المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
في رحيل الشيوعيين الأماجد
في رحيل الشيوعيين الأماجد
04-11-2012 07:05 PM


في رحيل الشيوعيين الأماجد،
(2) من (3)

صديق عبد الهادي
[email protected]


إنه وعلى جانبٍ خاص، ما لفَّ الحزنُ كامل الحزب الشيوعي السوداني، ومنذ يوليو 1971م، مثلما لفه خلال الشهور القليلة المنصرمة الفائتة، إذ غيّبَ الموت أربعة من رموزه الشعبية الشواهق، ليس على مستوى الحزب وإنما على المستوى الوطني، الاستاذ التجاني الطيب، الفنان والمبدع الاستاذ محمد وردي، الشاعر والمبدع الاستاذ محمد حسن حُميد واخيراً القائد الوطني الاستاذ محمد إبراهيم نقد، السكرتير السياسي للحزب. وقد شهدت على عِظم الفقد مواكب الوداع التلقائية وغير المسبوقة التي نظمها شعب السودان تعبيراً عن الحب والوفاء.
كان رحيل الشاعر الشيوعي محمد حسن سالم حميد مدوياً، إرتجتْ على إثره جنبات الوطن. كان رحيلاً مفاجئاً ومؤلماً، وكأن برقاً فلق السماء إلى نصفين!!!.
الشاعر حميد، يمثل حالة شعرية ووطنية، خالصة. لم يكتف بنحت كلماته من تعب الناس البسطاء ومعاناتهم، وإنما إنغمس بكليته في همومهم وقضاياهم. فما إذ إختلف الناس معه حول بعض القضايا ام إتفقوا، فقد اصبحت مسالة الوطن بالنسبة للشاعر الراحل حميد و كأنها مسألة شخصية، أي انه قَبِلَ، وعن طوعٍ، إلتحام العام مع الخاص في وجهة التخلي عن الاحلام الصغرى ومن ثمّ النفاذ إلى افق الاحلام الكبرى، احلام الوطن والناس، والعمل لاجل تحقيقها. وذلك ومما لا شك هو شأن العظام من الملتزمين، شأنهم في إمتلاك القدرة على تحويل القضايا العامة إلى ما يشبه التعهد الشخصي، وبكل ما يحمله ذلك التعهد من تبعات. لا تقف عند حدها الأدنى من مواجهة التشريد والسجون والتعذيب، وإنما ترتقي إلى حدها الاسمى من تجشم تبعات "الحب المبذول" من الناس!!!.
رحل الشاعر حميد، وكما يهوى كلٌ منْ طوقه ذلك "الحب المبذول"، لم تكن جيوبه، ساعة الرحيل، مملؤةً بقصاصات الأشعار كما كان معهوداً، وإنما بـ "روشتات" "دواء" و"علاجات" الفقراء!!. فهكذا صعد، حقاً، إلى نهايات المراقي البعيدة للشعر غير الغاوي!!!.
جاء بريق حميد كشاعر شيوعي ووطني من الدرجة الاولى مصاحباً لإنتفاضة الشعب في مارس/ ابريل 1985، لانه كان من دعاتها ومن المبشرين اللوامع بها. فهو الذي سك ونحت لها اسمها الشاعري الخالد "ماريل". ولقد كان ذلك الاسم هو الابن الشرعي لحساسيته وذائقته الشعرية المرهفة الملتزمة!!!.
تعتبر منطقة الجزيرة من المناطق المتعددة الاعراق في السودان، هذا إن لم تكن من اميزها. حيث انه ليس هناك من "لكنةٍ" او "لهجةٍ" سودانية لا توجد فيها. والفضل في ذلك، بالطبع، يرجع لوجود مشروع الجزيرة الذي لم يستدع تأسيسه وجود قوى بشرية متنوعة من كل انحاء السودان وحسب، وإنما مثَلَ وشكّلَ بتأسيسه ذلك قوة جذب للناس بمختلف اعراقهم وثقافاتهم، ولانه نقل، وبالفعل، عموم المنطقة من حيز القطاع التقليدي إلى حيز القطاع الحديث وعبر بها إلى أعتاب الحداثة وانوارها. وذلك بالطبع قبل ان تقطع دكتاتورية الحركة الاسلامية تلك المسيرة!!!.
إمتزجت كل تلك الثقافات الوافدة إلى الجزيرة، وتساكنت. ولكنه وبالرغم من هذه الحقيقة، وحين جاء الشاعر حميد إلى منطقة غرب الجزيرة وبدعوة من إتحاد الشباب السوداني بقرية العقدة في أوخر عام 1985، كان إنبهار الناس به عظيماً ، إذ وجدوا انفسهم امام تجربة جديدة. فهي من ناحية المضمون أقرب للملاحم منها للقصيد الشعرى المألوف، وأما من ناحية الأداء، وبسبب دراميته العالية، فكأنما بالناس يسمعون ولاول مرة تلك "اللكنة" الباذخة، والتي هي في الاساس موجودة في المنطقة وقد يكون منذ زمنٍ يرجع إلى ما قبل قدوم المشروع نفسه، وإن كان له، اي للمشروع دورٌ كبير في توطينها مثلها وبقية "اللكنات" الاخرى لعموم اهل الجزيرة، ودونما إستثناء.
فأهل الشمال لعبوا دوراً مرموقاً عند إنشاء المشروع حيث لم يكن دورهم مقتصراً على مساهمتهم الكبيرة في إدارة الري، الذي هو عصب المشروع وروحه، بحسب انهم من اقدم منْ خبروا فنون الزراعة في السودان، وإنما لعبت الأجيال الاولى منهم دوراً فاعلاً في ترسيخ وقيادة العمل النقابي في المشروع، خاصة في قطاعاته العمالية والفنية. وهي اجيال إستقدمتها "شركة الزراعة السودانية" التي كانت تملك مشروع "الزيداب"، ومن ثمّ إنتقلت لتملك إنتاج مشروع الجزيرة وإدارته فيما قبل استقلال البلاد، (راجع م. الكارب، مشروع الجزيرة).
طغى الراحل حميد على مشهد الشعر الوطني الملتزم وبشكل لافت لا جدال حوله منذما قبل إنتفاضة مارس/ أبريل 1985 وإلى يوم رحيله. فلقد كان صاحب مشروع إبداعي فضلاً عن كونه مساهماً أصيلاً في مشاريع تنويرية أخرى لم يُقدر لها الإكتمال تحت قيادة روادها أنفسهم، من أمثال الراحل الفنان المبدع "مصطفى سيد احمد"، الذي رحل باكراً هو الآخر. إن إضاءة تلك الخلاصات تكشف، ومن ضمن ما تكشف عنه، جسامة الخسائر المتكبدة.
إنه وفي هذا الوقت، فأقل ما يمكن ان يُقال أنه وبالرحيل الفاجع للشاعر حميد تكون قد فقدت الحركة الوطنية الديمقراطية شاعراً مميزأً، وفقد الوطن المع النجوم في سمائه، بل وإنحسر رنين الشعر فيه.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 981

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




صديق عبد الهادي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة