المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
إسرائيل ومياه النيل وقناة جونقلي: تعقيب على الأستاذ هانئ رسل
إسرائيل ومياه النيل وقناة جونقلي: تعقيب على الأستاذ هانئ رسل
04-10-2012 08:37 AM

إسرائيل ومياه النيل وقناة جونقلي: تعقيب على الأستاذ هانئ رسلان ..

د. سلمان محمد أحمد سلمان
[email protected]

1
في الحوار الذي أجرته الأستاذة شيماء جلهوم الصحفيّة بجريدة الحرية والعدالة مع الأستاذ هانئ رسلان خبير الشئون السودانية وحوض النيل، والذي نُشر أيضاً بصحيفة سودانايل في 6 أبريل عام 2012، تحدث الأستاذ هانئ عن اسرائيل ومياه النيل ومشاريع الاستفادة من مياه مستنقعات جنوب السودان. أشار الأستاذ هانئ إلى أن أحد الملفّات الهامة لدى إسرائيل هو ملف السيطرة على منابع النيل، وذكر الأستاذ هانئ أنه "بوجود إسرائيل القوى في جنوب السودان وتأثيرها على صناعة القرار السياسى هناك ستستطيع أن تمثل شوكة قوية ضد أى مشروعات للاستفادة من الفواقد الهائلة في هذه المنطقة، وبالأخص إذا علمنا أن دولة جنوب السودان بها حوالى 50 مليار متر مكعب من مياه النيل تضيع في البرك والمستنقعات، وطبقا لمعاهدة 1959 بين مصر والسودان كان من الممكن أن يتم إقامة هذه المشروعات، وأن يتم دفع تكلفتها مناصفة واقتسام عائدها من المياه مناصفة أيضاً، ولكن بالطبع هذا الاتفاق لم يعد سارياً الآن فجنوب السودان صار دولة ذات سيادة منفصلة، ومن ثم صار قبول هذا الاتفاق من عدمه مرهوناً بدولة الجنوب، وفي الاغلب سيتم اختلاق ذرائع سواء فنية أو اقتصادية تمنع القيام بهذا المشروع، حيث تسعى إسرائيل الى حرمان مصر والسودان من استغلال هذه المياه المهدرة." انتهى اقتباسنا مما ذكره الأستاذ هانئ رسلان.
2
لا يختلف أثنان أن الوجود القوي والمكثّف لدولة اسرائيل في جنوب السودان سيكون عامل زعزعة كبيرة للمصالح العربية عامةً، وللسودانيّة والمصريّةً خاصةً، في دولة جنوب السودان، بل وفي المنطقة كلها. وبالطبع ستبذل اسرائيل كل ما في وسعها لوقف أي نوعٍ من التعاون بين دولة جنوب السودان من جهة وبين السودان ومصر من جهةٍ أخرى.
غير أن إكمال قناة جونقلي وحفر أيةٍ من القنوات الأخرى المُقترحة في دولة جنوب السودان للاستفادة من مياه مستنقعات بحر الغزال ونهر السوباط ستعترضه مجموعة من الصعوبات نتجت عن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها مصر والسودان خلال النصف الثاني من القرن الماضي والتي ستكون الأسباب الرئيسية التي ستحول دون إكمال قناة جونقلي والبدء في القنوات الأخرى. وبسبب جسامة هذه الأخطاء فإن دولة جنوب السودان لن تحتاج إلى اسرائيل كي تحرّضها على عدم التعاون مع مصر والسودان بشأن أيةٍ من هذه القنوات كما ذكر الأستاذ هانئ.
سنحاول في هذا المقال التعرض لهذه الأخطاء ونناقش تداعياتها على مستقبل قناة جونقلي.
3
تعرّضت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 كما ذكر الأستاذ هانئ إلى .المياه التي تضيع في مستنقعات جنوب السودان. وتشير الاتفاقية إلى أن كمياتٍ من مياه النيل تضيع في مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال ونهر السوباط، وتتضمّن الاتفاقية مجموعةً من الإجراءات لإقامة مشاريع لزيادة مياه نهر النيل من هذه المستنقعات لصالح التوسع الزراعي في مصر والسودان، على أن يُوزّع صافي المياه والتكاليف مناصفةً بينهما. وتنصّ الاتفاقية على أن يتولى السودان الإنفاق على هذه المشروعات من ماله وتدفع مصر نصيبها في التكاليف بنفس نسبة النصف المقررة لها في فائدة هذه المشروعات. وتعطي الاتفاقية مصر الحق في البدء في أيٍ من هذه المشروعات إذا دعتْ حاجتُها للتوسع الزراعي لذلك.
وقد اتفت مصر والسودان بموجب اتفاقية عام 1959 على بناء السد العالي وترحيل حوالي خمسين ألف من سكان مدينة وادي حلفا و27 من القرى المجاورة بسبب إغراق أراضيهم من جراء السد العالي. واتفقتا أيضاً بعد مفاوضاتٍ صعبة وبعد وساطة الرئيس جمال عبد الناصر على أن تدفع مصر مبلغ 15 مليون جنيه كتعويضاتٍ لأهالي وادي حلفا عن أراضيهم وممتلكاتهم التي ستغرق تحت بحيرة السد العالي.
غير أن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 لم تتعرض عن قريبٍ أو بعيدٍ على الآثار السلبية على السكان المحليين الذين سيتضرّرون من القنوات التي سيتم حفرها في مناطق مستنقعات جنوب السودان، ولم تُشِر الاتفاقية إلى دفع أية تعويضات لهؤلاء السكان على الأضرار التي ستصيب أراضيهم وماشيتهم وحقوقهم جراء حفر هذه القنوات كما فعلت مع مواطني حلفا. وهذا التجاهل الصارخ لحقوق السكان المحليين تجلّى بوضوح عند ما بدأت مصر والسودان في حفر قناة جونقلي في أواخر سبعينيات القرن الماضي كما سنناقش بعد قليل.
4
في 12 مارس عام 1972 تمّ التوقيع على اتفاقية أديس أبابا بين حكومة السيد جعفر محمد نميري وحركة تحرير جنوب السودان بقيادة السيد جوزيف لاقو. وقد منحت الاتفاقية جنوب السودان الحكم الذاتي الاقليمي، وتوقفت إثر ذلك الحرب الأهلية في جنوب السودان التي كانت مستعرةً منذ عام 1955. وفي 12 فبرايرعام 1974 تم الاتفاق على "منهاج العمل التكاملي" بين مصر والسودان. وكان من أوائل المشاريع التي بدأ التفكير في التخطيط لبنائها قناة جونقلي. وهكذا مهّدت عودة السلام في جنوب السودان والتطور في العلاقات المصرية السودانية لفتح ملف قناة جونقلي بغرض البدء في تنفيذها. وفي 6 يوليو عام 1974 قامت مصر والسودان بتوقيع اتفاقية بناء قناة جونقلي. وإثر ذلك تمّ تكوين مجلس قومي لتنمية منطقة قناة جونقلي مع جهاز تنفيذي للقيام بالأعمال اليومية. واتفق السودان ومصر على أن تقوم الهيئة الفنية الدائمة المشتركة، والتى تمّ تكوينها بموجب إتفاقية مياه النيل، بالإشراف العام على بناء القناة. كما تمّ إلإتفاق بين البلدين على تقاسم التكلفة والعائد المائي مناصفةً كما تقضي بذلك إتفاقية مياه النيل.
وفي 28 يوليو عام 1976م تمّ التعاقد بين حكومة السودان والشركة الفرنسية العالمية للبناء (والمعروفة إختصاراً بـ سي سي آى) لحفر قناة جونقلي. وكانت هذه الشركة قد قامت بحفر قناةٍ شبيهة بقناة جونقلي في باكستان تربط نهر الإندوس بنهر جيلم. وقد قامت الشركة الفرنسية بتفكيك الحفّار الضخم والذى كان يَزِنْ حوالي 2,000 طن، وكان لا يزال في باكستان، وشحنه بالبحر للسودان حيث قامت مجموعة من المهندسين الفرنسيين والباكستانيين بإعادة تركيبه في موقع القناة. وقد قامت الشركة ببناء معسكرٍ للمهندسين والفنيين الأوربيين (حوالى الستين) والباكستانيين (حوالى خمسةٍ وأربعين) وأسرهم قرب نقطة إلتقاء النيل الأبيض ونهر السوباط،، أُطلِق عليه معسكر السوباط.
5
لكن مشروع قناة جونقلي قُوبِل بكثيرٍ من المعارضة في جنوب السودان. وقد وصفه معارضوه بأنه مشروعٌ مضّرٌ بالسكان المحليين، وسيفصل المنطقة الشرقية للقناة عن المنطقة الغربية ويُوقِف حركة القبائل في المنطقة بحثاً عن الكلأ والماء، وسيعرّض الحياة البرية لنفس المشاكل. كما تحدّث المعارضون عن التأثيرات البيئية السلبية للمنطقة والتى ستشمل شح الأمطار فيها بسبب تجفيف المستنقعات وتقليل التبخر، وإضعاف الثروة السمكية التى تعتمد عليها القبائل المحلية إعتماداً كبيراُ. وقد وصف المعارضون المشروع بأنه لمصلحة مصر والسودان وأنه مضرٌّ لجنوب السودان وللسكان المحليين.
خرجت مظاهرات طلابية شارك فيها أيضاً الكثير من المواطنين.في جوبا وبعض المدن في جنوب السودان، وقد تعرّضت لها الشرطة بعنف وقُتِل ثلاثةٌ من المتظاهرين بنيران الشرطة وجُرِح آخرون، وتم اعتقال عددٍ من المتظاهرين والمعارضين. وقد خفّت حدّة المعارضة بعض الشئ بعد أن التزمت الحكومة السودانية بتمويل مجموعة من المشاريع التنموية للمنطقة والتى تضمّنت طريقٍ برّىٍ من ملكال وحتى بور (مع التخطيط لوصوله إلى جوبا مستقبلاً)، وعددٍ من الكباري على القناة لعبور السكان وماشيتهم، ومشروع ري يشمل مصنع للسكر، ومساكن ومدارس ومستشفيات وشفخانات بيطرية.
6
بدأت الشركة الفرنسية أعمال حفر القناة في عام 1978. وقد بدأ العمل ببطء بسبب التربة والطقس ومشاكل الوقود للحفار الذي كان إستهلاكه عالياً. انتظم العمل مع بداية عام 1979، وسار بصورةٍ سلسة رغم مشاكل الوقود والزيادة الكبيرة التى طرأت على أسعاره. وخلال الأعوام الأولى للثمانينيات كانت الأطراف الثلاثة – حكومةالسودان والحكومة المصرية والشركة الفرنسية – سعيدةً بالتقدم المطرد في حفر القناة، إذ اكتمل في النصف الثاني من عام 1983 حفر حوالي 267 كيلومتر من الطول الكلى للقناة البالغ 360 كيلومتر. كان عرض القناة يتراوح بين 30 إلى 50 متر، بينما كان العمق حوالي سبعة أمتار، وقد كان الجزء المتبقي هو الأقل مشاكل على طول القناة، وأسهلها. عليه فقد بدأ الحديث عن إحتفالاتٍ ضخمة عند اكتمال القناة في شهر مارس من عام 1985، وبدأ الحديث أيضاً عن قناة جونقلي الثانية.
كان عقد حفر القناة مع الشركة الفرنسية قد تمّ تعديله في 13 مارس عام 1980، بعد تغييراتٍ في خط حفر القناة. وتمّ بناءً على هذا زيادة المبلغ الذي ستدفعه حكومة السودان للشركة الفرنسية بموجب العقد ليصل إلى حوالي 125 مليون دولار. ولكن بالإضافة إلى تكلفة حفر القناة فقد كانت هناك الأعمال المكمّلة والتي تشمل الأعمال الميكانيكية والكباري وقوارب النقل والمباني، وكذلك الفرق في أسعار الوقود والتكلفة الإدارية. وقد قُدّرت تكلفتها بحوالي 95 مليون دولار. وهذا يجعل التكلفة النهائية لقناة جونقلي حوالي 220 مليون دولار. لكن هذه الأرقام لا تشمل تكلفة مشاريع تنمية المنطقة التي وعدت بها الحكومة من مشروع ريٍ وطرقٍ ومصنع للسكر، ومساكن ومدارس ومستشفيات وشفخانات بيطرية.
7
في الوقت الذي كانت الشركة الفرنسية تقوم بحفر القناة كان العقيد جون قرنق، مُبتعث وزارة الدفاع السودانية بجامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، يعدّ بحثه لدرجة الدكتوراه عن قناة جونقلي، والتي نالها عام 1981. وقد عاد بعدها إلى السودان، ثم انشقّ عن الحكومة السودانية ليقود الحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 1983م. وقد كانت قناة جونقلي، بحكم دراسته ومعرفته الوثيقة بها، وبحكم أنه من مدينة بور، من أوائل الأهداف العسكرية للحركة الشعبية.
قامت الحركة الشعبية بأول هجومٍ لها على منطقة القناة في 16 نوفمبر عام 1983 (أى بعد أقل من ستة أشهر من تأسيسها) واختطفت تسعةً من المهندسين والفنيين الفرنسيين والباكستانيين العاملين بالقناة ،وترك الخاطفون مذكرةً في مكان الاختطاف تطالب فيها الحركةُ الشعبية الشركةَ الفرنسية بوقف العمل في القناة كشرطٍ لإطلاق سراح الرهائن. تمّ إطلاق سراحهم بعد ثلاثة أيام بعد أن سحبت الشركة معظم عامليها من مواقع العمل في القناة إلى المعسكر.
وفي 30 نوفمبر عام 1983 بعث السيد جوزيف أودوهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية للحركة الشعبية برسالة إلى الشركة الفرنسية والسفارة المصرية في نيروبي تضمّنت نقداً حاداً للقناة، وذكرت أن البرنامج التنموي الذى وعدت به حكومة السودان منطقة قناة جونقلي من طريقٍ برّيٍ وكباري ومشروع ري ومصنع سكر ومدارس ومستشفيات لم يُنفّذ منها أي شئ، في حين أن العمل في بناء القناة أوشك على الانتهاء. ذكرت الرسالة أن القناة أصبحت عازلاً للأسر والقبائل في ناحيتى القناة، وعدّدت مجموعةً مما تراه آثاراً ضارة على القبائل في المنطقة. طالبت الرسالة بوقفٍ فوريٍ للعمل في القناة، وهددت أنها تعتبر القناة هدفاً عسكرياً مشروعاً.
في فجر يوم 10 فبراير عام 1984 قامت الحركة الشعبية بهجومٍ كبيرٍ على موقع القناة والمعسكر، ودمرت جزءاً من المعسكر في معركةٍ متقطعة إستمرت أكثر من خمس ساعات. غادر بعدها جنود الحركة المنطقة بعد أن أخذوا معهم سبعة رهائن. قامت الشركة بإخلاء المعسكر وتوقف العمل كليةً ونهائياً في قناة جونقلي في ذلك اليوم من شهر فبراير عام 1984.
بعد التوقّف في حفر القناة برز الخلاف حاداً بين الحكومة السودانية والشركة الفرنسية حول حقوق والتزامات كلٍ من الطرفين تحت العقد الموقّع بينهما في 28 يوليو عام 1976 (والمعدّل في 13 مارس عام 1980). وقد طالبت الشركة بدفع ما تبقى لها تحت العقد وتعويضها عن الحفار والذى تركته الشركة في موقع العمل لصعوبة تفكيكه وشحنه خارج تلك المنطقة بسبب الظروف الأمنية والطبيعية. فشل الطرفان في حل الخلاف، وفي 15 يناير عام 1985 أحالت الشركة الخلاف، بناءاً على موادٍ في العقد نفسه، إلى التحكيم بواسطة الغرفة التجارية الدولية. أصدرت هيئة التحكيم حكمها على مراحل وكان لصالح الشركة الفرنسية حيث قضى أن تدفع حكومة السودان مبلغ 35 مليون دولار للشركة الفرنسية. وهذا المبلغ يمثّل ما تبقى للشركة بموجب العقد بالإضافة إلى تكلفة الحفار والتي قُدّرت بمبلغ ثمانية مليون دولار.
وهكذا توقف العمل نهائياً في قناة جونقلي وتبخّرت أحلام مهندسي الري الذين درسوا وكتبوا عن مستنقعات جنوب السودان، وأحلام الحكومتين السودانية والمصرية. وبقي الحفار الضخم قابعاً قرب الكيلومتر 267 للقناة، يتآكله الصدى ويتراكم في أطرافه التراب والغبار والمياه. وقد أصبح الجزء الذى اكتمل من القناة خندقاً وشركاً قاتلاً للحيوانات البرية في المنطقة، وحاجزاً بين الجانب الشرقي والجانب الغربي للقناة، يعيق حركة السكان المحليين وتحركات مواشيهم.
8
تدور أسئلةٌ كثيرة حول مستقبل قناة جونقلي. ومن رأيي أن هناك مجموعة من العوامل والظروف الموضوعية والعملية التى ستقف أمام مسألة إكمال قناة جونقلي، وأمام تخطيط وتنفيذ القنوات الثلاث الأخرى المقترحة. وقد يساهم وجود اسرائيل في جنوب السودان في هذا أيضاً، ولكن هذه العوامل الموضوعية كافية لوحدها في الوقوف في طريق إكمال قناة جونقلي والبدء في القنوات الأخرى. وهذه العوامل هي:
أولاً: بالطبع لن تفكر حكومة جمهورية جنوب السودان في إكمال قناة جونقلي أوبدء أيّة قناةٍ أخرى إن لم تكن لها مصلحة في أىٍّ من هذه المشاريع. عليه فإن السؤال الرئيسي الذى يجب الرد عليه هو: ما هى مصلحة حكومة جمهورية جنوب السودان في إكمال قناة جونقلي أوبدء بناء أية قناةٍ أخرى. بدون مصلحةٍ مباشرة وكبرى فإن حكومة جمهورية جنوب السودان لن توافق على إكمال قناة جونقلي، أو بناء أيّةٍ من القنوات الثلاث الأخرى. وقد كان هذا هو موقف السيد سلفا كير خلال الفترة الانتقالية، وقد قطع إحدى زياراته للقاهرة بسبب إصرار مصر على مناقشة مسألة قناة جونقلي. وقد اتخذ السيد سلفا هذا القرار قبل أن تتوطّد علاقته باسرائيل وتفتح سفارتها في جوبا.
ثانياً: إن الرأي النهائي حول القناة لن يكون بيد حكومة جمهورية جنوب السودان وحدها. فالمجموعات المحلية التى ستتأثر بهذه المشاريع، ومنظمات المجتمع المدني المعنيّة بالبيئة، سيكون لها رأىٌ وصوتٌ عالٍ هذه المرة، على عكس عام 1978 عندما بدأ العمل في قناة جونقلي. فقد تضررت تلك المجموعات كثيراً من القناة ولم يكن هناك أدنى تفكيرٍ في تعويضها كما حدث ويحدث في مشاريع المياه الأخرى. كما أن حكومة الخرطوم لم تُنجِز أيٍ من المشاريع التنموية التي وعدت بها المنطقة. عليه فإن حكومة جمهورية جنوب السودان لن تستطيع اتخاذ أى قرارٍ بشأن القناة، أو أيةٍ من القنوات الأخرى المقترحة، بدون الرجوع إلى هذه المجموعات المحلية وإقناعها والاتفاق معها. وكما ذكرنا أعلاه، فقد اعترض عددٌ كبيرٌ من السياسيين والفنيين والمواطنين على قناة جونقلي، وتظاهر عددٌ كبير من الطلاب والمواطنين ضدها عام 1976.
ثالثاً: إن مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف المعروفة بـ "السُّد" قد تم إعلانها في يونيو عام 2006 مناطق رطبة ذات أهمية عالمية بموجب الاتفاقية الدولية للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية المعروفة بـ "اتفاقية رامسار"، والتى يشرف عليها الإتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. هذا بدوره سيقوّي أيادي منظمات المجتمع المدني المحلية والإقليمية والعالمية المعنية بحماية البيئة عموماً، ومستنقعات جمهورية جنوب السودان خاصةً.
رابعاً: إن الوضع الأمني في ولاية جونقلي ظل مضطرباً خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. وقد وقعت عدة حوادث قتالٍ قبلي وتمردٍ في المنطقة أبرزها التمرد بقيادة اللواء جورج أثور، وآخر بقيادة السيد ديفيد ياوياو. وتجعل الظروف الطبيعية والمستنقعات من منطقة جونقلي مكاناً مناسباً للتمرد، مثلما حدث عام 1983م عندما تمترست الحركة الشعبية لتحرير السودان لبعض الوقت في تلك المنطقة.
خامساً: لابد من الإشارة إلى أن تجربة الشركة الفرنسية في العمل في قناة جونقلي ستكون درساً مهمّاً لكل شركةٍ تفكر مستقبلاً في الاستثمار في قنوات جنوب السودان (وهي شركاتٌ قليلة على كل حال). فالحفار قد تآكل وصدئ خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية ولا أحد يؤمل عليه. والحالة الأمنية غير مستقرة. والشركة مازالت في انتظار أن تدفع لها حكومة السودان، بعد أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، التعويض الذي قررته هيئة التحكيم التابعة للغرفة التجارية الدولية عام 1985.
سادساً: تجاوزت تكلفة الجزء الذي اكتمل من قناة جونقلي المائتي مليون دولار، وهذا الرقم لم يشمل المشاريع التنموية التي وعدت بها الحكومةُ المنطقةَ ولم يُنفّذ أيٌ منها. وإذا أخذنا في الإعتبار الزيادة الكبيرة التي لا بدّ أن تكون قد طرأت على التكلفة منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، والتعويضات للمجموعات المتضرّرة ومشاريع التنمية في المنطقة، فإن التكلفة الجديدة المتوقعة للقناة ستكون باهظةً.
سابعاً: كما يجب إضافة أن الدول النيلية الأخرى قد أوضحت بجلاء في العامين الماضيين أنها تريد أن تكون طرفاً فاعلاً في كل ما يتعلق بمياه النيل وأن تنال حقوقها في مياه الحوض. هذه الدول قد لا تلزم الصمت تجاه أيّة فكرةٍ لإكمال قناة جونقلي أوبناء أيّة قناةٍ أخرى في مناطق مستنقعات جمهورية جنوب السودان قبل معالجة مسألة نصيبها من مياه النيل. فمياه مستنقعات السُّد تأتي من البحيرات الإستوائية، كما أن مياه مستنقعات مشار/السوباط تأتي من الهضبة الإثيوبية. وهذا بدوره يثير التساؤل الكبير حول من يملك مياه نهر النيل؟
9
عليه فإننى أخلص إلى أن قناة جونقلي قد أصبحت مشروعاً معقّداً وشائكاً بسبب أخطاء الخرطوم والقاهرة خلال الخمسين عاماً الماضية، ولا أعتقد أنه سيتم إكمال القناة ولا البدء في مشروعٍ جديد، على الأقل على المديين القريب والمتوسط، سواءٌ قامت اسرائيل بتحريض جنوب السودان أم لم تقمْ.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2082

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#330059 [mohd]
0.00/5 (0 صوت)

04-11-2012 09:06 AM
انشاء الله ما يقوم وما يتم

نحن في الشمال ما عندنا مشكلة موية

وحاجة فيها مصر دي انشاء الله ما تتم

انانية ما يفكروا الا في مصلحتهم وبس عايزين ياخذوا طول عمرهم بدون ما يدفعوا اي مقابل


#328835 [mohy]
0.00/5 (0 صوت)

04-10-2012 09:54 AM
أغلب المقال عن الحفار العظيم؟؟؟؟؟؟؟


ردود على mohy
Canada [سودانى طافش] 04-11-2012 01:52 AM
يا(mohy)أسمع كلام(أبوالكدس) .. يعنى إنت فى المقال ده كلو ماشفت غير (الحفار) ! يعنى ماأستفدت من المعلومات القيمة وبالأرقام كمان ! هل كنت تعرفها كلها ! ياخى ماتمرضونا !

Saudi Arabia [أبو الكدس] 04-10-2012 11:09 AM
والله إنت شكلك قريت المقال بس شكلك طلعت مسطح يا فردة على أي حال المقال ما للزيك يا محي


د. سلمان محمد أحمد سلمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة