغتها في منتصف الستينات من القرن المنصرم.
التوصية المتعلقة بالتخلص من الحساب المشترك فرضها البنك الدولي في عام 1983م وقد اشرك فيها اطرافاً خارجية اخرى وهي الحكومة الايطالية والحكومة اليابانية والصندوق العربي للتنمية، لان القرض الذي قدموه لاجل إعادة تأهيل مشروع الجزيرة إشترط إصدار قانون 1984م الذي ألغى الحساب المشترك وابدله بالحساب الفردي. اما التوصيتان الاخريتان فقد قام بإنجازهما قانون 2005م.
هذه التوصيات لم تقم على اي بينات علمية حقيقية بقدر ما انها قامت على نوايا مبيتة وطموحات راسمالية غير مشروعة في الاستيلاء على المشروع بعد نزعه من اهله بقوة القانون وبالابتزاز. ولنضرب مثلاً بموضوع محصول القطن باعتباره المحصول النقدي الذي صُمم عليه المشروع، والذي كانت ترى اللجان المختلفة، وخاصة فريق عمل البنك الدولي، بضرورة التخلي عنه بإعتباره واحداً من عوامل تردي المشروع (كذا!!!). وفي هذا الامر لن اتناول المعلومات الاقتصادية المتعلقة بمحصول القطن في الاسواق العالمية لدحض الافتراءات، وإنما اشير فقط إلى الافعال البائسة التي تقوم بها الحكومة المركزية ووالي الجزيرة الآن، حيث لم يعد امر العودة إلى زراعة محصول القطن في طور التفكير او المراجعة فقط بل ان العودة حدثت بالفعل. ولكن كديدنها في المرواغة، و\"إستعباط\" الناس، قالت السلطات بانها ستطلق تجربة العودة في خمسة أقسام زراعية ومن ضمنها قسمي وادي الشعير وسرحان!!!. فقط ليتصور القارئ \"حكوة\" \"تجريب المجرب\"!!!. ولكأننا في العام 1911م ونحن نقف بصحبة السيدين مستر \"آر هيوسن\" ومستر \"دبليو آي دافي\" على مشارف طيبة الشيخ عبد الباقي!!!.
في الاسبوع الاول من اغسطس المنصرم عاد السيد البروفسير الزبير بشير طه والي ولاية الجزيرة من جمهورية الصين ووفاضه ملئ بالاحلام الكبرى، لانه إكتشف في ولاية \"شان دونق الصينية\" أن القطن محصول نقدي من الدرجة الاولى، وأن تلك الولاية الصينية ما كانت لتكون بدونه، وانها راكمت من الخبرات ما لا يُضاهى!!!، فلذلك لابد ان تنعقد التوأمة بينها وولاية الجزيرة!!!، \" عقب عودته من دولة الصين كشف والي ولاية الجزيرة بروفيسور الزبير بشير طه عن توقيع إتفاقية إطارية مع ولاية شان دونق الصينية للتعاون في مجال صناعات النسيج وتطوير زراعة القطن من خلال تقانات مستحدثة لتحضير الارض ، والتحسين الوراثي، والبذور المحسنة وحماية المحصول وتحسين النوعية وزيادة الانتاجية وتقليل كلفة الانتاج. ولتوفير محصول يغطي جزءاً مقدراً من إحتياجات منطقة شان دونق بإعتبارها احدى مناطق صناعة النسيج والحرير واكبر مستهلك للقطن طويل التيلة بالعالم والمنتج بالسودان\" ( راجع جريدة التيار في يوم 13/8/2010م).
قإذا كان ذلك هو الامر في نهاية المطاف ، لِمَ تمّ التصرف في البنيات الاساسية للمشروع والتي صممت اصلاُ كبنيات مُعينة لانتاج محصول القطن في الاساس، وليس اي محصول آخر؟، ثمّ انه إن كانت تلك هي النتيجة وهي العودة إلى محصول القطن ، ما الذي كان مقصوداً من خلق تلك الحالة من الفوضى في المشروع طيلة السنوات السابقة؟ وما الذي يكمن من وراء تعجيز المزارعين وتخذيلهم في شأن زراعة القطن وتركهم نهباً للتخبط الاعمى في زراعة محاصيل لا تستند على اي علمٍ او دراية مهنية؟!!!.
لا تملك الحكومة ولا يملك والي الجزيرة ولا كل اللجان إن كانت تلك التي تتبع للبنك الدولي او لاي جهات أُخرى الاجابات لتلك الاسئلة البديهية. ولكن اهل السودان والمواطنون في مشروع الجزيرة يعلمون تمام العلم مقاصد تحالف السوء بين الراسمالية الطفيلية الاسلامية والدوائر الاجنبية. وهي مقاصد سيكون تحقيقها مكلفاً إن لم يكن اليوم فغداً.

جريدة الايام


تعليقات 5 | إهداء 1 | زيارات 1648

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#53940 [أبو التيمان]
0.00/5 (0 صوت)

12-06-2010 09:06 AM
تشكر الأخ صديق على وضع أصبعك على مواضع الألم تماماً .. فموضوع خصخصة مشروع الجزيرة كما تكرمت تمت تحت شعارات النهضة الزراعية ، الثورة الزراعية ، التطوير والتحديث وتغيير النمط القديم الذي يسير عليه مشروع الجزيرة وإستبداله بآخر حسب مقتضيات التطور والعولمة والمفاهيم الجديدة للطرق الحديثة لإدارة المشاريع الزراعية رامين كل تلك السنين من الخبرات والعطاء وراء ظهورهم .. ونثروا كل تلك البنى التحتية والمقومات الأساسية التي يقوم عليها المشروع نثرها هباءً من غير وازرع ولا ضمير .. يعني تمت الخصصة تحت شعارات حق أريد بها باطل والباطل نلخصه في نقطتين مهمتين :
مشروع الجزيرة مؤسسة عريقة وكبيرة وأكبر مشروع في العالم تحت إدارة واحدة وأكبر مشروع تتم الزراعة فيه عن طريق الري الإنسيابي وهذه المشروع به أكثر من مائة ألف مزراع وأكثر من ثلاثة آلاف من العاملين مما ولد فيه هيئات وإتحادات من أقوى التنظميات على مستوى السودان به أكبر إتحاد مزارعين بالسودان ذو إدارة قوية ومحنكة وبه هيئة نقابية يقودها قياديين توارثوا الخبرات ومهارات العمل العام على مدي سنين عمر هذا المشروع العملاق وهذه التنظيمات ت دائماً ما يكون لها الدور الفاعل والكلمة العليا في أي تغيير سياسي في الوطن بمجرد إجتماع واحد للجانها المركزية وإتخاذ قرارات ثورية وإعلان الأضراب مما جعل هذه التنظيمات شوكة حوت في حلق كل الحكومات المتعاقبة على السودان لذلك هذه الحكومة فكرت جادة بالقضاء على هذا البعبع بأي طريقة وبأي ثمن مهما كان غالياً وعلى حساب هذا الشعب المسكين لتضمن إسكات هذا الصوت وهذا البعبع لذلك قادها دهاء رجالها للتفكير في إصدار قانون 2005م ودست السم في العسل حتى تمكنت من إقناع أهل المشروع أنفسهم ليقوموا بهذا الدور وتكون لهم اليد العليا في فكفكة هذا الكيان وبرضاهم مع إغراءات وقتية تخديرية حتى تمر العملية بسلام وهذا ما حدث بالفعل وتعرفون باقي التفاصيل .. وهذا ما حدث بالفعل مع السكة حديد والنقل الميكانيكي وغيرها من المؤسسات الكبيرة ذات الثقل العمالي التي ربما تكون عقبة أمام مخططات هذه الحكومة لذلك تم ا لقضاء عليها جميعاً بهذه الإسلوب وبنفس الطريقة والتي لا يشعر أحد بمكرها إلا العالمون ببواطن الأمور .
السبب الثاني هو كما تكرمت أخي صديق بذكره أيضاً وهو أهداف هذا الغول والتي لا تنتهي عند حد بإحتواء وووضع يده على كل دوائر الإقتصاد في هذا البلد ليضمن قوته وبقاءه حيث أن هذا وحسب علمنا يصب في مصلحة شريحة طفيلية لا تعمل للصالح العام وحتى أنها لا تعمل لصالح النظام الإسلامي المزعوم .. فهي فقط تعمل من أجل ملء كروشهم وتدليل زوجاتهم .. ودلع عيالهم..
حسبنا الله ونعم الوكيل ..


#23677 [اسماعيل التوم]
0.00/5 (0 صوت)

09-15-2010 04:20 PM
نعم هنالك مؤامرة تحاك للتخلص من هذا المشروع العملاق وبما فيه من بشر. وما التهميش الذي حدث ويحدث على مر عقدين من الزمان إلا حلقة من حلقاته. فقد ظل انسان الجزيرة يفتقر الى ابسط مقومات الحياة من صحة وتعليم ومياه نقية وفرضت علية اتاوات لم تفرض من أكثر الانظمة ظلما وجراء ذلك هجر أرضه وما كل هذا إلا تمهيد لخصخصة المشروع للرأسمالية الطفيلية والتي لا يمكن أن تقوى على العيش إلا بامتصاص دم الفقراء وقد بدأت بالفعل.


#22361 [haj abbakar]
0.00/5 (0 صوت)

09-08-2010 06:22 PM
نحن لانزال نحلم بعودة الايام الجميلة والخير الوفير لارضنا الطيبة وان يتعافى المشروع من الكساح الذى سببه ذوى اللحى الكاذبة والكروش المتهدلة.ستقف ارض الجزيرة الخضراءمرة اخرى على قدميهاوستنهض من كبوتها وسيعم خيرها فى كل الارجاء عندما ينقشع هذا الكابوس اللعين.


#22220 [نازك الطيب]
0.00/5 (0 صوت)

09-08-2010 08:26 AM
-اهل السودان والمواطنون في مشروع الجزيرة يعلمون تمام العلم مقاصد تحالف السوء بين الراسمالية الطفيلية الاسلامية والدوائر الاجنبية. وهي مقاصد سيكون تحقيقها مكلفاً إن لم يكن اليوم فغداً.-

لا فض فوك صديق عبد الهادي
دمت


#22100 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

09-07-2010 04:04 PM
مشروع الجزيرة كان رائدا و سباقا في الاعمال الزراعية جميعها و في البحوث الزراعية و تطوير الاساليب الزراعية و العلاقات الانتاجية و كان رائدا و سباقا علي مستوي العالم في انتاج القطن زراعة و نقلا و تطويرا و حلجا و تصديرا. و لم نكن بحاجة الي الصين التي \"صارت قبلة لمتاسلمي السودان الذين يدعون الاسلام و ياكلون طعام الشيوعية الصينية التي لا تؤمن بالله اطلاقا\".فسبحان من جعل \"البروفسر\" الاسلاموي و زعيم المجاهدين يهيم غراما بالصين !التي دين دولتها (لا اله) و دين اغلب شعبها البوذية و الكنفوشية.
تم تدمير مشروع الجزيرة عمدا توطئة لخصخصته و تمليكه لناس ود بدر و المتعافي و غيرهم من سماسرة الانقاذ الكثيرين و بعض المستثمرين الاجانب و الذين يدفعون الكوميشنات اللازمة لاصحاب الايدي المتوضئة.
الان لا مشروع بقي و لا خصخصة تمت اذ ان اراضي المشروع نفسها ليست ملكا للمشروع اذ لها ملاك يستاجرها منهم المشروع منذ ان قام! و احلام ود بدر في بيع و شراء مشروع الجزيرة تبددت هباءا بعد ان طفش المستثمرون حين علموا ان ود بدر و حكومته لا يملكون ارضا في المشروع!


صديق عبد الهادي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة